بلاغة آية وحديث - الحلقة 32 - (إن يشأ يذهبكم ويأت بآخرين)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 32

الآية المختارة في هذا اليوم هي قوله سبحانه وتعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ﴿١٣٣﴾ النساء) الآية الكريمة بنيت على الشرط وجواب الشرط (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ) كلكم ياأيها الناس إذا عصيتم الله وإذا خذلتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا شاء الله أذهبكم كلكم وأنهاكم كلكم من هذه الحياة بمعنى ليس ضمان للناس في هذه المعيشة أن الله لا يزيلهم، قال الله (إن يشأ) هي مربوطة بمشيئة الله، ولم ترتبط - وهذا من بلاغة هذه الآية - لم ترتبط بقوة الناس ولا بكثرة عددهم ولا بقوة عتادهم ولا بتقنياتهم ولا بالتكنولوجيا المتقدمة لديهم التي يملكون بها حرب الفضاء والسفر عبر القارات في ساعات قليلة، لا، الارتباط كله، ذهاب الناس أو بقاؤهم مرتبط بمشيئة الله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) يعني يُذهبكم بالوفاة، بالموت بنحو ذلك. (أَيُّهَا النَّاسُ) جاءت على لفظ النداء والعموم يعني يا كل الناس سواء منكم القوي والضعيف سواء منكم المخترع والخامل، سواء منكم الذي يملك السلاح والذي لا يملكه، سواء منكم المتحصن بالحصون والجالس في البراري والصحارى الذي لا يملك مأوى، كل الناس، الله رب الناس قادر أن يذهبهم ويأتي بآخرين، يستبدل غيرهم. وهنا لفتة عظيمة: قال بعض الفلاسفة إن الناس خرجوا من قدرة الله بمجرد إيجادهم فكان الرد بمثل هذه الآية عليهم يعني أن الله قادر على إذهاب الناس كلهم ولكن الله تعالى رحيم بنا، ما يفعل الله بعذابنا إن شكرنا وآمنا؟! الشكر يبقي، الاستغفار صمام أمان، وجود محمد صلى الله عليه وسلم صمام أمان للناس، ذهب محمد صلى الله عليه وسلم بالوفاة فيبقى الصمام الآخر بالاستغفار بحيث نضمن أننا نعمر هذه الدنيا ونبقى فيها ويستخلفنا الله ونحقق خلافة الله تعالى في الأرض (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآَخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا).

ختام الآية بهذه الفاصلة البديعة الجميلة يوحي بما بدأت به الآية من قدرة الله (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) وختمها (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا) لا تشكُ في ذلك العقول ولا تتردد في ذلك الأذهان، إنما القادر أن يذهب بالناس إذا شاء هو القدير ولذلك ناسبت كلمة قديرا لآخر الآية أيّما مناسبة لأن القدير على وزن كلمة فعيل قادر على كل شيء ومن ذلك إذهاب الناس، إزالة الناس، موت الناس جميعًا، الله بيّن أن خلق الناس وبعثهم يوم القيامة كنفس واحدة ولذلك قدير الله جل جلال الله قدير أن يذهب بالناس كل الناس ويأتي بأقوام آخرين يناصرون دينه، يعاضدون رسوله صلى الله عليه وسلم، يحبون أولياءه لا يفعلون ما يفعل هؤلاء الناس ولكن لله تعالى حكمة مع القدرة، الله قدير لكن قدرته سبحانه وتعالى أيضًا بحكمة والله سبحانه وتعالى عليم حكيم قدير لم يُذهب الناس ولم يزلهم من هذه الدنيا وإنما استعمرهم فيها وجعلهم يعملون والموعد غدًا في يوم القيامة عنده سبحانه وتعالى لم يزل الناس رب الناس ولكنه أبقاهم ولكنهم كلهم إليه راجعون، عندما نقرأ قوله تعالى (إنا لله وإنا إليه راجعون) كلنا راجعون إلى الله هؤلاء الناس الذي بغوا، وهؤلاء الناس الذين كذبوا وهؤلاء الناس الذين صدقوا وهؤلاء الناس الذين كفروا وهؤلاء الناس الذين آمنوا كل الناس إلى الله راجعون ولذلك فالموعد غدا في يوم هو ملك لله رب العالمين.

بلاغة حديث

 

حديث بديع بدأ عن طريق قصة نبوية حصلت، قال ابن عباس رضي الله عنه: إن الرجال استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضرب النساء فأذن لهم فضربوهن، فبات فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتا عاليا فقال ما هذا؟ (الرسول صلى الله عليه وسلم متعجب من هذا الصوت الرفيع العالي!) فقالوا: أذنت للرجال في ضرب النساء فضربوهن فقال عليه الصلاة والسلام: خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي. قال عليه الصلاة والسلام هذه القاعدة العظيمة: الخيرية للرجال الذين يكرمون النساء وأكرم الرجال الذي أكرم النساء هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال عليه الصلاة والسلام موجهًا الرجال بأسلوب يحمل الترغيب والترهيب معًا، هذا الأسلوب مثل أسلوب الذي يمسك العصا من الوسط، الذي فيه الخيرية هو الذي يكرم النساء والذي ما فيه هذه الخيرية أو الخيرية فيه ناقصة فهو الذي يضربهن ويهينهن. إن أردت الترغيب فهو موجود بهذا اللفظ الموجز وإن أردت الترهيب موجود والترغيب أيضًا موجود، يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم: خيركم خيركم لأهله، بهذا اللفظ المطلق العام والعلماء يتكلمون أن الرجل إن كان في خير لأهله فهو في خير كثير حتى وإن لم يكن من خير الناس. قال عليه الصلاة والسلام في ختام اللفظ: وأنا خيركم لأهله. ذكر العلماء أن هذا لا يحمل على الفخر فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يفخر أمام الناس أنه خيرهم لأهله ولكنه يبين لأن الموضع موضع بيان يقول لهم: وأنا خيركم لأهلي، أنا محمد صلى الله عليه وسلم القائد الهادي القوي المؤيد من السماء أنا مع ذلك خيركم لأهلي وصدق صلى الله عليه وآله وسلم هو خير الناس لأهله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. والمتتبع لسيرته صلى الله عليه وسلم يجد أن هذا اللفظ الذي جاء عن طريق تعريف الطرفين كما يقول العلماء الطرف الأول معرّف والثاني معرّف جاء على سبيل المعرفة هذا يفيد الحصر ونوع من أنواع القصر حينما يقول صلى الله عليه وسلم: أنا خيركم لأهلي، لا أحد أخير من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهله منه عليه الصلاة والسلام. في السنة ما يدل دلالة كاملة واضحة على هذه الوصية العظيمة التي أوصى بها الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة بالرفق بالنساء، بالخيرية، رفقًا بالقوارير، استوصوا بالنساء خيرا، كثيرة تلك الألفاظ التي دلّت على هذا اللفظ الموجز وكأنها شرح لها محمد صلى الله عليه وسلم يهتم بالنساء حتى في جانب اللعب، عندما يُجلس عائشة رضي الله عنها أمنا الصديقة على كتفه وتضع خدها، الخدّ الأنثوي منها رضي الله عنها على كتف الرجل القائد صلى الله عليه وسلم وتنظر إلى الرجال وهم يلعبون في المسجد، الحبشة يترامون بالرماح والنبل، نبل الحبشة يلعبون بها وهي تتفرج وتشاهد هذه المناظر وهي مستمتعة رضي الله عنها وهذا يدل على خيريته صلى الله عليه وسلم الذي ورد في الأثر: ما أكرم النساء إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم. هذا محمد صلى الله عليه وسلم الذي يسابق زوجته في السفر فتسبقه ويسابقها في سفرة أخرى فيسبقها هو صلى الله عليه وسلم يعني يسابق المرأة مرتين ويضحك في السفر ويضع رجله لإحدى أمهات المؤمنين حتى تركب على الدابة كأنها في تعبيرنا العصري يفتح لها الباب في صورة رجولية لا تنقص من رجولته أن يُكرم زوجته بل هي للكمال أقرب لأنه يتمثل قوله صلى الله عليه وسلم: وأنا خيركم لأهلي. من خيريته صلى الله عليه وسلم لأهله أن عائشة الصدّيقة رضي الله عنها إذا شربت أخذ الكوب الإناء وشرب من الموضع الذي شربت منه حتى يضع شفته الشريفة على موضع شفتي زوجته أمنا عائشة رضي الله عنها. من خيريته صلى الله عليه وسلم المفسّرة بهذا اللفظ الموجز عندما قال: أنا خيركم لأهله عندما تأتي صديقة زوجته التي توفيت خديجة رضي الله عنها فيكرم صديقتها ويذبح لها شاة وتغار أمنا عائشة من هذا الحدث رضي الله عنهن أجمعين فيقول إنها كان تأتينا في زمن خديجة وإن حسن العهد من الإيمان. أسأل الله أن يجعلنا من خير الناس لأهلهم ومن خير الناس للناس. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل