نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 3

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

النظرة الأولىفي قوله تعالى في الآية 228 من سورة البقرة (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) التربصّ الانتظار سواء أكان المنتظَر خيرًا أو شرًا والمراد هاهنا الانتظار والمُكث في العدة ويستقيم اللفظ والمعنى لو قيل في غير القرآن الكريم: والمطلقات يتربصن ثلاثة قروء ولكن لزيادة قوله (بأنفسهن) فائدة عظيمة قال الزمخشري في الكشاف: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث لأن فيه ما يستنكف منه  فيحملهن على أن يتربن وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأُُمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص. وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: اعلم أن في قوله (أنفسهن) فائدة جليلة وهي أن هذه المدة المحدودة للتربص مقصودة لمراعاة حق الزوج والولد ومع القصد لبراءة الرحم فلا بد أن تكون في هذه المدة منقطعة النظر عن الرجال محتبسة على زوجها الأول لا تُخطب ولا تتجمل للخطّاب ولا تعمل الأسباب في الاتصال بغير زوجها.

النظرة الثانية في قوله تعالى في الآية 65 في سورة الواقعة عن زرع الكفار (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿٦٥﴾) لو الشرطية التي تسمى حرف امتناع لامتناع اقترن جوابها هاهنا باللام وهي كما يقول النحاة يكثر اقتران جوابها باللام إذا كان فعلا ماضيا ولكننا نجد في الآية 70 في سورة الواقعة قول الله تعالى عن الماء (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴿٧٠﴾) فجاء جوابها الماضي غير مقرون باللام وفي ذلك نكت بلاغية عظيمة منها:

أن الله سبحانه وتعالى أكّد وعيده بجعل الزرع حطامًا لأن الكفار قد تعبوا في الزراعة والسقي وظلوا ليالي وأيامًا طويلة في انتظار الثمر فإهلاك الزرع وجعله حطامًا أشق على أنفسهم من نزول المطر عليهم الذي لا حول لهم به ولا قوة ولم ينلهم تعب ولا نصب في إنزاله ولذلك أكد مع الزرع باللام وترك التوكيد مع الماء.

وقيل أن جعل الزرع حطامًا قلب للمادة والصورة وجعل الماء أجاجًا قلب للكيفية فقط ففي نظر الكفار أنه مع الحرث أشد وأشق ومع الماء أسهل وأيسر فراعى حالهم فأكّد الأول وترك الثاني.

وقيل إن اللام أُدخلت على آية المطعوم للدلالة على أنه يقدّم على أمر المشروب وأن الوعيد بفقده أشد وأصعب من قبل أن المشروب إنما يحتاج إليه تبعا للمطعوم ولهذا أيضا قدمت آية المطعوم على آية المشروب.

النظرة الثالثة في قوله تعالى في الآية 79 من سورة البقرة (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴿٧٩﴾) تأمل قوله (بأيدهم) ومعلوم سلفًا أن الكتابة لا تكون إلا باليد فالنص على أن أولئك المحرفين لكتاب الله تعالى كتبوه بأيديهم فيه زيادة في التشنيع عليهم وتقريعهم وتقبيح أفعالهم لأنهم باشروا هذا الصنيع السخيف بأيديهم لأنه يمكن أن يقال كتب زيد كتاب إن أمر بكتابته ولو لم يباشره فإن كان مهتمًا به باشر كتابته بيده. ثم تأمل قوله تعالى (ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) استعمال ثم في النظم القرآني العظيم يدل على أنهم يخفون ما يكتبون مدة طويلة ينسى الناس أصل الكتاب ثم ينسبونه إلى الله تعالى.

النظرة الرابعة في قوله تعالى في الآية 22 من سورة المجادلة (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) فقوله يوادّون من الفعل الماضي وادّ على وزن فاعل وصيغة فاعل تدل على المشاركة مثل قاتل وضارب وساهم وهكذا شأن هذا الوزن في دلالته على أنه فعل الاثنين إلا في أفعال محصورة جاءت على وزن فاعل ولم تدل على المشاركة وهي: قاتل الله فلانا وبارك الله فيك وبادر وراقب وضاعف وقاسى وعاين وعافى وداين وعاقب وباعد وجاوز وشارف وناول وظاهر. وجيء يوادّن في هذه الآية الكريمة وهي التي تدل على المشاركة في المودة التي هي من أعلى مراتب المحبة ودون الخُلّة تعني والله أعلم نهي المؤمن عن مبادلة الكافر المودة إذا ابتدأه بها فلا يصح للمؤمن أن يقابل محبة الكافر له بمثلها فإذا كان النهي له عن مبادلته المحبة فإن مبادرة المؤمن للكافر بالمحبة أولى بالنهي وأشد في الإثم وتأمل قوله تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) فالتعبير بالخبر الذي هو ضد الإنشاء مع أن المراد بذلك النهي إن ذلك مبالغة في الزجر عن محبتهم والأمر بمجانبتهم والاحتراس من مخالطتهم ومعاشرتهم فجاء النظم القرآني معبرًا عن ذلك بقوله (لا تجد) فإنه من المحال وجود مؤمن يوادّ مشركا.

 

النظرة الخامسة في الآية 111 من سورة التوبة (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ) فقد قدّم الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة الأنفس على الأموال وإن كان في غيرها من الآيات قدّم الأموال على الأنفس كثيرا والسر في ذلك كما قال ابن القيم رحمه الله لأنها هي المشتراة في الحقيقة وهي مورد العقد وهي السلعة التي استامها ربها وطلب شراءها لنفسه وجعل ثمن هذا العقد رضاه وجنته فكانت هي المقصودة بعقد الشراء والأموال تبع لها فإذا ملكها مشتريها ملك مالها فإن العبد وما يملكه لسيده ليس له فيه شيء فالمالك الحق إذا ملك النفس ملك أموالها ومتعلقاتها فحسن تقديم النفس على المال في هذه الآية حسنًا لا مزيد عليه. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل