بلاغة آية وحديث - الحلقة 31 - (وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 31

الآية الكريمة التي معنا في هذا اليوم هي قول سبحانه وتعالى (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴿١٣٠﴾ النساء) تقدّم في حلقة أخرى أن المرأة التي تخاف نشوز زوجها تُنصَح بالصلح بينها وبين زوجها لكن لنفترض أن الصلح لم يتم وأن الأمور سارت إلى حيث الفراق لا إلى حيث الاتفاق والاجتماع، قال الله في تلك الحالة قال الله ليس هناك شر محض (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) إذا تفرق الزوج والزوجة فلا تخشى أيها الزوج أن تضيع بعد زوجتك ولا تخشي أختي الزوجة أن تنتهي حياتك بمجرد الطلاق، لا، وألف لا، لأن الله الذي رزقنا في الزواج الأول بين هذين الزوجين سيرزقهما بعد الطلاق سعة منه بحكمته سبحانه وتعالى.

(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) وأيضًا استخدم اللفظ (إن) ولم تأتي الآية الكريمة على لفظ (إذا) (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) كأن فيه إشارة أن الطلاق هو الأقل (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا)، في أول الآية (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) النساء: 128] (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ) قليل ومع هذا القليل أقل منه الفراق (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) إذا تفرق الزوج والزوجة، الحمد لله، لم تنتهي الحياة لأن جواب الشرط (يغنِ) (إن يتفرقا – يُغْنِ) فكأن الغنى الذي وعِد به الزوج المطلق والزوجة المطلقة هذا الغنى الذي وعِد به الزوجان مرتبط بالتفرق فهناك رزق ينتظرك أختي لن يأتيك إلا بعد الطلاق وهناك رزق أيها الرجل لن يأتيك إلا بعد الطلاق، نرضى بحكمة الله سبحانه وتعالى التي بحكمته يختار لنا الأصلح في أمور حياتنا (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ). (وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ) وهنا في إسناد الفعل إلى الله، الله الذي يغني ليس الولي وليس الملك وليس الوزير وليس الأمير وليس الغني الفلاني وليس مكتب الضمان الاجتماعي وليس الجمعية الخيرية التي تعطيك أيتها المطلقة، لا، الذي يغنيك هو الله وليس العالم كله هو الذي يعطيك أيها الرجل بديلًا عن زوجتك، الذي يغنيك هو الله قال الله (يُغْنِ اللَّهُ) وأيضًا أتى الفعل بصيغة المضارع يدل على تجدد الغنى، الله يغنيك الآن ويغنيك غدًا ويغنيك ويغنيك ويغنيكِ أيها المرأة الآن وغدًا ويغنيك ويغنيك ويغنيك.

قال (يُغْنِ اللَّهُ) لم يقل يغني بالمال فقط أو بالولد فقط أو بالزوجة البديلة عن الزوجة المطلقة أو بالزوج البديل عن الزوج الذي طلقك لا، جعلها مطلقة عامة مفتوحة تمنّوا ما شئتم فإنكم تتعاملون مع الغني الذي سيغنيكم، سيغنيكم الله سبحانه. إذن قد يغني الله المتفرقين بالزوجة بدل الزوجة وبالزوج بدل الزوج، إن كانت الزوجة خافت من بعلها نشوزًا وخوف إعراض وعدم حب لها فقد يغنيها بزواج آخر بزوج يحبها ويرى محاسنها ولا تقع عينه على ما كانت تقع عليه عين الأول من النواقص والعيوب والأمور التي لا تحسن أن يراها من زوجته قد يغنيها الله بزوج يراها أكمل نساء العالمين. هذا الإغناء من الغني بحجم غنى الله يغنيك الله. لو قيل لنا إن الملك فلان يعدنا بإغنائنا بمكافأة معينة بمبلغ مالي مالي لفرحنا أكثر من قولنا إن الغني فلان سيعطينا، إذن بحسب غنى الغني نفرح بأعطياته فكيف إذا كان الذي سيغني المطلقين هو الله والمطلقات سيغنيهن الغني سبحانه وتعالى.

(يُغْنِ اللَّهُ) ونلاحظ في التركيب البلاغي القرآني العظيم أنه قال (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) (يغني كُلّا) ولم يقل (يغنكما) لم يقل: وإن يتفرقا يغنهما الله وإنما قال (يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) يغني الزوج غناة كاملة عن زوجته التي فارقها ويغني الزوجة غناة كاملة عن الزوجة التي تفرقت هي وإياه أيضًا. الغنى من الله بهذا التركيب هذه الآية البديع (مِنْ سَعَتِهِ) يغني من مكان لا ينضب، خزائن الله ملأى كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن خزائن الله لو أنفق منها في الليل والنهار لم تنقص مما عند الله شيء أبدًا ملأى فإذا أغنى أغنى سبحانه وتعالى وهو الذي يغني من سعته.

ثم ختمت الآية بختام جميل مناسب لسياقات الموضوع قال الله (وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) وحتى اللفظ القرآني بجرسه الذي يرن في الأذن (وَاسِعًا) يسعك أيتها المطلقة ويسع الزوج المطلّق ويسع غيركم من الناس، الله يسع الجميع بفضله، بعطائه، بكرمه، واسع. ثم قال في أحسن الختامات المناسبة لهذه الآية بل هوأحسنها قال بسم الله العظيم (حَكِيمًا) الله الذي قضى وقدّر أن يتفرق هذان الزوجان بحكمة منه سبحانه وتعالى لعله في بقائهما أن يكون لهما شرّ كبير فحكمة الله اتقضت أن يكون الطلاق لهذا البيت المعين ولذلك لا نحزن على ما قدّر الله لبيت من بيوت المسلمين بطلاق أو فراق لأن حكمة الله جعلت هذا الأمر يقع ليس بجهد فلان ولا فلان ولا لبغض زوج لزوجته ولا زوجة لزوجها يكون الفراق وإنما هو من الحكيم سبحانه الذي ربما لو بقي الزواج لكانت المصائب أكبر والمشكلات أعظم لكن لا نعلمها يعملها الحكيم. ومع ذلك الحكيم يغني بسعته عند حال الفراق جبرا للخواطر وإرضاء للناس وهذا فضل من الله وفيه دلالة أن لا يشترط أن الزواج يستمر طوال الحياة وإنما إذا تم الزواج واستمر فهذا هو المطلوب والمراد وإذا لم يتم فالحمد لله، حكمة الحكيم تقتضي أن يتفرق الزوجان وأن لا يكون زواج.

بلاغة حديث

بلاغة حديث بين زوجين عاشا حياة هانئة مطئمنة هما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها أجمعين. قالت عائشة رضي الله عنها: كنت في بعض أسفاري مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنا جارية لم أحمل اللحم فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتسابق وقال للناس: تقدموا، الجيش يتقدم، حتى تخلو الساحة لملاعبة زوجية في ظروف سفر وغبّة جهاد وقتال ومع ذلك لم يشغل النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأمور العظام عن ملاعبة أهله ومؤانسة من يسافر معه ومنهم عائشة رضي الله عنها. فقال صلى الله عليه وسلم تعالي حتى أسابقك، والحديث عجيب في العلاقة الزوجية – فتسابقا، قالت: فسبقته، سبقت عائشة رضي الله عنها لأنها كانت جارية لم تحمل اللحم لم يكبر جسمها إلى الآن، في جسم إلى الرشاقة أقرب رضي الله عنها وأرضاها ثم في سفرة أخرى تداعيا للسباق مرة أخرى فقال النبي صلى الله عليه وسلم تعالي أسابقك فتسابقا، فبعدما ركبها اللحم وسمنت قليلا رضي الله عنها سبقها الرسول صلى الله عليه وسلم فجعل يضحك ويقول: هذه بتلك. ضحك وإيجاز في العبارة ونلحظ أنه ببلاغته صلى الله عليه وسلم لم يشر إلى كونها سمنت رضي الله عنها أو كبرت أو جاءها اللحم أو صارت ضعيفة في المشي،لا، وإنما قال: هذه بتلك. يعني حتى وأنت الآن في موطن الهزيمة ترى يومًا من الأيام كنت أنت السابقة وأنا مسبوق تطييب للخاطر لا يؤتاه إلا رجل بليغ من حيث اللغة ورجل إنسان (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا) [الإسراء: 93] هذا الإمام الهادي البشير صلى الله عليه وسلم يضحك في السفر ويسابق في السفر ويطيّب خاطر زوجته في السفر فصلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل