بلاغة آية وحديث - الحلقة 30 - (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 30

بلاغة آيتنا المختارة اليوم تتحدث عن قوله سبحانه وتعالى (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴿١٢٨﴾ النساء) هذه الآية بتركيبها، بدلالاتها، بألفاظها المنتقاة المختارة التي لا يصلح أن يقوم لفظ محلها، ببلاغتها، بإبداعها، بعميق معانيها هذه الآية تمثل علاقة أُسرية مهمة في علاقة الزوج بزوجته والزوجة بزوجها خاصة في حال خوف النشوز. إذا المرأة خافت أن زوجها لم يعد ينظر إليها كما كان من قبل نظرة المحبة والهيام والتعلق بها والإعجاب بجسدها وخُلُقها وحسنها بحكم تقدم السنّ فلو أن المرأة اللمّاحة الذكية شعرت بأن الزوج بدأ بالنشور أو تخاف أن ينشز عليها والنشوز هو الارتفاع والبغض، النشوز هو البغض لها أو كرهها أو كره شيء منها إذا خافت المرأة ذلك فإنها توصى بما دلت عليه هذه الآية التي نزلت في الأصل في قصة عمرة وقيل خولة بنت محمد بن مسلمة زوج سعد بن الربيع رضي الله عنهم جميعًا. زوجة هذا الرجل تزوجها وهو شاب وهي شابة وكان معجبًأ بها ويجلّها ويحبها وتملأ بيته عاطفة وإعفافًا فلما كبرت وقلّت الرغبة فيها هي شعرت أن زوجها على وشك النشوز عليها وبغضها فنزلت هذه الآية توجه هذه الصحابية الكريمة رضي الله عنها وتوجّه غيرها (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا) إن خفت أيتها المرأة من النشوز فإن هناك خيارًا لك وهو التفاهم بين الزوج والزوجة، قال هذا التفاهم  (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) كأن يقول لها أريد أن أتزوج لعفّتي لكمال حياتي الجسدية والنفسية والعاطفية وأبقيك دون ظلم لك ودون أن أهضمك حقك في نفقة ولا في معيشة ولا في احترام وتقدير، فإن رضيت فلها ذلك أو إن لم تكن تتحمل فلها أن تطلب الطلاق ويتفرقا ويغني الله كلًا من سعته. 

أما التركيب البديع الدلالي فلنأخذها كلمة كلمة في سياقها القرآني الفريد:

(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ) العلماء يفرقون بين أداتين في الشرط وهي (إن وإذا) (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ) وفرق لو قلنا إذا امرأة خافت، تقول (إن) للأمر البعيد أو القليل الحدوث وأما (إذا) فهي للأمر الذي يتحدث بتكرار، إذا طلعت الشمس سأزورك، طلوع الشمس متكرر كل يوم، لكن إن رجع المسافر اليوم سأزورك أنا وإياه، (إن) للأمر البعيد الذي يمكن أن يحصل ويمكن أن لا يحصل ولذلك والله أعلم كأن هذه الآية توحي بتركبها أن مثل هذه الحادثة حوادث قليلة ليست كثيرة، ليس الأصل أن ينشز الزوج على زوجته لكبرها أو لتقادم العهد بها أو نحو ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقول (ولا تنسوا الفضل بينكم) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إن حُسن العهد من الإيمان. إذن (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ)

امرأة جاءت بالتنكير، سواء كانت غنية أو فقيرة، سواء كانت زوجته ابنة عمه أو كانت غريبة عنه قبل الزواج، سواء كانت المرأة في طبقته الاجتماعية أو ليست في طبقته، سواء كانت أعلى منه نسبًا أو أقل منه نسبا، سواء كانت من بلده أو غير بلده، أيّا كانت تلك المرأة بدليل التنكير.

ثم قال الله (خافت) هي لم تتأكد من نشوزه ولم تتيقن من نشوز زوجها وإنما قال (خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) وهنا فيه دقة في اختيار كلمة بعل، البعل في اللغة العربية هو الشيء المرتفع، الجبل الصغير، التل المرتفع حتى مع الدواب هو الذي يعلو على الأمر الآخر فالعرب تعبر بالبعل بكل مرتفع ولفظ البعل للزوج فيه دلالة حسية معنوية حتى من حيث المعنى أن الزوج مرتفع بقوامته على المرأة ، بكونه مثل الخيمة لها، بكونه المسؤول عن البيت، بكونه القوامة له والنفقة عليه وإلى آخره من الأمور الزوجية التي تخوّله أن يكون هو البعل، الذي يكون هو المرتفع في الزوجية حتى تستمر الشراكة على أتم وجه والتوافق بين الزوج وزوجته. إن هذه المرأة خافت نشوزًا يعني كرها، نشوزًا أو إعراضا، أتى الله بلفظين (نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا) ما الفرق بينهما؟ قال العلماء: النشوز هو البغض القلبي النفسي من الزوج لزوجته أو إعراضًا أن يلتفت بوجهه مثلا عنها، ولا يحب رؤيتها لتقادم شيء معين، سنّ أو تغير خلق هنا (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) ثم شُحنت الآية بألفاظ الصلح وهذا الجو القرآني الإسلامي الهادئ الراقي في العلاقات الأسرية لا سيما في ساعات الخلاف والتنافر قال تعالى (أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) كل كلمة تدل التوافق على وتبتعد عن التنافر (يُصْلِحَا) جاءت بالتعبير بالفعل المضارع  الذي يفيد التجدد والحدوث والاستمرار، يصلحا الآن، يصلحا في المساء، يصلحا عند الأكل، يصلحا في الغد، يصلحا في أي وقت، يستمر الصلح ثم قال الله (بَيْنَهُمَا) ربط بين الزوج وزوجته حتى لو كانوا الآن على خلاف وخوف من نشوز أو إعراض، ما زالت العلاقة قائمة بينهما ثم قال (صُلْحًا) وهو الذي يسميه العلماء المفعول المطلق يعني تعيد الكلمة التي وردت في الفعل بلفظها مع آخر الكلام (صُلْحًا) أيًا كان الصلح، المقصود الصلح سواء كان صلحا على الاستمرار، سواء كان صلحًا على تحمل بعضنا بعضا، سواء كان صلحًا على الفراق، سواء كان صلحًا على تذكر الماضي الجميل والأيام السعيدة والبدايات وما أحلى أيام البدايات، أيًا كان هذا الصلح أن يصلح الزوج وزوجته التي خافت منه النشوز والإعراض أن يصلح بينهما على صلح يجعلهما يستمرا في هذه الحياة الزوجية، إن خافا فليصلحا بينهما صلحًا في النفقة، صلحًا في القسمة بين الزوجة وبين الزوجة الأخرى، المهم أن يتم الصلح على أحسن وجه. ثم قال الله سبحانه وتعالى (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) يعني التفضيل للصلح ليس الخير في الشقاق ولا في التفرق ولا في النشوز والإعراض وإنما الخير كل الخير في الإصلاح القائم بين الزوجين.

قال الله تعالى (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) الشح كما يقال هو أقبح البخل وحقيقة الشحّ أن يحرص الواحد على منع الخير عن الآخر وهذا أمر قبيح بين الناس بوجه عام فكيف به بين الأصدقاء، فكيف به بين الزوجين اللذين رأى أحدهما من الآخر ما لم يرى غيره من الناس، الذي عاشر زوجته وضاجعها ونام معها ثم يأتي الآن ويمنعها الخير أو تمنعه هي من الخير هذا أمر لا يليق ولذلك قال الله (وَإِنْ تُحْسِنُوا) أي تصلحوا (وَتَتَّقُوا) وتتقوا في هذا الصلح في الخطاب مع الأزواج وتختاروا أحسن الألفاظ (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) وهنا ربط العلاقة الأسرية بالله جلّ جلاله وهي قاعدة مطردة في سائر شؤون الحياة وفي أمور الأسرة على وجه الخصوص أن يربط الإحسان بين الزوجين به، يعني حتى لو لم ترجو منها منفعة جسدية الآن، حتى لو لم تكن المرأة تشبعك كما كانت تشبعك في أول حياتها فإن الله بما تعملون خبيرا، أصلحا واتقوا الشح اتقوا البخل في الألفاظ اتقوا الجفاف العاطفي في الجمل المنتقاة المختارة، اتقوا كل ما يقبح حياتنا الأسرية حينئذ سترون ذلك عند العليم الخبير فإن الله كان بما تعملون خبيرًا.

بلاغة حديث

وقفتنا فهي قوله عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: يا معاذ إني أحبك فلا تدع أن تقول في دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. هنا وقفات أسلوبية جميلة: القائد الكبير الحبيب الهادي البشير محمد صلى الله عليه وسلم يأخذ بيد معاذ كما في بعض الألفاظ: أخذ بيدي وقال والله إني أحبك، وفي بعض الألفاظ أقسم قسمًا: يا معاذ والله إني أحبك. وهنا دلالة كبيرة على روح المحية السائدة في المجتمع النبوي في المجتمع الطاهر بين القائد والصحابة رضي الله عنهم، يأخذ بيده ويقسم له أنه يحبه، كلنا نحن محمدًا صلى الله عليه وسلم لكن الجميل الآن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يحب رجلًا معينًا وهو معاذ بن جبل بل ويقسم على حبه ثم يقول ما دمت أحبك فسأعطيك شيئًا من علامات الحب لأن المحبة الحقيقية هي أن تنجو النجاة لأخيك الذي تحب والأخت التي تحب أختها عليها أن تقدم لها ما ينجيها يوم القيامة ما يقدم لها من السرور في الدنيا والسرور في الآخرة فقال عليه الصلاة والسلام: لا تدع كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. واللفظ البديع النبوي هنا أن الإعانة من الله، أنا أحبك والذي يعينك هو الله، ما قال أنا أحبك وقل يا محمد أعني، حتى بعد وفاته بالتوسل إليه، لا، أنا الذي أحب (محمد) لكن أنت أيها الصحابي اطلب العون من الله وقل اللهم أعني.

وإذا لم يكن عون من الله للفتى

فأوّل ما يجني عليه اجتهاده

 جاء الترتيب البديع "أعني على ذكرك" والذكر هذه العبادة السهلة اليسيرة ذات الأجور الكبيرة. وشكرك على هذه النعمة ومنها محبة محمد صلى الله عليه وسلم لنا، وحسن عبادتك ولم يقل صلى الله عليه وسلم وعبادتك لأن العبادة لا بد أن تكون حسنة وحسن العبادة أن تكون مخلصا لله سبحانه وتعالى وأن تكون وفق ما شرع محمد صلى الله عليه وسلم. نسأل الله أن يرزقنا محبته ومحبة حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل