نظرات لغوية في القرآن الكريم - د. صالح العايد - 2

نظرات لغوية في القرآن الكريم حلقات إذاعية

 

د. صالح العايد

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

نظرات في الآية (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾ البقرة)

النظرة الأولى:الواوان اللتان تسبقان حرف الجر (على) يمكن أن تكون إحداهما عاطفة والأخرى استئنافية ففي قوله (وعلى سمعهم) إذا جعلت الواو للعطف يكون السمع داخلًا في حكم الختم عليه مشتركًا في ذلك مع القلوب وتكون الواو في قوله (وعلى أبصارهم غشاوة) استئنافية فتخصص الأبصار بالحكم عليها بالغشاوة. وذكر أبو جعفر النحاس في كتابه القطع والائتناف أن الأخفش سعيد بن مسعدة أجاز الوقف على قوله (قلوبهم) فتكون الواو الأولى (وعلى سمعهم) استئنافية والواو الثانية (وعلى أبصارهم) عاطفة فيشترك السمع والبصر في وقوع الغشاوة عليهما ولكن الصحيح الأول بالوقف على (سمعهم) ليكون الختم على القلوب والسمع والغشاوة على الأبصار لورود آية أخرى بالغشاوة وأوقعت في سورة الجاثية في الآية 23 (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿٢٣﴾) ثم إن القلوب والمسامع لما كانت مخفية كان استعمال الختم لها أولى والأبصار لما كانت بارزة وإدراكها متعلق بظاهر كان الغشاء لها أليق –والله أعلم-.

النظرة الثانية: إعادة حرف الجر (على) بعد واو العطف في قوله (وعلى سمعهم) مع اشتراكهما بالحكم بالختم فلم يقل ختم الله على قلوبهم وسمعهم وفي ذلك نكتة بلاغية هي الدلالة على تغاير الختمين فالختم على القلوب بتغطيتها حيث لا يؤثر فيه الإنذار ولا ينفذ فيها الحق وأما الختم على السمع فبسد مواضعه وقال أبو جعفر النحاس في إعادة تعليل الجارّ ثلاثة أجوبة منها: إعادة الجار بمعنى المبالغة في الوعيد والجواب الثاني أن السمع لما كان واحدًا والقلوب جماعة أعيد الحرف والجواب الثالث: أن المعنى: وختم على سمعهم فحذف الفعل وقام الحرف مقامه.

النظرة الثالثة: في هذه الآية الكريمة أفرد السمع وجمعت القلوب والأبصار ولم يرد السمع في القرآن مجموعًا إلا في قرآءة ابن عبلة (وعلى أسماعهم) التي ذكرها القرطبي والزمخشري وأبو حيان وهي قرآءة شاذة وقد ذكر العلماء والمفسرون توجيهات لإفراد السمع منها:

1.    التوجيه الأول أن أصل كلمة السمع  قبل أن تسمى بها تلك الحاسة المعروفة مصدر للفعل سمع والمصادر والأجناس لا تثنى ولا تُجمع ما لم تختلف أنواعها كالأكل والضرب والماء والتراب ولذلك أفردت كلمة السمع نظراإلى أصلها كما تقول: يعجبني حديثكم وضربكم، ومثله قوله تعالى (إن هؤلاء ضيفي) ولم يقل ضيوفي.

2.    التوجيه الثاني أن السمع هنا مصدر مضاف إليه جمع محذوف والتقدير: على مواضع سمعهم أو حواس سمعهم.

3.    التوجيه الثالث: أن إضافة السمع إلى ضمير الجمع تغني عن الجمع عند أمن اللبس كقول المسيب الغنوي:

لا تنكر القتل وقد سُبينا      في حلقكم عظم وقد شجينا

معناه في حلوقكم

4.    التوجيه الرابع وهو توجيه متعلق بالمعنى أن مدركات السمع شيء واحد هو الصوت والسمع لا يقبل من الأصوات مهما تعددت وتنوعات إلا صوتا واحدا أما البصر فمدركاته متنوعة فهو طريق لكل المرئيات الساكنة والمتحركة والجامدة والسائلة والصامتة والناطقة ويمكن أن يحيط البصر في لحظة واحدة ويحتفظ لكل منها بصورة غير مختلطة بغيرها.

 

النظرة الرابعة: في هذه الآية الكريمة قدّم الله سبحانه وتعالى السمع على البصر وفي كل آية اجتمعتا قدم السمع إلا في قوله تعالى في الآية 26 من سورة الكهف (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾) وسر تقديم السمع على البصر والله أعلم وهو كما قال أبو السعود في تفسيره أن جنايتهم بالسمع الذي به تتلقى الأحكام الشرعية وبه يتحقق الإنذار أعظم منها من حيث البصر الذي به تُشاهد الأحوال الدالة على التوحيد فبيانها أحق بالتقديم وأنسب بالمقام ولأن السمع شرط النبوة ولذلك ما بعث الله رسولًا أصمّ ولأن السمع وسيلة إلى استكمال العقل بالمعارف التي تتلقف من أصحابها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل