بلاغة آية وحديث - الحلقة 28 - (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 28

آيتنا في هذه الحلقة هي قوله سبحانه وتعالى (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (110) النساء) قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه وتعالى عباده بعفوه وكرمه وحلمه وسعة رحمته ومغفرته فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا ثم يستغفر الله بعد هذا الذنب يجد الله غفورًا رحيمًا. (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) نلحظ في هذه الآية الكريمة تركيبًا بديعًا من تراكيب لغتنا العربية الجميلة وهي البناء على الشرط (من يعمل) هنا أداة شرط بمعنى من يعمل هذا الأمر فإنه سيجد النتيجة، فعل وجواب، أمر، مقدمة ونتيجة لهذه المقدمة، (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ)، ما النتيجة؟ (يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا). نجد هنا تركيبًا بديعًا أنه كلما أذنب المرء رجلًا كان أو امرأة واستغفر الله سبحانه وتعالى فسيجد الغفور الرحيم الله جلّ جلاله. (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا) جاءت على صيغة النكرة وهنا وقفة بلاغية جميلة هي أن أي سوء يعمله الإنسان ويستغفر الله منه سيجد الله غفورًا رحيمًا لذلك السوء مهما كان ما دام الإنسان قد استغفر الله فليبشر وليستبشر وليرتح خاطره وليطمئن قلبه فإنه يتعامل مع غفور رحيم. أيًا كان السوء وهنا في هذا التركيب عندما قال سبحانه وتعالى (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا) في قديم الزمان وفي حديثه، سوءا في سفر أو حضر، سوءا في أيام شبابه أو في أيام كهولته أو أيام شيخوخته، سوءًا وهو منفرد أو مع الناس مع جماعة الأصدقاء، أيًا كان هذا السوء إذا عمله الإنسان ثم استغفر الله فسيجد له ربًا غفورًا رحيمًا. هذه الآية بهذا التركيب البديع تدلنا على أن الإنسان بالفعل المضارع (وَمَن يَعْمَلْ) يعني أن الفعل يدل على الاستمرار فمعنى ذلك أنه مهما استمر فعلك للسوء واستمر الاستغفار له فإنك بإذن الله ستجد الغفور الرحيم يغفر السوء الذي عُمِل ثم عُمِل ثم عُمِل. جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العبد يذنب ذنبًا ثم يستغفر الله فيغفر الله له ثم يعود إلى الذنب فيستغفر فيغفر الله له ثم يعود إلى الذنب فيستغفر فيغفر الله له ثم يقول الله في آخر الحديث: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به اعمل ما شئت فقد غفرت لك. إذن التعامل مع الغفور الرحيم تعامل راقي غير التعامل مع الناس الذين إن احتملوا لنا سقطة لم يحتملوا السقطة الأخرى وإن تجاوزوا عن خطأ أو خطئين حاسبونا عن الثالث والرابع، لا، التعامل مع الله تعالى أنه من يعمل ثم يستغفر يجد الله، مرتبة بهذا الترتيب البديع العجيب (يجد الله) والتعبير بالاسم الشريف يدلّ على العظمة كما قال العلماء أنه إذا عُبّر بلفظ الله لفظ الاسم الشريف (الله) فإنه يدخل فيه كل اسم شريف من أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلا، يدخل كل اسم لله في قولك (الله) يدخل الغفور والرحيم والجبار سبحانه وتعالى والستير ونحو ذلك. (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا) وهنا فاصلة عجيبة في نهاية هذه الآية الكريمة يتكلم عنها علماؤنا الأجلاء وهو اجتماع هذين الاسمين الشريفين في هذا المقام: الغفور الرحيم، ولنا فيها بعض الوقفات: غفور على وزن فعول في اللغة العربية ورحيم على وزن فعيل في اللغة العربية وفعيل وفعول من صفات المبالغة فلما نقف معها غفور يعني كثير المغفرة وعظيم المغفرة في الوقت نفسه، الله سبحانه وتعالى كلما أذنب العبد واستغفر مهما كثرت الذنوب وكثر الاستغفار فالله كثير المغفرة لها ثم لو كانت الذنوب كثيرة عظيمة واستغفر منها الإنسان التائب فإن الله يأتيه بمغفرة كبيرة عظيمة تناسب ذنبه الكبير العظيم. ورحيم المغفرة هي الستر، يغفر يعني يستر، الله سيستر هذه الذنوب لكن إذا ستر صار لا له ولا عليه؟ لا، الله رحيم سيرحمه الله فناسبت الرحمة مع المغفرة بمعنى – والله أعلم - أن العبد المذنب المستغفر يتوب الله عليه، يغفر ذنوبه، يستر عيوبه، يزيلها، يثيبه أيضًا رحمة معها حتى تتبدل سيئاته حسنات كما جاء في الآيات الكريمة الأخرى. (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا) ما أجمل هذا التركيب القرآني الفريد الذي أًحكم فيه النظم أيما إحكام وفيه من البشارة الشيء الكثير الكثير بمعنى أن الإنسان لا ييأس من روح الله فكلما جدد ذنبًا فليجدد الاستغفار ثم سيجد الغفور الرحيم يستقبل هذا الذنب مع الاستغفار بالمغفرة والرحمة وهذا فضل منه جلّ جلاله.

بلاغة حديث:

 

سنأخذ حديثًا مشهورًا من أحاديثه صلى الله عليه وسلم وهي قوله لما سأله الصحابة الكرام رضي الله عنهم قالوا له: يا رسول الله ما كلمات سمعناك تقولهنّ؟ قال صلى الله عليه وسلم: كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام كفارة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. هذه الكفارة للمجلس الذي فيه لهو أو ليس فيه لغو، جبريل عليه السلام علمها محمدًا صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، علّمه أن يقول هذه الجمل الثلاث: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. جاء في بعض الأحاديث الأخرى في روايات هذا الحديث أن هذه الكفارة تكون في المجلس الذي يكون فيه ذكر وطاعة وقرآءة قرآن ونحو ذلك تكون مثل الطابع عليه مثل الختم الجميل إلى يوم القيامة يكون المجلس محفوظًا له، والمجلس الذي فيه لغو وسبّ ونحو ذلك من لغو الحديث فإن هذه الكفارة تمحو كل أمر سيء في ذلك المجلس، إذن هي هدية ربانية جاء بها جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم وصار يقولها مما لفت نظر الصحابة رضي الله عنهم فسألوه: ما كلمات سمعناك تقولهنّ يا رسول الله؟ هذه الكلمات التي يكفّر الله بها الخلل واللغط واللغو الذي يكون في المجلس بنيت بناء بلاغيًا بديعًا رائقًا فأول كلمة فيه (سبحانك اللهم) سبحانك هذا اللفظ يقول العلماء هو للتنزيه والتقديس ولذلك لا تقال إلا لله تعالى ولا يقال سبحان فلان مهما بلغ، سبحان يعني تنزيه من كل نقص (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، سبحان الحيّ القيوم، سبحان الوحد الأحد) وهنا في الحديث "سبحانك اللهم". وجاء بعد سبحان بلفظ سبحان (اللهم) وواضح ما فيه من الجلال والتقدير لله جلّ جلاله عن طريق النداء لأن أصل كلمة اللهم أصلها "يا الله" زالت ياء في أول النداء وعوّض عنها بالميم في آخره فقال "اللهم" فالعبد عندما يقول هذه الكلمة ينظر إلى الله بنظر التقدير والاحترام والتبجيل والتقديس ويقول يا الله سبحانك ليس فيك نقص ولا يعتريك يا ربي أيّ نقص جل جلال الله، سبحانك يا الله عوّض عنها بالميم فقيل: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت. بعد التمجيد والتقديس لله تأتي الشهادة العظمى الكبرى وهي "لا إله إلا أنت يا الله" فكأن القائل يقول: أيّ أمر فعلته فإن أحسن ما أختم به كلامي هو شهادة التوحيد التي نسأل الله أن يتوفانا عليها ووالدينا والمسلمين أجمعين. "أشهد أن لا إله إلا أنت"، يا رب لا إله إلا أنت وفي الأخير يختم بما يمكن أن يكون في هذا المجلس من الخطأ بالاستغفار "أستغفرك وأتوب إليك". وأيضًا نلحظ أن الاستغفار جاء بصيغة الفعل المضارع أستغفرك، الآن أنا أستغفرك وكل وقتي يا رب أستغفرك كأن العبد لازم الاستغفار ملازمة. "وأتوب إليك" بمعنى أتوب الآن وأتوب غدًا وأتوب في نهاية كل مجلس وفي كل حال من أحوال أتوب إليك. إذن هذا اللفظ العظيم سماه النبي صلى الله عليه وسلم كفارة المجلس وكفارة أيضًا جاء بصيغة جميلة بالكلمة المنتقاة المختارة بوزن فعّالة كأنها تكفّر كل شيء في هذا المجلس بهذه الصيغة المشددة القوية تمحو كل ما كان في ذلك المجلس  نسأل الله تعالى أن يغفر لنا وأن يطيب حالنا ومآلنا سبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل