بلاغة آية وحديث - الحلقة 34 - (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 34

الآية الكريمة التي سنتطرق إليها وإلى بلاغتها وفنونها الجميلة في هذه الحلقة هي قول الله سبحانه وتعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) يونس) الآية الكريمة جاءت بأسلوب بلاغي بديع حيث ذكر الله سبحانه وتعالى بالخطاب الاستفهامي (قل) أولًا بدأ بالخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم فقال (قل) ومعلوم أنه إذا قيل (قل) يعني قل يا محمد وقل يا كل إنسان يصلح منه القول.أرأيتم أيها الناس إن أتاكم عذابه وهنا جاء بالضمير (عَذَابُهُ) إسناد العذاب إلى الله، إضافة العذاب إلى الله فيها أمر مهول مخوف بمعنى أن العذاب عذاب الله والله يملك اعلذاب وقادر عليه وقوي ومنتقم سبحانه وتعالى وإذا أخذ الظالمين لم يفلتهم فالعذاب المنسوب إلى هذا القوي لا شك أنه عذاب قوي بالغ في التأثير ولذلك قال الله سبحانه وتعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ) والعذاب يأتيهم كما قال تعالى في سورة أخرى في آية أخرى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) [الجمعة:8] يلاقيهم الموت وهنا العذبا هو الذي يأتيهم ومن كان يأتيه العذاب فلا شك أنه هالك.

ثم جاءت المؤكدات بالظرف الزماني البديع الذي أدّى دورا مهما في هذه الآية فقال تعالى (بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا) في حال البيتوتة في حال المساء قد يأتي العذاب وكما قال المتنبي:

يا راقد الليل مسرورًا بأوله

إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا

الحوادث أحيانًا – عافانا الله وإياكم – تأتي في السحر، في هدأة الليل، في هجعة النائمين مع أن أول الليل كان سرورا واطمئنانا فالله تعالى قادر أن يأتي الناس عذابهم بياتًا وقت بياتهم أو نهارًا في هذا النهار الطويل في أول الصباح، في الضحى، في الظهر، في العصر وهنا فيه من التخويف ما فيه بمعنى أن الأفاظ الدالة في هذه الآية جاءت لخدمة الإحاطة والشمول للأوقات كلها، البيات والنهار فمعنى ذلك أنه لا ساعة ممكن أن ينجو منها الناس من عذاب الله إذا أراد الله.

(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) جاء ختام الآية على أسلوب يسميه علماء البلاغة الالتفات أن يتكلم الله سبحانه وتعالى بأسلوب الغائب ثم ينتقل إلى المتكلم أو بأسلوب المتكلم وينتقل إلى الغائب أو المخاطب وينتقل إلى المتكلم أو المخاطب وينتقل إلى المتكلم، وهكذا هذا التنويع في الخطاب يسمى في بلاغتنا العربية الشامخة السامقة الالتفات. هنا في ختام الآية قال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) في ترتيب الآية الطبيعي - والله أعلم - في غير القرآن إن أتاكم (بالخطاب) عذابه ماذا تستعجلون؟ لكن الله تعالى لم يقل "ماذا تستعجلون" مع أن الله في أول الآية يخاطبهم (أَرَأَيْتُمْ) ويخاطبهم في وسط الآية (إِنْ أَتَاكُمْ) في آخر الآية ما قال "تستعجلون" وإنما قال (ماذا يستعجل منه المجرمون) التفت من المخاطب (أرأيتم وأتاكم) إلى الغائب (مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) لأجل أن يصفهم الله – والله أعلم – بالإجرام، يعني أنتم أيها المجرمون ماذا تستعجلون من الله؟ هل تريدون العذاب؟ (إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) [الأنفال: 19] يأتيكم العذاب، ولكن لم يقل أنتم حتى لا يكون الضمير هو المخاطب وإنما جاء - والله أعلم - بلفظ الإجرام للدلالة العظيمة التي لا تكون إلا بمثل هذا الأسلوب الراقي للقرآن الكريم قال (مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ) يعني أن إجرامهم هو سبب هلاكم وأن إجرامهم هو سبب عذابهم وأن إجرامهم هو السبب الذي قد يأتيهم به العذاب بياتًا أو نهارًا فسبحان من هذا كلامه الذي سجّل عليهم إجرامهم وبيّن كما يقول بعض العلماء تحقيرًا لهم بهذا اللفظ يعني أنهم مجرمون حقيرون لا يقوون أن يصدوا عذاب الله بدليل أنه يمكن أن يأتيهم العذاب في البيات أو في النهار عافانا الله وإياكم من الانتقام ومن العذاب ومن شدة مكر الله جلّ جلاله ونسأل الله أن يعاملنا بلطفه وستره وأن يكفينا شر أنفسنا وشر الشيطان.

بلاغة حديث

 نكمل ما كان من قوله صلى الله عليه وسلم الحديث: الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان. ثم وصلنا إلى قوله صلى الله عليه وآله وسلم "وسبحان الله والحمد لله تملآن (أو تملأ) ما بين السماء والأرض". ما سبب عظمة هذين اللفظين بالذات؟ "سبحان الله والحمد لله" لو قدرتا أنهما – والله أعلم – بحج أو بجرم أو حسناتهما المترتبة عليهما لملأت ما بين السماء والأرض، سبحان الله! لنا أن نتصور كيف إذا قالت المرأة وهي في بيتها في مطبخها في مصلاها، الرجل في أي مكان يعمل فيه، مضطجع على فراشه، قائم في سيارته، راكب في الطيارة أي مكان نعيش فيه إذا قال الواحد منا سبحان الله والحمد لله امتلأ ما بين السماء والأرض إن هذا لهو الفضل الكبير، فضل كبير يدعونا أن نقف بلاغيًا مع بنية هذا اللفظ وتركيبه ودلالته. "سبحان الله"، يقول العلماء أن هذا اللفظ هو للتنزيه والتقديس ولذلك الذي يقدس ربه وينزّه ربه خالقه قمنٌ وجديرٌ أن يمتلئ له من الحسنات ما لو قُدّر ملأ ما بين السماء والأرض. سبحان الله وكرر أخرى: والحمد لله، لأن "الحمد لله" الذي في أول الحديث تملأ الميزان تملأ أيضًا ما بين السماء والأرض، وفي هذا تكرار للفظ الحمد لأهميته والله أعلم والتكرار للأهمية للفظ الحمد يدل على أننا المفترض فينا أن ننشغل دائمًا بحمد الله والسبب عقلي شرعي، العقلي لأن نعم الله علينا تترى في السمع في البصر في الأمن في الأمان في الأكل في الشرب في كل شأن من شؤوننا فالمطلب الشرعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نحمد الله جلّ جلاله وأن نثني عليه وهنا قال صلى الله عليه وسلم: يملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض بمعنى أن هذين اللفظين لهما من الخصوصية ما ليس لغيرهما نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الحمادين الذين يدخلون الجنة بحمدهم لأن أول من يدخل الجنة الحمادون. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل