نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 6

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

(6)

النظرة الاولى:

في كل موضع علّق الله فيه حكم القول بـ(الفم) فإن ذلك إشارة إلى الكذب، وتنبيه على أن الاعتقاد لا يطابقه، وذلك أن القول يحتمل معنيين في لسان العرب؛ أحدهما القول باللسان، والآخر بالقلب. فالقول الذي يضاف إلى القلب هو الظن والاعتقاد، ولهذا المعنى ذهبت العرب بالقول مذهب الظن، فيقولون:

أتقول عبد الله خارجًا ومتى تقول محمدًا منطلقًا.

ومن ذلك قول الكُميت بن زيد:

أجهالًا تقول بني لؤي لعمر أبيك أم متجاهلينا

أراد تظن بني لؤي.

فإذا علق الله القول بالفم دل على أن القول لا برهان عليه؛ وأنه باطل كذب لا يرجع إليه إلا إلى مجرد القول باللسان، لأن الإنسان قد يقول بلسانه الحق والباطل، وإنما يكون قوله حقًا إذا كان راجعًا إلى قلبه، فتكون إضافة القول إلى اللسان تقتضي ما ذكرنا آنفًا. وهذا كما يقول القائل لمن يشك في قوله أو يكذبه هكذا تقول بلسانك، وليس الشأن فيما تقوله وتتفوه به وتقلّب به لسانك، بمعنى أنه قول لا تعضده حجة ولا برهان، ولا يرجع فيه إلا إلى اللسان.

ومن الآيات الكريمة التي علق الله فيها حكم القول بالفم في القرآن الكريم قوله تعالى في الآية 167 من سورة آل عمران: ﴿وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾، أي أنهم يُظهرون من الإسلام ما يحقنون به دماءهم؛ ويحفظون أهليهم من السبي؛ وأموالهم من النهب، وليس ما يُظهرون ما تنطوي عليه ضمائرهم؛ بل هو لا يتجاوز أفواههم ومخارج الحروف منها، ولم تعِ قلوبهم منه شيئًا.

ثم إن في ذكر الأفواه مع القلوب تصويرًا لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم، معدوم في قلوبهم، وقوله تعالى في الآية 41 من سورة المائدة: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾، المعنى أنه لم يجاوز قولهم أفواههم، إنما نطقوا بالإيمان خاصة دون اعتقاد، ثم وصفهم أنهم تابوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، إلزامًا منهم ذلك حيث حرّفوا توراتهم وبّدلوا أحكامها. فهم يقولون بأفواههم نحن مؤمنون بالتوراة وبموسى وقلوبهم غير مؤمنة، من حيث بدّلوا وجحدوا ما فيها من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك مما ينكرونه.

وقوله تعالى في الآية 30 من سورة التوبة: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، قال أبو يحيى زكريا الأنصاري: قوله بأفواههم؛ مع أن القول لا يكون إلا بالفم، ذلك لقصد الإعلام بأن ذلك مجرد قول لا أصل له، مبالغة في الرد عليهم.

ويهذا يتبين من هذه النظرة اللغوية أن كل ما في القرآن الكريم من تعليق حكم القول بالفم؛ يدل على أنه قول لا يعضده برهان، فما هو إلا لفظ فارغ يتفوهون به، كالألفاظ المبهمة التي هي أجراس ونغم لا تدل على معانٍ، وذلك أن القول الدال على معنى لفظه يقال بالفم، ومعناه مؤثر بالقلب، وما لا معنى له يقال بالفم ليس غير.

وذهب بعض المفسرين إلى أن التعبير بأفواههم؛ هو إلزامهم المقالة والتأكيد، كما قال الله تعالى: ﴿ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾.

 

ومن الآيات الكريمة التي عُلق فيها حكم القول بالفم؛ قوله تعالى في الآية 15 من سورة النور: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وقوله تعالى في الآية 4 من سورة الأحزاب: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، ويمكن للمتدبر في كتاب الله العزيز أن يستأنس بهذه النظرة اللغوية لفهم الآيات الكريمة التي عُلق فيها حكم القول بالفم، والله أعلم. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل