نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 4

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

التفريغ لموقع إسلاميات حصريًا

النظرة الأولى:

في قوله تعالى في الآية الثانية من سورة الحج عن زلزلة الساعة: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، أقول: الأصل في تاء التأنيث أن يؤتى بها للفرق بين المذكر والمؤنث، فيقال مسلم ومسلمة، فإذا كان الوصف خاصًا بالمؤنث لا يشترك معه المذكر فيه لم تدخل عليه التاء، مثل: حائض وطالق وعانس ومرضع وحامل، فلا يقال حائضة ولا طالقة ولا عانسة ولا مرضعة ولا حاملة، لأن المقصود ذات حيض وذات طلاق وذات عنوسة وذات إرضاع وذات حمل، ولكن في هذه الآية الكريمة قال: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ والسبب في ذلك أن المقصود بالمرضعة ها هنا التي هي في حال الإرضاع؛ ملقمة ثديها صبيها، والمرأة في هذه الحال تكون أشد شفقة وعطفًا ومحبة لولدها الذي ترضعه، فذهولها عنه لهول ما فوجئت به، وشدة فزعها من زلزلة الساعة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ فهي لم تفعل ذلك إلا لأمر هو أعظم عندها من الاشتغال بالإرضاع. أما كلمة مرضع فلا تغني عن مرضعة في حصول المراد؛ لأن المرضع هي المهيأة للإرضاع ولو لم تكن مباشرة للإرضاع في ذلك الوقت، ومثله الحائض؛ ففي الحديث: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار"، فليس المراد بالحائض هنا التي في حالة حيض؛ لأن هذه لا صلاة عليها، وإنما المراد بالحائض البالغة سن الحيض.

النظرة الثانية:

في قوله تعالى في الآية السابقة ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: تأمل رحمك الله السر البديع في عدوله سبحانه عن كل حامل -أي عن أن يقول وتضع كل حامل- إلى قوله ذات حمل، فإن الحامل قد تطلق على المهيأة للحمل، وعلى من هي في أول حملها ومبادئه، فإذا قيل ذات حمل لم يكن إلا لمن قد ظهر حملها وصلح للوضع كاملًا أو سقطًا، كما يقال ذات ولد، فأتى في الحامل بالسبب الذي يحقق وجود الحمل وقبوله للوضع.

النظرة الثالثة:

في قوله تعالى في الآية 24 من سورة سبأ ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ فختم الله الآية الكريمة بما يسميه البلاغيون تجاهل العارف ومزج الشك باليقين لإخراج ما تعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزيده بذلك تأكيدًا ومبالغة في المعنى، فلم يبين مَن مِن القبيلين على الهدى، ومن منهما في الضلال، وهذا من إنصاف الخصم وإقامة الحجة عليه لترك الحكم فيه للعاقل، قال الزمخشري: وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موالٍ أو منافٍ قال لمن خوطب به قد أنصفك صاحبك، وفي درجه بعد تقدمة ما قدم من التقرير البليغ دلالة غير خفية على مَن هو مَن مِن الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض والتوريه أنضل بالمجادل إلى الغرض، وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم، وفلّ شوكته بالهوينا.

ونحوه قول الرجل لصاحبه: علم الله الصادق مني ومنك، وأن أحدنا لكاذب.

وها هنا نظرة أخرى في استعمال حرف الجر "على" مع الهدى فقال: ﴿لَعَلَى هُدًى واستعمال "في" مع الضلال؛ فقال: ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾، فـ(على) تدل على الاستعلاء ومن استقام على الطريق المستقيم وثبت على الحق فإن طريق الحق تصعد بصاحبها إلى العلي الكبير، فلعلوه وثبوته واستقامته ناسب مجيئه على معه، فكأنه مستعلٍ على فرس جواد يركضه حيث شاء، بخلاف الضال صاحب الباطل، فإن انغماسه فيه وسلوكه طريق الضلال التي تأخذه سفلًا هاوية به في أسفل سافلين فكأنه منغمس في ظلام، مرتبك فيه لا يدري أين يتوجه به.

النظرة الرابعة:

في قوله تعالى في الآية 3 من سورة المائدة ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا الإكمال يكون لإزالة النقص العارض، والإتمام يكون لإزالة بعض النقص في الأصل، وقد ورد في الآية إكمال الدين وإتمام النعمة، فالنقص في الدين كان عارضًا فزال بعد الإكمال، أما نقص النعمة فشيء لا بد منه، ولا يمكن أن تكمل نعمة لأحد، فإذا ملك الإنسان المال فقد يحرم الصحة، فالإكمال أعظم من الإتمام، وقد وقف ابن القيم رحمه الله تعالى أمام هذه الآية العظيمة فقال: تأمل حسن اقتران التمام بالنعمة وحسن اقتران الكمال بالدين، وإضافة الدين إليهم إذ هم القائمون به المقيمون له، وأضاف النعمة إليه إذ هو وليها ومسديها والمنعم بها عليهم، فهي نعمة حقًا وهم قابِلوها. وأتى في الكمال باللام المؤذنة للخصاص وأنه شيء خصوا به دون الأمم، وفي إتمام النعم بعلى المؤذنة بالإعلاء والشمول والإحاطة، وجاء بأكملت في مقابلة أتممت، وعليكم في مقابلة لكم، ونعمتي في مقابلة دينكم، وأكد ذلك وزاده تقريرًا وكمالًا وإتمامًا للنعمة بقوله ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾.

النظرة الخامسة:

 

لم ترد في القرآن الكريم كلمة "الصوم" مرادًا بها الإمساك عن الطعام والشراب والجماع، وإنما وردت فيه مرادًا بها الصمت، قال الله تعالى في الآية 26 من سورة مريم ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾، وأما الصوم الشرعي المعروف فقد عبر عنه في القرآن الكريم بالصيام، كقوله تعالى في الآية 183 من سورة البقرة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ والله أعلم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل