دورة الأترجة القرآنية - سورة الكهف -1

دورة الأترجة القرآنية - تفسير سورة الكهف - 1

د. عصام بن صالح العويد

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8))

الكهف واسطة عقد كتاب الله U. ورد في فضلها عن النبي e أحاديث صحيحة، فقد ثبت في صحيح مسلم أنه قال صلوات ربي وسلامه عليه: "من حفظ أول عشر آيات من سورة الكهف أمن من فتنة المسيح الدجال". وجاء في لفظ آخر: "من حفظ آخر عشر آيات من سورة الكهف" واللفظ الثاني هو شاذ عند المحققين من أهل العلم وإنما أورده الإمام مسلم في صحيحه ليبين شذوذه، وأما الثابت عنه صلوات ربي وسلامه عليه "من حفظ - وفي لفظ آخر من قرأ - أول عشر آيات"، هذا هو اللفظ الثابت. والذي ينبغي أن يتعلمه الناس في فهم هذه الأحاديث أن المراد من الحفظ والقراءة ليس هو ما يفهمه كثير من الناس حينما يسمعون هذه الألفاظ. فإن لفظ القراءة ولفظ الحفظ إنما يراد بها ما كان عليه هذا اللفظ في زمن النبي e، وهم في زمنهم لم يكن يطلق على الحافظ أنه حافظ ولا على القارئ أنه قارئ إلا إذا كان قارئـًا عاملاً بما جاء في هذه الآيات. فليس من قرأ أول عشر آيات من سورة الكهف بلسانه ثم لم يعمل بموجب ذلك يكون ممن قرأها وأمن من فتنة المسيح الدجال فإن هذا ليس بصحيح، فإن المؤمن يقرؤها والمنافق يقرؤها والكافر يقرؤها، وإنما المراد هي القراءة التي توجب العمل، ولذلك كان يطلق على أصحاب رسول الله e "القُرّاء" ليس لمن قرأ بلسانه وإنما لمن قرأ وفقه ما قرأ وامتثل ما كان يقرأ. وكذلك الحفظ فإنما كانوا يحفظون من القرآن ما يستطيع الواحد منهم أن يتعلم ما فيها من العلم ثم يعمل بموجب هذا العلم. فمن فعل ذلك أي أنه قرأ أول عشر آيات من هذه السورة ثم فهمها وتدبـرها ثم عمل بموجب هذا التدبر فإنه سيأمن من فتنة المسيح الدجال. وأما من قرأها مجردًّا بلسانه أو حفظها مجردًّا بذهنه فإنه عندئذ ليس له هذا الفضل الوارد في هذا الحديث.

وثبت أيضـًا في الصحيح - في صحيح البخاري - عن النبي e في حديث أسيد أنه كان أسيد كان يقرأ سورة الكهف وكان بجواره فرس قد رُبط بشطنين أي بحبلين، قال أسيد فكنت أقرأ فثار الفرس حتى كاد يطأ بعض أولاده فخشي أسيد على أهل بيته فسكت عن القراءة. فلما أصبح الصبح جاء إلى النبي e فذكر له ذلك، ذكر له أنه كان يقرأ سورة الكهف وأن الفرس حصل لها ما حصل، فقال النبي e: تلك السكينة تنزلت مع القرآن، والمقصود بالقرآن هنا هو سورة الكهف.

فسورة الكهف : هي سورة من أعظم الفتن وهي في نفس الوقت هي سورة سكينة عند كل فتنة. فإذا أردنا أن نتحدث عن مقصود سورة الكهف فهي ما دلت عليها هذه الأحاديث، فمقصود السورة هو الأمان من كل فتنة أن يتنزل على قارئها ومتدبرها والعامل بموجبها سكينة يأمن معها من الانسياق وراء أي فتنة كانت من كانت فسورة الكهف هي كهفك من الفتن، أمانك مما تخشى في كل زمن وخصوصـًا في زمن الفتن. وهذا الذي دلّت عليه الأحاديث السابقة وهذا هو مقصودها الذي تتابع عليه أهل العلم في هذا الزمن وقد سمعته من عدد كبير من أهل الاختصاص في هذا الباب، أن مقصود هذه السورة هو: الأمـان من كل فتنة.

ولذا كان من ديدن أهل العلم في السلف والخلف أن يقرؤها في كل جمعة، لأن هذا الأمان يحتاج أن يُجدّد طورًا بعد طور فيدخل الإنسان في كهف هذه السورة ليطلب من الله U أن يؤمنه من كل شر فتنة، فإذا تكررت الفتن تكرر الأمان، وكلما ازدادت الفتنة كلما ازداد أمانه الذي يطلبه من ربه. ولذلك، كان مما تواتر عن أهل العلم أنهم يكررون سورة الكهف نعم لم يثبت في ذلك حديث مرفوع عن النبي e فالحديث المشهور بين الناس في قوله e: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له نورٌ ما بين قدميه والبيت العتيق"، وفي لفظ "ما بين قدميه وعنان السماء"، وفي لفظ "ما بين الجمعة والتي تليها وزيادة ثلاثة أيام" هذا الحديث لا يصح عن النبي e لأنه من رواية هشيم وخالفه في ذلك أميرا المؤمنين في الحديث شعبة وسفيان. فرواه هشيم مرفوعـًا إلى النبي e عن أبي هاشم، وخالفه سفيان وشعبة فروياه موقوفـًا على أبي سعيد ولا شك أن الصواب رواية شعبة وسفيان وإن كان هشيم من أئمة أهل الحديث في الحفظ والضبط ولكن أين هو من أولئك الأثبات الثقات الجبال؟!

وأيضـًا روي عن هشيم وقد اختلف عليه موقوفـًا ومرفوعًا، فرواية الموقوف عن هشيم لا شك أنها أثبت من موافقتها ما رواه الأكابر والأثبات من أهل الحديث. فإذاً لا يصح عندنا حديث عن النبي e في قراءة سورة الكهف في يوم الجمعة أو في كل جمعة لم يأتِ ذلك مرفوعـًا، وإنما ثبت عن أبي سعيد الخدري موقوفـًا أنه قالt : من قرأ سورة الكهف أضاء له نور ما بين قدميه إلى البيت العتيق، وهذا هو أصح الألفاظ من غير ذكر يوم الجمعة. فالموقوف الثابت عن أبي سعيد في ذكر ما لقارئ هذه السورة من الأجر وماله من النور عند الله U "ّمن قرأ سورة الكهف (من دون ذكر في يوم الجمعة) أضاء له نور ما بين قدميه إلى البيت العتيق". ولذلك كان من هدي السلف رضوان الله عليهم أجمعين أن يقرأوا هذه السورة مرة في الأسبوع والذي جاء عن أئمة السلف أنهم كانوا يقرأونها في يوم الجمعة.

ولذلك حينما نقول للناس في قراءة سورة الكهف، نقول لهم اقرأوها في يوم الجمعة لأنه ثبت عن الإمام الشافعي وعن أحمد وعن جماعة من أكابر أئمة أهل الحديث أنهم كانوا يقرؤنها ويحثون على قراءتها في يوم الجمعة لا لأجل أن ذلك ثابت مرفوعاً إلى النبي e فقد ذكرت لك أنه ضعيف وقد ضعّف ذلك النسائي والدار قطني وجماعة من أكابر أئمة أهل العلل في الحديث ولكنهم أخذوا ذلك عن من تقدم.

فالدليل على قراءتها في يوم الجمعة أنه ثابت عن الأكابر من أئمة أهل العلم، فمن قرأها في يوم الجمعة فقد أحسن ومن فاته قراءتها في يوم الجمعة فليقرأها في الأسبوع كله. فمن لم يستطع أن يقرأها في يوم الجمعة فاقرأها في السبت أو في الأحد أو ما بعد ذلك فإن الموقوف على أبي سعيد لم يحدد بيوم وإنما هو مطلق "أضاء له نور"

ولذلك احرص على قراءتها فإن فاتك أن تقرأها في يوم الجمعة كما ثبت ذلك عن أهل العلم فاقرأها في أي يوم من أيام الأسبوع سيحصل لك الأجر الذي ثبت موقوفـًا وهو عند جماعة من أهل العلم في حكم المرفوع، لأن ما ورد عن أبي سعيد إنما هو من الأجر الذي لا يمكن أن يتحدث به صحابي من تلقاء نفسه، أن يقول بأن هذه السورة من قرأها يضيء الله U له نور ما بين قدميه إلى عنان السماء أو من قراءته للأسبوع الذي تليه هذا لا يأتي عن الصحابي من تلقاء نفسه ولكنه عند أكثر أهل العلم إنما هو من قبيل ما تلقاه عن النبي e.

قرآءة هذه السورة في غير تقييدها بيوم الجمعة عن ما ذكره أبو سعيد الخدري وأما قرآتها مقيدة بيوم الجمعة فهذا ورد عن أكبر أئمة أهل العلم.

اسم السورة، هذه السورة من السور التي سمّاها رسول الله e بهذا الاسم وسور القرآن على أنواع في هذا الباب:

- منها ما جاءت تسميتها في القرآن نفسه كما ثبت ذلك في سورة الفاتحة حينما سماها الله U بالسبع المثاني..

- ومنها ما ثبتت تسميتها عن النبي e كسورة الفاتحة حينما سماها النبي e بأم القرآن وكسورة البقرة وسورة آل عمران وغيرها كثير من سور القرآن.

وسورة الكهف من هذا النوع من السور وقد ثبت عن النبي e أنه أسماها هكذا "سورة الكهف" في حديث مسلم السابق وكذلك في حديث أبي أسيد في الصحيح في البخاري وثبت أيضـًا ذلك في آثار كثيرة عن صحابة رسول الله e هي عن الصحابة والتابعين من قبيل المتواتر ولا يعرف لها عند أهل العلم قاطبة إلا هذا الاسم. فهي من سور القرآن القلائل التي ليس لها إلا اسم واحد.

وهذا له دلالة في فهم مقصود السورة فإن اسم السورة إذا كان واحدًا دلّ على أن مقصود السورة من أولها إلى ختامها هو مرتبط بهذا الاسم وهذا من إعجاز أسماء القرآن فإن أسماء القرآن معجزة سواء كان منها ما ثبت في القرآن أو ما ثبت في السنة أو ما تتابع عليه السلف رضوان الله عليهم أجمعين واستقر ذلك عند أهل العلم فإن هذه الثلاث كلها إذا جاءت كاسم لسورة من أسماء القرآن فلا بد وأن يرتبط إعجاز بهذا الاسم.

ومن الإعجاز هنا فيما يتعلق بتسمية سورة الكهف أن هذه السورة سميت بهذه الكلمة "الكهف"، والكهف الذي ذكر في هذه السورة هو كهف يؤوى إليه، ولذلك قال الله U في هذه السورة (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ). فالكهف المذكور في سورة الكهف هو كهف يؤوى إليه فإذا أوى إليه من أوى نشر الله عزّ وجلّ رحمته على هذا الذي أوى إليه وجعل له من أمره مرفقا، هيأ له أسباب الراحة واطمأن وسكن في كل أموره.[

وهذا كهف كان لبني إسرائيل فإن كهوفهم بل وكل معجزة كانت تتنـزل عليهم وكذلك الكرامات إنما هي كانت من نوع المحسوس، فإذا نظرت في معجزة موسى u فإنما هي معجزة العصا ويتبع ذلك تلك المعجزات التسع التي نص عليها الله U في كتابه، وإذا نظرت في معجزة عيسى عليه السلام فإنما هي في إحياء الموتى وشفاء المرضى وهكذا، فهي معجزات حسية فكانت الكرامات أيضـًا لبني إسرائيل هي كرامات حسية. أما لأمة محمد e فالأمر يختلف فإن معجزته e ليست من هذا الجنس وإنما معجزته الكبرى هي هذا القرآن العظيم وهو معجز لا في حسه وإنما في معناه ودلالته وهدايته وروحه ونوره الذي تنـزّل من أجله. ولذلك كانت أغلب الكرامات أيضـًا التي تنزلت على أمة محمد e هي من هذا الجنس، فالكرامة العظمى لأمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه هي في العلم، هي في الهداية، في الدلالة على الخير، في مثل هذه الأنواع من جنس الكرامات المناسبة لمعجزة نبيهم صلوات ربي وسلامه عليه.

فكان الفرق بين الكهف الذي جعله الله U لبني إسرائيل والكهف الذي جعله الله U لأمة محمد e كالفرق بين معجزة النبيـين، النبي الذي أرسل إلى بني إسرائيل والنبي الذي أرسل إلى أمة محمد صلوات ربي وسلامه عليه وصلى الله عليهم أجمعين، فما الفرق هنا؟؟

أن ذاك الكهف لبني إسرائيل هو كهف من أحجار جعله الله U رحمة لهؤلاء الفتية حينما أووا إليه، وهذا الكهف إنما وعى سبعة وثامنهم كلبهم ولو ازداد العدد إلى سبعين لامتلأ الكهف وإن استوعب أكثر من ذلك إنما يستوعب عشرات أو قل مئات من الناس ومآله بعد ذلك أن يمتلئ ولا يدخل فيه إلا من دخل.

وأما كهف أمة محمد e فالأمر يختلف هو كهف عبارة عن آيات أنزلها الله U هداية ورحمة للناس، فكان هذا الكهف من أراد أن يدخل فيه من هذه الأمة استطاع أن يدخل سواء كانوا مائة أو مائة ألف أو ملايين من الناس أو زادوا على ذلك، كل من أراد أن يأوي إلى كهف نبينا e - وهي هذه السورة - كل من أراد أن ينشر الله U له من رحمته، وأن يجعل له من أمره مرفقا، وأن ييسر له الطمأنينة والسكينة فإنما عليه فقط أن يدخل في كهف هذا النبي الكريم وهي سورة الكهف. كيف يدخل فيها؟ أن يقرأها كما يريده الله عزّ وجلّ منه فهذا هو الفرق بين الكهفين وهو فرق عظيم جدًا كالفرق بين عظمة الأمتين.

ولذلك كان من دلائل هذا الاسم المعجز هو أن أمة محمد e من أراد منها أن يأوي، من خشي منها من فتنة، من قلق، من استشعر أنه يكاد أن يسقط في أرض مزلّة فليس عليه إلا أن يأوي إلى هذه السورة. يأتي إلى مكان خالٍ في مسجد أو في بيته أو في أي مكان ثم يتدبـر آيات سورة الكهف فينجيه الله U بمنّه وكرمه من كل ما يخشى من هذه الفتن.

ولذلك ذكرنا لك أن مقصود سورة الكهف هو الأمان من الفتن، فهي كهف ولكنها كهف معنوي كما ذاك الكهف لبني إسرائيل كان كهفـًا حسيـًّا.

وهنا قاعدة: أن الاسم إذا كان واحدًا لسورة من سور القرآن فإن دلالته على مقصود السورة يكون ظاهرًا جليـًّا. الربط بين آياتها كلها من مبدأها إلى ختامها وبين اسمها يكون جليـًّا واضحـًا. فحينما تنظر إلى الاسم وتعرف معنى هذا الاسم ثم تقرأ في آيات السورة فاربط كل آية بهذا الاسم يتبين لك معناها على أتم وأجلى ما يكون، ويتضح لك الإعجاز العظيم في هذا الكتاب المحكم فإن القرآن أحكمت آياته ثم فصلت فإحكام آياته هنا أن كل الآيات تعود إلى مقصود واحد تدور عليه هذه الآيات والدلالة على هذا المقصود مفتاحه إنما هو من خلال أسماء سور القرآن وهذا مبحث من مباحث علوم القرآن .

 السورة وعلاقتها بمقصودها: الأمان من الفتن

السورة في مطلعها افتتحها الله U بقوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ) فهذا مفتتح السورة وعلاقة ذلك بالأمان من الفتن أن الوسيلة العظمى للنجاة من كل فتنة هي هذا القرآن العظيم. فلا يوجد في الدنيا وسيلة هي أوثق وأعظم لتنجو مما تخشى من فتن الدين والدنيا، أعظم وأوثق من كتاب الله U. فافتتحت السورة بهذا الافتتاح العظيم الذي فيه الدلالة على هذه الوسيلة العظمى التي من تمسك بها واعتصم بآياتها أنجاه الله U مما يخشى, ومن فرّط فيها وقع في الفتن في دينه ودنياه.

ثم ختم الله عزّ وجلّ سورة الكهف بالحسنة العظمى التي لا يبقى معها أثر لأي فتنة وهي حسنة التوحيد ولذلك تلحظ أنه في ختام السورة أن الله U قال (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). العادة في كتاب الله الذي تكاثر في القرآن إذا ذكر الإيمان والعمل الصالح أيهما يُقـدَّم؟ (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) هذا كثير في كتاب الله U، فالأصل في التقديم إذا ذكر الإيمان والعمل أن يقدم الإيمان ثم يذكر العمل. بينما في سورة الكهف خولف ذلك في ختامها فقال الله U (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ) أي خاليًا من الفتن سالمًا منها، فكيف يفعل؟ قال الله U (فَلْيَعْمَلْ) فبدأ بذكر العمل (فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا) ثم ختمت السورة (وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). 

فمن أراد أن يأتي إلى ربه وأن يبعث من قبره صافيًا طاهرًا نظيفًا من أثر كل فتنة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة دقيقة أو جليلة خفيّة أو ظاهرة فما عليه إلا أن يلقى ربه بالحسنة العظمى هذه وهي حسنة ألا يشرك بالله U، لا شركـًا صغيرًا ولا كبيرًا، أن يحقق التوحيد الكامل لله U .

ولذلك في حديث الترمذي – حديث البطاقة وهو صحيح – لما جاء الرجل بتسعة وتسعين سجلا فأيقن الرجل بالهلاك، له تسعة وتسعين سجل كل سجل منها كمدّ البصر، فيه من الكبائر والموبقات والفتن وما تلطخ به في الدنيا فأيقن الرجل بالهلاك، فقيل له إنك لا تُظلم اليوم شيئـًا فجيء بالبطاقة فلما نظر إلى البطاقة قال: يا ربِّ وماذا تعمل هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟! (نظر في سجلات كمدّ البصر وفيها من المصائب ما فيها!! وتلك بطاقة!! ) فقال الله U له ليؤكد: إنك لا تُظلم اليوم شيء لك هذه البطاقة سيؤتى بها. فجيء بالبطاقة مكتوب عليها "لا إله إلا الله ". والمقصود هنا بلا إله إلا الله من حقق التوحيد لله، كان يذنب ولكنه يعرف قدر الله، كان يعصي ولكنه سريعًا ما يؤوب ويبكي خشية لله، كان قد يقع في بعض موبقات العين موبقات اللسان موبقات الفرج ولكنه لم يخفى عليه ما لله U من الحق في هذا كله، فكان حق الله في قلبه عظيم وقد حقق لا إله إلا الله بشرطيها، بشرط النفي وشرط الإثبات، ولكن الذنوب قد غلبته، فلما جيء بلا إله إلا الله وهي صافية نقية فوضعت في كفة والسجلات في كفة قال النبي e: فثقلت البطاقة وطاشت السجلات.

فهذه هي حسنة التوحيد التي لا يبقى معها أثر لأي فتنة لأي معصية ولذلك ختمت سورة الكهف لمن أراد أن ينجو من هذه الفتن فعليه بهذه الحسنة العظمى. ما منا إلا وذاك الرجل إما أن يتلطخ بمعصية أو يتلطخ بفتنة والفتن على درجات: منا من يحميه الله U من كبائرها ومهلكاتها، ومنا من يمس من هذه وتلك. فالنجاة النجاة هنا في تحقيق التوحيد في "لا إله إلّا الله، في "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" (الفاتحة :5)، في "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)" (الإخلاص)، في "اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ" (البقرة :255) في هذه الآيات العظام هي النجاة هنا.

ولذلك كررت سورة الكهف هذا المعنى كثيرًا لأنها هي المنجية للإنسان إذا ختم حياته بتوحيد الرب الديّان I.

ثم بعد ذلك لما بُدئت السورة بالوسيلة العظمى للنجاة من كل فتنة وختمت بالحسنة العظمى التي لا يبقى معها أثر لأي فتنة جاءت الفتن الأربع في داخل هذه السورة، وجاءت مع كل فتنة وسيلة النجاة منها عـقبها مباشرة يذكر الله U لك الفتنة ثم يذكر لك مفتاح النجاة من هذه الفتنة ولذلك لم يذكر الله U في هذه السورة فتنة إلا وأعقبها بكيفية النجاة منها.

يقول الله U في مطلع سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا)

السور التي بُدئت بالحمد لله هي خمس سور في القرآن، وقد ذكر الإمام الشافعي رحمه الله أن الله U لا يبتدئ سورة من القرآن بـ(الحمد لله) إلا إذا كان ذلك من أجل تعظيم الله، وتعظيمه هنا بحمده جلّ وعلا، فكل سورة ابتدأت بالحمد فهي من سور تعظيم قدر الله وتعظيم قدر الله في هذه السور يجيء على وجهين:

إما بذكر نعمته I المحسوسة، أو بذكر نعمته المعنوية. إما يكون بنعمة تتعلق بالخلق بالطعام والشراب، بالصحة والعافية ونحو ذلك، وإما تتعلق بالهداية والوحي والعلم ونحو ذلك.

وسورة الفاتحة جمعت بين هذين النوعين وسورة الأنعام اختصت بذكر النعم الحسية في مطلعها وسورة الكهف اختصت بذكر النعم المعنوية نعمة الهداية وتنزيل الوحي بهذا الكتاب العظيم. ومن عادة القرآن والسنة أنه إذا اجتمع تسبيح وحمد أن التسبيح يتقدم على الحمد وهذا هو المناسب، كما تقول "سبحان الله والحمد لله" ما تقول الحمد لله سبحان الله، فإن هذا لا يناسب حتى من جهة المعنى وهو بخلاف النصوص لأن التسبيح: التنزيه، والحمد: اعتراف بالكمال ومدحٌ للمحمود فتنزّهه قبل أن تعترف بكماله وتثني عليه. ولذلك تقدمت سورة الكهف بالحمد لله لأنها سورة ثناء في مطلعها، وجاء قبلها في النصف الأول في آخره من القرآن سورة الإسراء والتي هي سورة تسبيح، فخُتم النصف الأول من القرآن بالتسبيح وافتُتح النصف الثاني من القرآن بالحمد وهذا هو المناسب في تسبيح الله U وحمده وثنائه Y ، فجاءت سورة سبحان متقدمة وجاءت سورة الحمد تالية.

ولذلك أن سورة الإسراء في ختامها ختمت بالحمد، فهي بُدئت بالتسبيح وختمت بالحمد أيضًا في قوله سبحانه و تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) ثم تكرر الحمد في مطلع سورة الكهف.

فإذاً هذه هي سورة الكهف هي سورة حمد وثناء على الله U بما منّ به وتفضّل من بيان لسبيل النجاة من الفتن فنحن مما ينبغي أن يقرّ في قلوبنا إذا أردنا أن نقرأ هذه السورة أننا نثني على الله U وأنا نحمده وأنا نشكره أعظم الشكر على أنه بيّن لنا سبيل النجاة وأنه ذكر لنا ما يكون فيه الفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة. فحينما تقرأ في سورة الكهف استحضر هذا المعنى، استحضر منّة الله عليك، استحضر نعمة الله وفضله الواسع العميم أنه جلّ وعلا أنزل لك هذه الهداية والنور والبيان في سورة الكهف.

فإذا كنت تحمد الله U على نعمة العافية ونعمة المال ونعمة الولد ونعمة البصر ونعمة الكلام ونعمة الماء ونعمة الطعام، إذا كنت تحمد الله U إذا شفاك من مرض وتكثر من هذا الحمد وهو حقيق بذلك سبحانه وتعالى فكيف لا تحمده جلّ وعلا فيما هو أعظم من ذلك بكثير؟! أن بيّن لك ما تنجو به في دنياك وما تسلم به في أخراك بسورة هي أمانك من كل فتنة فكان هذا هو مطلع هذه السورة وهو غرض هذا المطلع حينما افتتح الله U سورة الكهف بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ)

ثم قال الله U واصفًا هذا الكتاب (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا # قَيِّمًا) فهذان وصفان للقرآن:

أما الوصف الأول: فهو أن هذا الكتاب ليس فيه عوج، والعوج في لغة العرب يُطلق بلفظين: تارة يُقال عـِوَج وآخر يقول العربي فيه عَـوَج أي بكسر العين أو بفتحها، وكثير من أهل البلاغة يفرقون بينهما أن العَوَجَ يكون في المحسوسات وأن العِـوَجَ يكون في الأمور المعنوية، فذاك في الحسية وهذا في المعنوية وهذا إن كان لا يستقيم على لغة القرآن، فإن العِـوَجَ في القرآن جاء حسيًّا وجاء معنويًّا ولكنه من جهة الغالب صحيح أي في استخدام اللغة، أن هذا الفرق موجود في لغة العرب ولكنه أغلبي ولذلك في القرآن خُرم هذا.

فلما قال الله U (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) كان المراد هنا بالعِوج هو العوج المعنوي أي أن الله U ينفي أي عوج في دلالته، في هدايته، في أحكامه، في قصصه فليس فيه أدنى عوج وإنما هو مستقيم.

ثم وصف الله U هذا الكتاب بقوله (قَيِّمًا) فالوصف الأول هو من قبيل التخلية والوصف الثاني هو من قبيل التحلية فليس الوصفان هنا مكررين، كلا ! وإنما الأول يختلف عن الثاني.

الأول كمال في الذات، والثاني كمال في نفع الغير فالأول قاصر والثاني متعدي. فأولاً بيّن الله U كمال القرآن في ذاته بأنه ليس فيه، في داخله، أدنى عوج لم يجعل الله U له عوجًا وتنبه هنا أن الله U لم يقل ولم يجعل فيه عوجا مع إن الغالب في استخدام الجعل مع العوج في لغة العرب هو استخدام الظرفية هنا لا اللام (في) ولكن الله إنما ذكر في كتابه اللام هنا.. لأن قول القائل لو قال (ولم يجعل فيه عوجا) إنما ينفي العوج إذا كان داخلا أي في ذاته دون دلالة مضافة، ولكن حرف اللام يعطي دلالة أخرى وإن كان في الأصل (ولم يجعل له عوجا) أي ليس فيه أدنى عوج في ذاته في داخله ولكنه أيضًا يعطي دلالة المصاحبة هنا فاللام هذه لها دلالة إضافية على (في) فجاء استخدام اللام هنا لأجل هذا المعنى الآخر كما نبه على ذلك جماعة من أهل البلاغة وعلى رأسهم الإمام ابن عاشور "في التحرير والتنويـر" وهذا معنى صحيح ظاهر جداً.

حينما أراد الله U أن يبيّن كمال القرآن ذكر الوصف الآخر فقال (قَيِّمًا) 

وقد ذكر بعض المفسرين ممن لا عناية له بأمور البيان والبديع وأمور البلاغة أن قيّما هنا بمعنى مستقيم وليس هذا كذلك ونسب ذلك إلى ابن عباس رضي الله عنهما ولا يصح عنه، أنه فسّر قيما بمستقيم وإنما جاء ذلك عن من تأخر من أهل الحديث.

أما أئمة أهل البلاغة من السلف رضوان الله عليهم أجمعين وكلهم كذلك كل السلف أهل بلاغة ولكنهم لا يفصحون عن البلاغة ببيان، بألسنتهم، يوضحون ذلك لأنها جاءتهم فطرة على البداهة وإنما يفصح عن ذلك من تأخر من أهل صنعة البديع فيكتب ويبين الفرق بين هذه الألفاظ لأجل أن المتأخر هو الذي يجهلها أما من تقدم فهو يعرفها تلقائيا من دون حاجة إلى ذكرها.

فالقيّم هنا ليس هو المستقيم وإنما المستقيم جزء من معنى القيّم، فقيّم هو القائم على غيره هذا معنى القيّم يقال الأب قيّم على أهل بيته، والله U هو القيّـوم أي قائم على عباده بما يصلحهم فالقيّم كما يقال أيضًا في لفظة ابن القيم إنما سمي ابن القيم لأن والده كان قيّمـًا في مدرسة الجوزية فيقال قيّم الجوزية أي أنه هو الذي يقوم عليها بما يصلحها فهنا قيّمًا أي أنه قائم على غيره بما ينفعهم فهذا هو القيّم. ولا يكون القيّم قيّمًا إلا إذا كان في نفسه مستقيمًا، لا يكون القيّم قيّمًا على غيره إلا إذا كان هو في نفسه كذلك.

ولذلك حينما ننظر في قوله (وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا) و (قَيِّمًا) حينما يجتمعان الأولى في نفي العوج والثانية في إثبات النفع للغير وإذا أردنا أن نتكلم عن كل واحدة منهما مستقلة عن الآخر فإن نفي العوج هنا منه أن يكمّل غيره والقيّم هنا أيضًا كذلك لما نقول هو القائم على غيره إذا أخذناها بمفردها فلا يكون مقوّمًا لغيره إلا إذا كان هو بنفسه قيّم فهما إذا افترقا لكل واحد منهما معنى يأخذ من معنى الآخر (اجتمعا في المعنى)، إذا افترقا في اللفظ اجتمعا في المعنى وإذا اجتمعا افترقا.

وهذا موافق تمامًا لأول سورة البقرة في قوله في وصف القرآن (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) فلا ريب فيه نفي للعوج، وهدًى للمتقين إثبات للقيومية على الغير فهو هداية للناس وفي الأول هو لا ريب فيه لا خلل ولا خطأ ولا خطل ولا نقص بأي وجه من الوجوه.

ثم قال I بعد ذلك (لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا) فهو أنزله I قيّمًا وأنزله لينذر بأسًا شديدًا من لدنه وأنزله ليبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنـًا.

 


 [S1]مقصود السورة: الأمان من كل فتنة

 [S2]تسمية السورة بالكهف

 [S3]بين كهف الفتية وكهف السورة

 [S4]علاقة السورة بمقصودها وهو الأمان من الفتن بالقرآن والتوحيد

 [S5]وصف القرآن: لم يجعل له عوجا، قيّما



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل