بلاغة آية وحديث - الحلقة 27 - (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة)

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 27

الآية المختارة هذا اليوم هي قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴿١٠٢﴾) هذه الآية هي وصف لما يُعرف في شريعتنا الإسلامية بـ"صلاة الخوف" وهذه الصلاة صلاة خاصة في حالة الحرب إذا خاف المسلمون من أعدائهم. صفة هذه الصلاة التي شرعها الله سبحانه وتعالى هنا في غزوة ذات الرقاع أن النبي صلى الله عليه وسلم - كما في إحدى صفاتها - يقوم قائمًا مستقبلًا العدو ويأتي جزء من المسلمين يصلّون معه صلى الله عليه وسلم قيامًا، جزء من المجاهدين يصلّون معه قيامًا معه ثم الجزء الآخر يقف أمام العدو يحرس الناس فإذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وأتم ركعة واحدة من ركعتي الصلاة- لأن الصلاة في هذه الصفة عددها ركعتان فقط - فإذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم وقام للركعة الثانية يثبت قائمًا والذين صلّوا كانوا معه هم يركعون ويسجدون فيتموا الركعة الثانية خفافًا ثم ينصرفون وتأتي الطائفة الأخرى التي كانت تحرس فتقف مع النبي صلى الله عليه وسلم فيتمّ فيهم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة تكون بالنسبة له هي الركعة الثانية وبالنسبة للمجاهدين الجدد هي الركعة الأولى، فإذا جلس صلى الله عليه وسلم للتحيات، للتشهد قاموا هم وأتوا بركعة ثانية بعد أن ثبت جالسًا صلى الله عليه وسلم فيأتوا بركعة أخرى ثم ينصرفون مع النبي صلى الله عليه وسلم فيكون كل فريق من الفريقين صلّى ركعتين. الفريق الأول صلّى الركعة الأولى معه صلى الله عليه وسلم والفريق الثاني صلى الركعة الثانية معه صلى الله عليه وسلم وكل فريق صلى ركعة وحده فيكونوا بذلك قد صلّوا صلاة جماعة مع الرسول القائد صلى الله عليه وسلم ولم يتركوا العدو لهم. وسبب هذه الآية الكريمة أن الكفار رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي فندموا أشد الندم كما يقول ابن عباس رضي الله وجابر قالوا إن الكفار ندموا وقالوا: لقد فوّتنا على أنفسنا فرصة، فلو كَرَرنا عليهم في وقت الصلاة لكبّوا عليهم انكبابة واحدة فقال بعضهم لبعض ستأتيهم بعد قليل صلاةٌ هي أحب إليهم من آبائهم وأبنائهم - يعنون صلاة العصر - فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه الآيات التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يترك الحرب ولا يترك الصلاة في آن واحد.

هذه الآيات العظيمة فيها وقفات بلاغية دلالية على طريقة الصلاة فعندما قال الله سبحانه وتعالى (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) يستفاد من هذا اللفظ روح الجماعة في الجهاد وعدم التفرّق وأنهم على رأي واحد وقائد واحد وهذه من خطط الحرب العسكرية "الائتمار بأمر الأمير" (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ)، هذه ظاهرة أسلوبية موجودة في هذه الآية وهي بروز القائد: كنت فيهم أنت يا قائد يا محمد صلى الله عليه وسلم أقمت لهم أنت الصلاة فهناك قائد وهناك جنود وهناك التفاف وهناك التمام حول القيادة العسكرية وهذا من الأسلوبية الجميلة في القرآن الكريم التي أيضًا يؤخذ منها الدلالات العسكرية والاجتماعية والتربوية.

(وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ) ولم يقل سبحانه وتعالى إذا كنت فيهم فصليّت وإنما قال (فَأَقَمْتَ) وهنا سرٌ لطيف في اختيار لفظ (أقمت) حيث إن إقامة الصلاة أكمل من أن يقول الإنسان صلّيت فقط لأن الإقامة هي الإتيان بركوعها، بسجودها، بأركانها، بواجباتها، بالشروط ولذلك دائمًا يعبّر عن الصلاة بالإقامة (إقامة الصلاة) يعني بإتقانها على الوجه المطلوب كما هو.

(فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) يعني جماعة ممن تحارب دون أن يقوم الجميع، تقوم مجموعة واحدة ولذلك عبّر عنها بطائفة ولم يقل في التعبير القرآني "فليقوموا معك". ثم قال الله سبحانه وتعالى (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) بمعنى أن الذين يقومون مع النبي صلى الله عليه وسلم يصلّون وأما الآخرون الذي يحرسون وقت الصلاة يأخذون أسلحتهم وهنا فائدة عظيمة قال (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) هنا فرق عظيم بين الموقفين: الموقف الأول قال الله (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) وفي الموضع الثاني قال (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) وقف العلماء الأجلّاء وعلماء البلاغة الكرام حول الفرق بين التركبين: التركيب الأول (وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) والتركيب الثاني قال (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) والفرق والله أعلم في بداية الصلاة الكفار لما يشاهدوا صف المؤمنين لا يعلمون أنهم يصلّون يظنون أنهم في حركة عادية اعتيادية وأنهم قائمون بغرض التجهيزات ونحو ذلك، فليأخذوا أسلحتهم، يعني يا صحابة يا مجاهدون خذوا أسلحتكم لأن الكفار يرونكم من بعيد عند التقاء الصفين ويظنون أنكم في حركة قتالية ولستم في صلاة، عبادة محضة أما في الموقف الثاني فهم رأوا السجود والركوع والقيام فعلوا أنكم تصلّون ولذلك في الموقف الثاني قال الله سبحانه وتعالى (وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) هنا خذوا الحذر وخذوا السلاح ولا تغفلوا عن الحذر ولا عن السلاح لأن هناك احتمال أن الكفار صاروا يعرفون أنكم الآن قمتم إلى الصلاة. هذه الترتيبات العجيبة في ألفاظ القرآن الكريم تدل فيما تدل عليه على أن القرآن أتى بأحكم النظم وأبلغ الكلام ولو لم يأت منه إلا هذه التركيبات لعلمنا أنه من نزل من لدن عزيز حميد حكيم جلّ جلاله هو الذي أنزل هذا القرآن وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ليأتي بالقرآن من نفسه.

هذه الآية تشير إلى أهمية الصلاة وأنها هي قوام الدين وأنه لم يُعذر فيها المجاهدون الذين في ساحة القتال وأمام العدو وعند التقاء الصفين لم يُعذروا في ترك الصلاة فيستحسن ويفترض فينا جميعًا مسلمين ومسلمات أن نحافظ على الصلاة في كل أحوالنا قدر ما أوجب الله سبحانه وتعالى علينا فلا تشغلنا عن الصلاة أمور سفر ولا أمور لهو ولا أمور تجارة بل هم الذين يُثنى عليهم عندما قال الله تعالى (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴿٣٧﴾ النور) لا التجارة تلهي ولا البيع يلهي عن الصلاة ولا حتى الإنشغال بالقتال وملاقاة العدو وتطاير الرؤوس والتقاء الصفين وأصوات المدافع كل ذلك لا يشغل عن الصلاة، إنه توجيه قرآني إلهي رباني عظيم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من المحافظين على الصلوات وأن يوفقنا جميعًا للإلتزام بما أمر الله تعالى به.

بلاغة حديث

وقفة بلاغية مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: "إن الله تعالى ليرضى عن العبد إذا أكل الأكلة أن يحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها". هذا التركيب الموجز المفعم بأنواع التأثير والتوجيه وأصناف الإيحاءات الجميلة هي في عبارات موجزة. قال فيها صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرضى، ولاحظوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أكّد بمؤكدات قوية قال: (إنّ) وهذا حرف توكيد في قواعدنا العربية يفيد زيادة التوكيد والتحرير للحدث الذي يريد الإخبار عنه فقال (إنّ) ثم عبّر بلفظ الاسم الأعظم (الله) وأتى باللام (ليرضى) وأتى بالفعل المضارع (ليرضى) الذي يفيد الحدوث والاستمرار والتجدد بمعنى أن الله كلما أكلت أكلة وقلت الحمد لله وكلما شربت شربة وقلت الحمد لله يتجدد رضى الله لك ويرضى عنك. الرضى الذي يطلبه المنفق حتى يرضى الله والمجاهد يجاهد في سبيل الله حتى يرضى الله، البارّ بوالديه يبرّ حتى يرضى الله، الذي يسافر للحج والعمر بالمشقة والتعب حتى يرضى الله، وقد أتى الله لك بالرضى وأنت في طاولة بيتك وعلى كرسيك في عملك وفي المطعم وفي المقهى عندما يشرب الإنسان شربة ويقول الحمد لله يرضى عنك الله.

 والعجيب أن هذا الإطلاق في قوله "أن يأكل الأكلة ويشرب الشربة" ولم يحددها هذه أكلة معينة، كبيرة، صغيرة، في أرض أو في سماء أو في مقهى، أو في مطعم أو في برّ أر و في بفقد تكون هذه وجبة في طائرة يستشعر الإنسان نعمة الله ويقول الحمد لله، قد تكون وجبة على الأرض فيقول الحمد لله، قد تكون وجبة خفيفة من المأكولات الخفيفة يأكلها الإنسان ويستشعر نعمة الله ويقول الحمد لله وكذلك شربة ماء أو مشروب أو نحو ذلك فيقول الحمد لله بهذا يتحقق رضى الله سبحانه وتعالى بأنواع المؤكدات البلاغية: إنّ واللام والفعل المضارع والأكلة على وزن الفَعْلة يقولون أكلة واحدة وهي الأكلة التي يأكلها الإنسان حتى يشبع. قال العلماء إن الإطلاق في قوله (يحمد الله) عامة فلو قال "الحمد لله" حصل له الرضى ولو قال "الحمد لله والشكر" حصل الرضى ولو قال كما ورد في بعض الأحاديث: "الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة" لكان أيضًا رضى ولو قال الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبا مباركا غير مكفيّ ولا مودّع غير مستغنى عنه ربنا" أيضًا ورد ذلك ولكنه قال: "الحمد لله" فإن ذلك يكفي لاستجلاب رضى الله سبحانه وتعالى. أسأل الله لنا ولكم التوفيق وأن يكتب لنا الرضى ولوالدينا والمسلمين. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل