بلاغة آية وحديث - الحلقة 37 - (إن جهنم كانت مرصادا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 37

الآيات الكريمة التي سنتطرق إليها في هذه الحلقة هي قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ﴿٢٢﴾ لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴿٢٩﴾ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴿٣٠﴾ النبأ) الشاهد البلاغي معنا في آخر آية من هذه الآيات وهي الآية الثلاثون عندما قال الله تعالى في ختام الحديث عنهم (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) الآيات المهولة المخوفة في هذه السورة سورة النبأ تتكلم عن جهنم التي أعدها الله سبحانه وتعالى للطاغين وجعلها مآبا يؤبون إليه كما نقول هذه رحلة ذهبا وإياب هم الآن في ذهاب إلى الدنيا وأما المآب والإياب فسيكون إلى جهنم وبئس المآب أعوذ بالله أن تكون رحلة المآب إلى جهنم. (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾ لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا ﴿٢٤﴾) يا له من عذاب شديد! ليس هناك برد وليس هناك شراب. ثم استثنى الله، (إلا) هناك شراب (حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) هو الماء الشديد الحرارة – عافانا الله وإياكم – وغساقًا جزاء وفاقا لا يظلم الله سبحانه وتعالى أحدًا، لماذا جزاؤهم وفاقا، هذا العذاب الشديد؟ نلحظ أن الآية جاءت مرتبة وبالتدرج والترقي المعتاد في مثل هذه الأساليب، قال الله (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا) لأنهم عافانا الله وإياكم ألحدوا، قالوا ليس هناك رب، ليس هناك جهنم كما قال أبو جهل إذا كان زبانية جهنم سبعة أو ثمانية فنحن أكثر منهم في عدتنا فقال الله تعالى (فليدع ناديه  الزبانية). ثم قال الله تعالى (وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا) ونلحظ أن الأسلوب القرآني البديع جاء بكلمة (كذّب) بالتشديد من أجل التفعيل وكثرة تكذيبهم ثم جاء بالمفعول المطلق أو نائبه بقوله كذبوا كذابًا يعني تكذيبًا لكنه ناب عنه بقوله (كذابا) قال الله لا تحسبنهم عندما كذبوا وعندما لا يرجون الحساب أننا غافلون عنهم تعالى الله. قال الله (وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا) كل شيء مكتوب عليهم، فإذا كان كل شيء مكتوب فإن جهنم جزاء وفاق للمكذبين الذين لا يرجون الحساب. كان الله يتكلم عنهم (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ لِلطَّاغِينَ مَآَبًا ﴿٢٢﴾) لابثين هم، لا يذوقون هم، إنهم هم، كانوا لا يرجون هم، كلها (هم) في التقدير وفي ختام الآيات قال الله تعالى (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ) التفت الله بخطابه من الغائب إلى المخاطب وفي هذا من الشدة في التوبيخ والنكال بهم وبيان قدرته سبحانه وتعالى عليهم وتسجيل جنايتهم أنكم جنيتم وأجرمتم فذوقوا كما يقول المربّي أو المعاقب أو الشرطي أو الحاكم أو القاضي: هؤلاء الناس أخطأوا وفعلوا وقصّروا وخالفوا النظام فذوقوا عذابكم الآن فذوقوا جزاءكم فادخلوا السجن بئس ما تعملون! لما يلتفت الخطاب من الغائب إلى المخاطَب هذا بحد ذاته فيه من التقريع والعذاب الشيء العظيم سبحان الله! لم يكن ليتم المعنى بهذا الشكل إلا في مثل هذا الأسلوب القرآني البديع الراقي العالي الذي يسميه علماؤنا الأجلاء في بلاغتنا السامقة "الالتفات" الذي التفت فيه الخطاب من الغائب إلى المتكلم ولذلك صارت هذ الآيات -عافانا الله وإياكم- تقريعًا على تقريع وشدة على شدة عندما قال الله سبحانه وتعالى (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار، اللهم أجرنا من النار ووالدينا. قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه: إن أشد آية نزلت على أهل النار هي قوله تعالى (فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا) بمعنى أنكم في النار ستزدادون، لكنكم تزدادون عذابًا ومع زيادة العذاب تزدادون عذابًا، إذا كانت الزيادة تزدادون عذابًا، لن نزيدكم إلا عذابا وهذا فيه ما فيه عافانا الله وإياكم من الويلات ومن جهنم وسعيرها ومن النار وما يقرِّب إليها من قول وعمل سائلين الله أن يجمعنا وإياكم ووالدينا في الفدروس الأعلى من الجنة.

بلاغة حديث

 الشق الثاني هو شرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقوف معه وقفات بلاغية فيما وصلنا إليه وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "والصبر ضياء". الصبر ضياء، بهذا التشبيه البليغ المحذوف الأداة والمحذوف الجامع وهو وجه الشبه يشبه النبي صلى الله عليه وسلم الصبر بالضياء بمعنى أنه محبوب له هذا الصبر بمثابة الضياء الذي يضيء له طريقه ويدله عل دروبه. الصبر على طاعة الله أن يصبر المصلي على الصلاة وإن كان غيره لا يصلي، أن نصبر على الصوم وإن كان غيرنا لا يصوم، أن نصبر على التعب في بعض ما أمرنا الله به وإن كان غيرنا لا يمتثل لهذه الأوامر، أن تصبر المرأة المسلمة على حجابها وإن رأت صاحباتها وصديقاتها في سفور وفي خروج وفي عدم تقيّد بأي أمر مما أمر الله به والفتاة الصالحة والمرأة المسلمة المسلمة صابرة على هذه الطاعة طاعة الحجاب فإنه بذلك ضياء لها يتكون وضياء لها توعد به بإذن الله الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية  لما ينهانا الله جل جلال الله عن الفحشاء والمنكر وينهانا عن أكل الحرام ولبس الحرام والتعدي على الآخرين بالحرام ونصبر وإن كان غيرنا يقارف الحرام ويرتكبه فذلك ضياء لنا. الصبر على الأقدار الموجعة من فقد والد أو ولد من فقد والدة أو أخت أو أخ، من خسارة مال، من نكبة من نكبات الدنيا التي تأتي للإنسان، هذا من الصبر على قضاء الله وقدره وهو نوع من أنواع الصبر. إذن الصبر ضياء للمؤمن في طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله المؤمنة ولذلك كان من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر خيره شره الإيمان والصبر لا ينافي الإنسان أن يشكو قد يشكون الإنسان من مرض جسدي أو نفسي أو عضوي أو معنوي ولكنه صابر إذن الشكوى لا تتعارض مع الصبر بدليل أن أيوب عليه الصلاة والسلام قال: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) الأنبياء) يعني أيوب شكى وقال (مَسَّنِيَ الضُّرُّ) ومع ذلك في آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى عن أيوب نفسه (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [ص:44] الصابر أيوب الذي هو نعم العبد الذي أواب هو الذي قال (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ) إذن الصبر لا يعني عدم الشوى ولكن الإنسان لا يتسخط على ما قضى الله عليه، سائلين الله أن يجعلنا من الصابرين إذا ابتلوا، الشاكرين إذا أُعطوا، الذاكرين الله على كل حال. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل