نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 5

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

د. صالح العايد

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

إن من القواعد النحوية أن (يكاد) فعل المقاربة إذا لم يكن معه نفي قارب الوقوع ولم يقع وإذا صحبه نفي فهو واقع بعد إبطاء فـ(كاد) في الثبوت تدل على المقاربة فإذا قلت كاد زيد يقوم فمعناه مقاربة القيام ولم يتلبس به فإذا قلت ما كاد زيد يقوم فمعناه نفي المقاربة. قال أبو البقاء العكبري: (كاد) إذا دخل عليها حرف نفي دلّ على أن الفعل الذي بعدها واقع وإذا لم يكن حرف نفي لم يكن الفعل بعدها واقعًا ولكنه قارب الوقوع. وقد ذهب بعض الناس إلى أنها إذا أُثبتت دلّت على نفي الخبر وإذا نفيت دلت على لإثبات الخبر مستدلًا بقوله تعالى (فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) والصحيح الأول. قال ابن عطية ما معناه إذا كان الفعل بعد (كاد) منفيًا دلّ على ثبوته نحو: كاد زيد لا يقوم أو مثبتًا دل على نفيه نحو: كاد زيد يقوم. وإذا تقدم النفي على (كاد) احتمل أن يكون منفيًا، تقول: المفلوج لا يكاد يسكن، فهذا تضمن نفي السكون وتقول رجل منصرف لا يكاد يسكن فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جهد وقد استفاد المفسرون من هذه القاعدة النحوية في تفسير آيتين من القرآن الكريم وهما قوله تعالى في سورة البقرة في الآية 71 ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ، وقوله تعالى في سورة النور في الآية 40 ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ فقد اختلف زمان نفي المقاربة والذبح إذ المعنى وما قاربوا ذبحها قبل ذلك، أي وقع الذبح بعد أن نفى مقاربته، فالمعنى أنهم تعسروا في ذبحها ثم ذبحوها بعد ذلكز قيل والسبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون هو: إما غلاء ثمنها، وإما خوف فضيحة القاتل، وإما قلة انقياد وتعنت على الأنبياء على ما عهد منهم.

وهنا فائدة أخرى لا بد من التنبيه عليها، وهي أنه كنى عن الذبح بالفعل، وذلك لأن الفعل يكنى به عن كل فعل، أو لقلق تكرار يذبحون.

وأما قوله تعالى في سورة النور ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا فقال بعض المفسرين لا يراها أصلًا، لأنه عز وجل قال:﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ فكان بعض الظلمات يحول بين العين والنظر إلى اليد وسائر المناظر، لأن أقل الظلمات التي وصفها الله لا يرى منها الناظر كفّه، وقال بعضهم إنما هو مثل ضربه الله، فهو يراها ولكنه لا يراها إلا بطيئًا، كما تقول: ما كدت أبلغ إليك، وأنت قد بلغت، قال الفراء: وهو وجه العربية، وهو والله أعلم الصحيح، فإذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وذلك لتكاثف الظلمة وترادف الموانع من الرؤية.

ويرى أبو حيان رحمه الله أن المعنى انتفاء مقاربة الرؤية ويلزم من ذلك انتفاء الرؤية ضرورة، والصحيح ما قررناه آنفًا من أنه لم يرها إلا بعد جهد، وهو قول المبرد والفرّاء.

ويرى ابن الأنباري أن لفظة يكد مطّرحة لا حكم لها أي زائدة، فيكون المعنى عنده لم يرها أصلًا، واستدل على أن (كاد) يصح زيادتها بقول الشاعر:

سريع إلى الهيجاء شاكٍ سلاحه      فما أن يكاد قِرنُه يتنفس

أي ما أن يتنفس قرنه. كما استدل أيضًا بقول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

وتكاد تكسل أن تجيء فراشها       في جسم خرعبة وحسن قوام

فمعناه: وتكسل أن تجيء. وقول الآخر:

وألا ألوم النفس فيما أصابني       وألا أكاد بالذي قلت أنجح

أي لا أنجح بالذي قلت، ولو لم يكن على هذا لم يكن مدحًا.

 

وقد رد أبو حيان على من اعتقد زيادة (يكد)، كما رد على من يرى أنه يراها بعد عسر، وقد ذكر ابن هشام في "المغني" في الباب السادس الذي عقده في التحذير من أمور اشتهرت بين المعربين والصواب خلافها، قال: قولهم إنّ (كاد) إثباتها نفي، ونفيها إثبات، وبيّن أن حكمها حكم سائر الأفعال، في أن نفيها نفي، وإثباتها إثبات، وأن معناها المقاربة، وخرّج الآيتين مع ما يتوافق مع رأيه، هذا والله أعلم بالصواب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل