سور القرآن، دروس ومحاور - بين يدي سورة الأنعام

سور القرآن دروس ومحاور

سورة الأنعام

بين يدي السورة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

قال علماء أصول الدين: هذه السورة اختصت بنوعين من الفضيلة: أحدهما أنها نزلت دفعة واحدة والثاني أنها شيّعها سبعون ألفًا من الملائكة، والسبب في ذلك أنها مشتملة على دلائل التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين وذلك يدل على أن علم أصول الدين وهو العقيدة في غاية الجلالة والرفعة وأيضًا فإن إنزال ما يدل على الأحكام قد تكون المصلحة أن ينزله الله تعالى قدر حاجتهم وبحسب الأحداث والنوازل وأما ما يدل على علم أصول الدين كهذه السورة فقد أنزله الله جملة واحدة وذلك يدل على أن تعلّم علم الأصول واجب على الفور لا على التراخي.

وتعتبر سورة الأنعام أصلًا في محاجّة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذّب بالبعث والنشور وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة لأنها في معنى واحد من الحجة وعليها بنى المتكلمون أصول الدين.

اسم السورة

سميت سورة الأنعام بهذا الاسم لورود ذكر الأنعام فيها وتذكير الناس بهذه النعمة الجليلة ولما كان العرب المشركون بل وأكثر الديانات تعتبر الذبح عبادة تتقرب بها إلى أوثانها وأصنامها جاءت سورة الأنعام لتقرر أن الذبح يجب أن يكون لله تعالى الذي تكلمت السورة عن عجائب قدرته ودلائل عظمته ودعت إلى توحيده وعبادته فله وحده الخلق والأمر. وقد جاء النهي في هذه السورة عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه، قال تعالى في سورة الأنعام (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُم ْلَمُشْرِكُونَ (121)) فالآية تقرر حرمة أكل الأنعام التي لم يذكر اسم الله عليها سواء ماتت حتف أنفها أو ذبحت لغير الله عز وجلّ وتخبر الآية أن الشياطين كانوا يوحون إلى أوليائهم من المشركين أن يجادلوا المؤمنين في تحريم أكل الميتة بأن يقولوا لهم: كيف تبيحون لأنفسكم أكل ما ذبحتم بأيديكم وتحرّمون عليها أكل ما قتل الله يعني الذي مات حتف أنفه؟! فيخبرهم الله أن هذه الحجج من تعليم الشياطين للمشركين وكل من يطيعهم فهو مشرك مثلهم فقضية الذبح لله قضية مهمة حررتها هذه السورة التي سميت باسم الأنعام إشارة إلى ضرورة الإلتزام بمنهج الله في قضية الذبح.

ما ورد فيها من الحديث

روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: نزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفًا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد.

ووردت بعض الأحاديث الصحيحة تحكي أسباب نزول بعض آيات هذه السورة الجليلة وهي روايات قليلة لأن هذه السورة نزلت ابتداء من الله تعالى لتعليم أصول الدين من عبادة وتوحيد فهي درس عقيدة نزل من عند الله مباشرة يربي به هذه الأمة لذلك قلّت تلك الحوادث التي نزلت السورة لبيانها وقد جاءت بعض النصوص النبوية بمثابة تفسير لبعض آيات السورة. فمن ذلك عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: لما نزلت هذه الآية (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ) فقال عليه الصلاة والسلام: أعوذ بوجهك، فلما نزلت (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) قال النبي صلى الله عليه وسلم: هاتان أهون أو هاتان أيسر.

عن عبد الله قال: لما نزلت (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)) شقّ ذلك على المسلمين فقالوا: يا رسول الله وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه (يا بني إن الشرك لظلم عظيم)

وعن عبد الله بن عباس قال: أتى أناسٌ النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أنأكل ما نقتل ولا نأكل مما يقتل الله؟ فأنزل الله (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴿١١٨﴾ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴿١١٩﴾ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ ﴿١٢٠﴾ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴿١٢١﴾)

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجلّ (أو يأتي بعض آيات ربك) قال: طلوع الشمس من مغربها.

وقال صلى الله عليه وسلم: ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسًأ إيمانها لم تكن آمنت من قبل، الدابة والدجال وطلوع الشمس من المغرب أو من مغربها.

مناسبة السورة لما قبلها

تترابط سورة المائدة مع سورة الأنعام بروابط كثيرة جدًا يستطيع قارئ السورتين كشف ذلك إذا كانت قرآءته قرآءة المتبصّر المتمعّن. ختم الله سبحانه وتعالى سورة المائدة بقوله (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٢٠﴾) وهي آية مجملة افتتح جل شأنه سورة الأنعام بشرح ذلك وتفصيله فبدأ الله سبحانه وتعالى بذكر خلق السموات والأرض وضمّ جل شأنه إلى ذلك أنه جعل الظلمات والنور ثم ذكر خلق النوع الإنساني وقضى له أجله وجعل له أجلًا آخر للبعث وأنه جلّ جلاله منشئ القرون قرنًا بعد قرن. ثم قال تعالى (قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ) فأثبت له ملك جميع الموجودات في ظرف المكان ثم قال عز من قائل (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣﴾) فأثبت له جلّ وعلا جميع الموجودات في ظرف الزمان ثم ذكر سبحانه وتعالى خلق سائر الحيوان من الدواب والطير ثم خلق النوم واليقظة والموت. ثم أكثر عز وجلّ في أثناء هذه السورة من ذكر الإنشاء والخلق بما فيها من الشمس والقمر والنجوم وفلق الإصباح وفلق الحب وإنزال الماء وإخراج النبات والثمار بأنواعها وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات، كل ذلك أتى مجملا في آخر المائدة عند قوله تعالى (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ) فكل ذلك مما فيهنّ فما ذكر مُجملا في آخر المائدة  جاء مفصلا في افتتاحية هذه السورة فكانت سورة المائدة بمثابة نتيجة لما قبلها ومقدمة للسورة التي بعدها وهي سورة الأنعام.

وهناك مناسبة أخرى بين السورتين وهي أنه سبحانه وتعالى لما ذكر في سورة المائدة قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴿٨٧﴾ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴿٨٨﴾ المائدة) فالأصل في كل مطعوم الإباحة وهذا مجمل أيضًا فجاءت سورة الأنعام لتفصل هذا الإجمال ولتضع قيودًا لإطلاق الإباحة فلا بد أن يكون المأكول من اللحم قد ذكر اسم الله تعالى عليه وقد بيّن الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة أن الكفار حرّموا أشياء على أنفسهم وسموها بأسماء خاصة كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، حرّموها افتراء على الله مع أنه سبحانه وتعالى لم يحرّمها بل أباحها، وقد جاء في سورة الأنعام تقبيح هذا الفعل ليكون هذا التقبيح بمثابة تحذير للمؤمنين أن يحرموا شيئا من ذلك فيشابهوا الكفار في صنعهم.

(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٨﴾ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٣٩﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٤٠﴾)

ولما كانت سورة الأنعام متضمنة لقواعد التوحيد وإثبات الربوبية لله تعالى ناسب ذلك أن تكون بعد سورة المائدة التي تحدثت عمن نسب لله الابن وجعله إلهًا فجاء في سورة الأنعام إبطال ذلك وتوبيخ هؤلاء على اعتقادهم الفاسد وافترائهم الباطل.

قال العلماء: ولسورة الأنعام علاقة بسورة الفاتحة لشرحها إجمال قوله تعالى (رب العالمين) ولها اعتلاق بسورة البقرة لشرحها إجمال قوله تعالى (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)[البقرة:21] وقوله (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا)[البقرة:29] ولها مناسبة مع سورة آل عمران من جهة تفصيلها لقوله جلّ وعلا (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ) [آل عمران:14] ولها علاقة مع سورة النساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرّموه على أزواجهم وقتل البنات، ولها مناسبة مع سورة المائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها.

إجمالي مواضيع السورة

تخصصت سورة الأنعام المكية في محاورة جميع المعرضين عن الإسلام والمعاندين لدعوته من أصحاب الملل والنحل المختلفة فلم تترك أصحاب عقيدة فاسدة قديمة أو حديثة إلا حاورتهم في آياتها وجادلتهم وبيّنت فساد عقيدتهم فهي بحق سورة الحجاج والبراهين تميزت عن أخواتها من طوال السور بخلوّها من القصص القرآني سوى بضع آيات فيها تحدثت عن مناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه وهذه المناظرة من صميم الموضوع الأساسي للسورة الكريمة.

ونحن إذا أردنا أن ننظر للسورة نظرة إجمالية لم نجد فيها مواضيع متعددة لأن موضوعها واحد حيث ركّز السياق القرآني في هذه السورة على التعريف بالله سبحانه وتعالى وبعض قوانينه في معاملة خلقه وأطالت السورة النفس في الحديث عن عجائب قدرة الله سبحانه وتعالى ودلائل عظمته حتى يكون حجم مقام الألوهية كبيرًا في نفوس المؤمنين يستوعب قلوبهم ومشاعرهم.

والتعريف بالله هو الدرس الأول في الإسلام لأن المرء إذا عرف الآمر قبل الأمر تفانى في طاعته وإذا عرف الأمر قبل الآمر ربما تفنن في الهروب من تكاليفه. مع ذلك فإننا نستطيع أن نقسم هذه السورة إلى عدة أقسام تشترك كلها في بيان عقيدة التوحيد:

فالقسم الأول من هذه السورة يمكننا أن نطلق عليه عنوان: "الكمال المطلق" حيث ركزت الآيات فيه على إبراز اتصاف الله تعالى بصفات الكمال والوحدانية والغنى فناسب ذلك أن تفتتح السورة بالحمد لله سبحانه والثناء عليه فلا يعرف قدر الله أحد إلا الله سبحانه وتعالى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ويمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

(قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٢﴾ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١٣﴾ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٤﴾ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿١٥﴾ مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ﴿١٦﴾ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٧﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴿١٨﴾ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴿١٩﴾ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٢٠﴾ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿٢١﴾)

أما القسم الثاني من السورة فهو قسم الإرشاد والتوجيه للمؤمنين فقد اتجه الخطاب في معظم آياته للمؤمنين وغلب عليه جانب النصح والتعريف بالله سبحانه وتعالى لكي يرتبط قلب المؤمن بربه وإنما يكون ذلك بعد التعرف عليه وخير من يعرّف الإنسان على الله سبحانه هو الله جل شأنه فبيّن السياق القرآني عظمة الله وتحدّث عن مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا هو وبيّن قدرته على خلقه وأظهر غناه عنهم وركّز على ضعف الإنسان وشدّة افتقاره إلى الله سبحانه وتعالى.

(وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴿٥٩﴾ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٦٠﴾ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴿٦١﴾ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴿٦٢﴾ قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٣﴾ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٦٤﴾ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾)

وأما القسم الثالث من السورة فهو قسم المحاججة والردود وافتتح هذا القسم بمناظرة إبراهيم عليه السلام لقومه وتبيينه لهم وحدانية الله الحاضر الذي لا يغيب كما تغيب الشمس أو القمر لأن الإنسان الضعيف يحب من ربه القوي العزيز أن يكون شاهدًا مطّلعًا عليه يعينه كلما احتاج إليه ولا يحب الآفلين.

والآيات في هذا القسم فيها خطاب وحديث عن الشرك والمشركين وإبطال مزاعمهم وتبريرهم لكفرهم مع التركيز على قدرة الله سبحانه وتعالى وعظمته لكي يرى المشركون مقامه فتصغى إليه أفئدتهم.

(وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿١٠٥﴾ اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴿١٠٦﴾ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴿١٠٧﴾ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿١٠٨﴾ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠٩﴾ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١١٠﴾ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴿١١١﴾ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١١٢﴾ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴿١١٣﴾ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿١١٤﴾ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴿١١٥﴾)

وأما القسم الرابع فهو حديث عن السَفَه والضلال والمزاعم الجاهلية التي غرق بها العرب المشركون واعتبروها دينًا يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى فهتك القرآن أستارهم وبيّن عوارهم وردّ عليهم مزاعمهم ودعاهم إلى الصراط المستقيم بدلًا من تلك الضلالات التي هم فيها.

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴿١٣٦﴾ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٧﴾ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴿١٣٨﴾ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴿١٣٩﴾ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٤٠﴾)

وأما القسم الأخير فهو قسم الوصايا وربما أطلق عليها المفسرون "الوصايا العشر" فبعد هذا الحشد من الأدلة والبراهين والمناظرات والمجادلات والردود والتمحيصات جاء دور هذه الوصايا التي جمع الله سبحانه وتعالى من أجلها الحجج والبراهين ورد في ثنايا هذه السورة كل من يريد أن يعكّر عليها.

 

(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿١٥١﴾ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿١٥٢﴾)



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل