مقاصد السور - سورة الحج والمؤمنون

مقاصد السور

د. محمد عبد العزيز الخضيري

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة الحج والمؤمنون

حديثنا في هذا المجلس حول سورتي الحج والمؤمنون، أما سورة الحج فهي السورة الوحيدة في القرآن التي سميت بركن من أركان الإسلام ولا يكاد يُعرف لهذه السورة اسم غير هذا الاسم. وهذه السورة مليئة بالعجائب كما يقول علماء علوم القرآن فهي سورة أشبه سورة من السور المدنية بالسور المكية، هي سورة مدنية أشبه ما تكون بالسور المكية وقد اختلف فيها هل هي مدنية أو مكية. وهذه السورة يها ليلي ونهاري وسفريّ وحضري وهذا لا يكاد يوجد في كثير من سور القرآن. وهي سورة إذا قرأتها أشكل عليك أمرها هل هي من السور المكية أو من السور المدنية بسبب ما طرحته من قضايا وموضوعات فهي تؤصل للعقيدة وتؤسس للتوحيد وتدعو إلى الإيمان بالله واليوم الآخر وتنافح عن دين الرسل عليهم الصلاة والسلام وفي الوقت ذاته يأتي فيها تفاضيل الحج والهدي والذبائح لله عز وجلّ وذكر الجهاد في سبيل الله ومن عجائب هذه السورة الكريمة أنه اجتمع فيها سجودان وهذا لم يحدث في سورة أخرى غيرها بل قال العلماء إن السجود الثاني فيها هو آخر سجود نزل في القرآن الكريم، تأمل أول سجود هو قول الله عز وجلّ (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾ العلق) وهو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يوم لم يكن معه أحد من أهل الإيمان وآخر خطاب بالسجود في آخر هذه السورة (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٧٧﴾ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ).

هذه السورة الكريمة افتتحت بافتتاحية أيضًا عجيبة وهي قوله (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) ولم يشاركها في هذه الافتتاحية إلا سورة النساء ومن العجائب في هذا أن سورة النساء قال الله فيها (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ النساء) فأشارت إلى بداية الدنيا وهذه السورة افتتحت ببداية الآخرة وتلك في النصف الأول من القرآن وهذه في النصف الثاني من القرآن. قال الله في هذه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) هنا سؤال: ما مناسبة الحج للقيامة؟ فنقول ما هناك عبادة تقرّب لك القيامة مثل الحج. مشهد القيامة تراه بصورة مصغرة وأنت في عرفة وعندما ينزل الناس إلى مزدلفة وعندما يستيقظ الناس في الصباح ثم ينصرفون إلى منى هذا المشهد لو رأيته من علو لرأيت مشهدًا مصغرًا ليوم القيامة ولذلك جاء الحديث هنا عن يوم القيامة يصور لك حال الناس في ذلك اليوم. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴿١﴾ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴿٢﴾) فهو يوم مهول، يوم عظيم، يوم فيه من الرعب والهول شيء لا يقادر قدره حتى إن المرأة مع شدة حنانها وتعلقها برضيعها تفلته في ذلك اليوم منصرفة عنه غير مبالية به، وهذا يؤكد أن هذا المشهد ليس هو مشهد قيام الساعة الي يكون بعد البعث وإنما قيام الساعة الذي قبل صعق الناس أو قبل فناء العالم، المشهد هذا هو في آخر الدنيا وليس بعد بعث الناس من قبورهم لأن القيامة تطلق على هذا وتطلق على ذاك. ولاحظوا التعبير (تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ) ما الفرق بين المرضع والمضرعة؟ المرضع هي التي اتصفت بالإرضاع هي الآن في حال تصلح فيه أن تكون مرضع، أما المرضعة فهي المرأة التي أرضعت بالفعل، قد ألقمت ثديها صبيها وهذا أشد في كونها قد انشغلت عنه وألقته من شدة الهول الذي نزل عليها. (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) إذن هناك علاقة بين الحج وبين يوم القيامة وهناك علاقة أيضًا بين الحج والجهاد فليس هناك عبادة تشبه الحج مثل الجهاد ولذلك نلاحظ أن الجهاد اقترن بالحج في هذه السورة واقترن بالحج في سورة البقرة قال الله عز وجلّ (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿١٩٠﴾ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴿١٩١﴾ البقرة) ثم قال بعدها (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196] جاءت بعد ذكر الجهاد لأن الحج أقرب شيء إلى الجهاد ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة هل على النساء من جهاد يا رسول الله؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة.

هذه السورة الكريمة تحدثت عن خلق الإنسان ودلائل البعث وموقف المكذبين بشكل عام ومجادلتهم وبيان موقفهم من الحق وانقسام الناس في هذه القضية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ ﴿٣﴾) (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴿٨﴾) (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿١١﴾ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ). وتحدثت أيضًا عن التوحيد الذي يعتبر الحج معلمًا ظاهرًا من معالمه وتطبيقًا واضحًا من تطبيقاته الجليّة ولذلك في أول آية من آيات الحج يقول الله فيها (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة: 196] فيقرنه بالإخلاص وفي آية فرضية الحج في سورة آل عمران يقول الله فيها (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) [آل عمران: 97] بدأ بالإخلاص قبل أي شيء آخر وهنا جاء التركيز على أمر الإخلاص وعلى أمر إفراد الله بالعبادة في هذه السورة بشكل ظاهر وبيّن.

وابتدأ أمر الحج بقول الله عز وجلّ (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ) يأتوك راجلين على أقدامهم وعلى كل ضامر أي بعير قد ضمر من الهزال من طول السفر (يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿٢٧﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴿٢٨﴾ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ﴿٢٩﴾) ثم قال الله (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ﴿٣٠﴾) ثم ضرب مثلًا للشرك (حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴿٣١﴾ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴿٣٢﴾). ثم يقول الله عز وجلّ (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ) وإياكم أن تذكروا عليها غير اسم الله (فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿٣٦﴾ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا) لن يصل إلى الله لا لحمها ولا دمها (وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) الذي يصله سبحانه وتعالى منكم تقواكم لله عز وجلّ (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) ثم قال مبيّنًا أنه الآن سيقدم مقدمة في وجوب الجهاد وهذه أول آية في الجهاد (أُذِنَ) مما يدل على أن الجهاد كان محرّمًا (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) هذه أول آية شُرع فيها الجهاد في الإسلام (وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ).

ثم استمرت السورة في ذكر قضايا هؤلاء المشركين ومجادلتهم وتهديدهم حتى وصلت في آخرها إلى قول الله عز وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۩﴿٧٧﴾) والملاحظ أنه يعبّر عن بعض أركان الإسلام ببعض أركانه، ما قال يا أيها الذين آمنوا صلّوا بل قال اركعوا واسجدوا للدلالة على أن هذا الذي عُبّر به عن الكل أنه ركن في تلك العبادة فالركوع من أركان الصلاة والسجود من أركان الصلاة ولا يتصور صلاة بلا ركوع ولا سجود فاستدل العلماء بهذا على ركنية الركوع والسجود. وقال هنا (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ) كل خير يكون نافعًا لعباد الله ويراد به وجه الله افعلوه، لأجل ماذا يا ربنا؟ لعلكم تفلحون أي تفوزوا بالمطلوب وتظفروا بالمرغوب، وجاءت هذه مجملة وفصّلت في سورة المؤمنون التي افتتحها الله بقوله (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾).

وسورة المؤمنون سورة مكية تتحدث عن المؤمنين وعن الإيمان ودلائله والمكذبين به وعاقبتهم وتختم بمثل ما افتتحت به (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴿١١٧﴾)، بدأت بـ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾)  وختمت (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ). من هم هؤلاء المؤمنون يا ربنا؟ وصفهم بست صفات.

1.      (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿١﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿٢﴾) وقد قيل أن كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلّى رفع بصره إلى السماء فأنزل الله عليه هذه الآية فخفض بصره في صلاته ولم يرفعه لأن خفض البصر في الصلاة والنظر إلى موضع السجود دلالة على الخشوع والذل بين يدي الرب سبحانه وتعالى فلا يليق بالإنسان إذا دخل في صلاته أن يلتفت ببصره يمينًأ ويسارًا وأما رفع البصر إلى السماء فمحرّم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يوشك أن تخطف أبصار الذين يرفعون أبصارهم في السماء.

2.      الصفة الثانية (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾) اللغو هو كل ما لا فائدة فيه وكثير مما يتحدث به الناس هو من اللغو قال الله عز وجلّ (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) النساء)

3.      الصفة الثالثة (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴿٤﴾) ولاحظ أنه فصل بين الصلاة والزكاة بقوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴿٣﴾) نستفيد من هذا أن الخشوع في الصلاة لا يتهيأ للإنسان إلا إذا أعرض عن اللغو ولا تكاد تجد إنسانًا ثرثارًا يتحدث في كل قضية وفي كل شأن ولا يدع شاردة ولا واردة إلا لاكها بلسانه لا تتوقع أن يطرق الخشوع قلبه! قال الله عز وجلّ (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ) هذه الصفة الثالثة يعني يؤدون الزكاة الواجبة

4.      (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٥﴾) يحفظون فروجهم سواء كان ذ لك الحفظ من جهة الشهوة فلا يضعونها إلا حيث أمر الله أو يحفظونها من جهة الستر فلا يطلعون عليها أحدا، قال الله عز وجلّ (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٦﴾) لا يستعملون فروجهم إلا مع هذين الصنفين (فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٧﴾)

5.      (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٨﴾) هذه الصفة الخامسة

6.      (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٩﴾) هذه هي الصفة السادسة

ماذا لهم يا ربنا؟

في أول الأمر قال (قد أفلح) وفي الآخر بيّ، نوع الفلاح الذي سيكون لهم (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿١١﴾).فإن قلت: كيف يرثون الفردوس؟ هل كان لأحد من قبلهم ثم يرثونه هم؟ فيقال: إن الله عز وجلّ خلق الجنة وهي ليست لهم أصلاً وإنما يورثهم إياها بفضله، هذا أولًا، ثانيًا وخلق الله الجنة وجعل لكل أحد منزلا فمن كفر حُرم من منزله فورثه المؤمن فصار هناك إرث فكأنهم يأخذون شيئا قد كان مقدرًا لغيرهم قد حرموا منه لأنهم لم يؤدوا ثمنه أو قيمته التي يستحقون بها ذلك الجزاء.

ثم تحدثت السورة على قدرة الله وفضله على عباده سواء كانت هذه القدرة في النفس أو كانت في المخلوقات (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴿١٨﴾ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿١٩﴾ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) يذكّرنا الله بقدرته ونعمته علينا (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٢١﴾ وَعَلَيْهَا) على هذه الأنعام (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٢٢﴾) ولما ذكر الفلك ناسب أن يذكر قصة نوح لأن قصة نوح أقرب قصة إلى موضوع الفلك فأول من صنع الفلك وعلّم البشرية صناعة السفن هو نوح وقصته هي قصة الإيمان التي جاءت في سورة المؤمنون عندما قال الله عز وجلّ (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿٢٣﴾) هذا هو الإيمان وذكر الله عز وجلّ موقفهم وجزاءهم وماذا حصل لهم ثم انتقل بعذ ذلك إلى قصة هود وقومه علما أنه لم يصرّح بالقوم ولا بالنبي لكن من يقارن القصة بالأخرى الواردة في السور الثانية يعلم أن المراد بها قصة هو ثم ختمها بقوله (ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ ﴿٤٢﴾) أممًا كثيرة (مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴿٤٣﴾) ما في أمة تتعدى أجلها ولا تستأخر عنه (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ) وهذا ضد الإيمان (فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) ونحن في سورة المؤمنون. (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٤٥﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ ﴿٤٦﴾ فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ﴿٤٧﴾ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ﴿٤٨﴾) ثم بيّن الله أن هذا الذي أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم قد أوتيه النبيون من قبله (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴿٤٩﴾ وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ ﴿٥٠﴾)

ثم أكّد على نفس القضية التي وردت في سورة الأنبياء (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾) ملتكم ودينكم يا أهل الإسلام في كل الأمم ملة واحدة فالذي دعا إليه نوح وإبراهيم وموسى وعيسى واحد لا يختلف كلهم يدعون إلى عقيدة واحدة لا تتغير (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿٥٢﴾ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿٥٣﴾) كلٌ يأتي بدين من عنده ويشرك مع الله غيره.

ثم قال الله عز وجلّ مبيّنًا صفات المؤمنين مرة أخرى (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٥٧﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴿٥٩﴾ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿٦٠﴾ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١﴾ وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴿٦٢﴾). ثم تسترسل السورة إلى أن تأتي في الأخير ماذا يجب على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو قومه إلى الإيمان بالله وباليوم الآخر ونبذ الشرك يقول الله له (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴿٩٦﴾ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ﴿٩٧﴾ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴿٩٨﴾) يحضرني هؤلاء الشياطين (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴿٩٩﴾ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴿١٠٠﴾) ثم ذكر موقفهم في يوم الجزاء والحساب وكيف أنهم يندمون أشدّ الندم على ما بدر منهم في الدنيا وبهذا تختم هذه السورة الكريمة العظيمة.

 

https://soundcloud.com/nasser-alusfoor/fd7veslxmwlt

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل