نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 12

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ حصريًا لموقع إسلاميات

 (12)

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية الثالثة من سورة التوبة: ﴿ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، إن قلت: لمَ رُفعت كلمة "رسوله" الثانية؟ فأقول: قيل: إن الواو استئنافية، ورسوله: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وخبره محذوف تقديره: ورسوله برئ، وحُذف الخبر لدلالة ما قبله عليه، وقيل: إن الواو عاطفة و"رسوله" معطوفة على الضمير المستتر في برئ؛ لأنه اسم مشتق يحتمل الضمير، والتقدير: أن الله برئ من المشركين هو ورسوله، وقيل: إنه معطوف على محل اسم أنَّ، لأن محله قبل دخول أنَّ الرفع على الابتداء. وقرأ يعقوب وابن إبي اسحاق وعيسى بن عمر وزيد بن علي: "ورسولَه" بالنصب، فتكون الكلمة معطوفة على اسم الجلال الله الواقع اسمًا لأنَّ، وفي القراءتين براءة الله ورسوله من المشركين.

ومما يحسن أن أذكره بهذه المناسبة، أنه يُروى أن أعرابيًا قدم في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه المدينة المنورة، فقال: من يقرئني شيئًا مما أنزل الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأقرأه رجل سورة براءة، فقال فيها أن الله برئ من المشركين ورسولِه بالجر، فقال الأعرابي: أوقد برئ الله من رسوله؟ إن يكن الله تعالى برئ من رسوله فأنا أبرأ منه، فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابي، فدعاه، فقال: يا أعرابي: أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا سورة براءة، فقال: أن الله برئ من المشركين ورسولِه، فقلت: أوقد برئ الله تعالى من رسوله؟ إن يكن الله تعالى بريء من رسوله فأنا أبرأ منه، فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، فقال الأعرابي: كيف هي يا أمير المؤمنين؟، قال عمر: أن الله برئ من المشركين ورسولُه، فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسولُه منهم. فأمر عمر حينئذ ألا يُقرئ القرآن إلا عالم باللغة. فتأمل كيف انقلب المعنى بسبب حركة إعراب يسيرة لا يلقي كثير من الناس اليوم لها بالًا؛ إذ يحرّكون ما يشاءون بما يشاءون.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية 49 من سورة القمر: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، قرأ القراء السبعة: إنَّا كلَ شيء بنصب "كل" وهو الراجح، ورفع "كل" مرجوح؛ لأنه اسم مشتغل عنه، حيث نصب العامل بعده ضميره خلقناه، فيكون الراجح نصب الاسم المشتغل عنه بفعل مقدر يفسره الفعل المذكور، والتقدير: إنا خلقنا كل شيء بقدر، ورفعه غير راجح لأنه قد يوهم أن الجملة الفعلية المذكورة "خلقناه" صفة لـ "شيء" ، فيكون المعنى إنا كلُ شيء مخلوق بقدر، وهذا ما يميل إليه المعتزلة كأبي علي الفارسي والزمخشري، لأنهم يقسمون المخلوقات إلى مخلوق لله ومخلوق لغير الله، ويجعلون من المخلوق لغير الله أفعال العباد الاختيارية وأفعال الشر كما أشرنا إلى ذلك في حلقة سابقة، مع أن هذه الآية صريحة الدلالة على خلق كل شيء من قِبَل الله تعالى.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 87 من سورة البقرة: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾، فعبّر عن التكذيب بالفعل الماضي "كذبتم" الذي يدل على حصول الحدث وانقضائه،

وعبّر عن القتل بالمضارع "تقتلون" الذي يدل على الزمن الحاضر أو المستقبل، مع أن القتل قد حصل وانقضى، فالسرّ في ذلك -والله أعلم- أن التعبير بالمضارع بدلًا من الماضي لاستحضاره في النفوس وتصويره في القلوب لفظاعته، وقيل إن الفعل الماضي تقتلون باقٍ على زمنه وهو المستقبل؛ لأن اليهود كانوا في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم يحومون حول قتل النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن عصمه الله تعالى منهم، أما التكذيب فقد حصل منهم وانقضى.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في سورة الممتحنة في الآية 10: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾، حيث كرّر التحريم بين الكافر والمؤمنة، فقال أولًا: ﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾، ثم أردف به قوله: ﴿ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾، وللتكرار ها هنا فائدتان كما قال الزركشي رحمه الله:

1.    الفائدة الأولى: أن التحريم قد يكون في الطرفين ولكن يكون المانع من أحدهما، كما لو ارتدت الزوجة قبل الدخول بها فيحرُم النكاح من الطرفين والمانع من جهتهما، فذكر الله تعالى الثانية ليدل على أن التحريم كما هو ثابت في الطرفين كذلك المانع ثابت منهما.

2.    الفائدة الثانية: أن الأولى دلّت على ثبوت التحريم في الماضي؛ ولهذا أتى بها بالاسم الدال على الثبوت، والثانية في المستقبل؛ ولهذا أتى فيها بالفعل المستقبل. انتهى كلام الزركشي رحمه الله.

 

وها هنا نظرة أخرى في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، فعبّر بـ "إذا" ولم يعبّر بـ "إنْ"، لأن إنْ لا تستعمل إلا في الأشياء المحتملة غير المؤكدة، ومجيء المؤمنات مهاجرات من الأشياء المحققة، فقد هاجرت سبيعة بنت الحارث الأسلمية رضي الله عنها، وتركت زوجها في مكة المكرمة، ولأجل ذلك عبّر بـ "إذا" التي تدل على تحقق وقوع ما بعدها، ثم إن قوله: ﴿جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ استشهد به أبو علي الفارسي على جواز تذكير الفعل وتأنيثه إذا كان الفاعل جمع مؤنث، لأنه قال: جاءكم ولم يقل: جاءتكم، ولكن رُد عليه بأنه يجوز الوجهان هنا لوجود فاصل بين الفعل والفاعل؛ وهو المفعول به الضمير "كم"، والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل