سور القرآن، دروس ومحاور - محور سورة آل عمران

سور القرآن دروس ومحاور

من برنامج: سور القرآن دروس ومحاور - إنتاج دار المعرفة

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

سورة آل عمران

من تناسب سورتي البقرة وآل عمران:

سورة البقرة محورها إثبات الخضوع لله سبحانه وتعالى وهي بمثابة إقامة الحجّة وسورة آل عمران محورها التوحيد وهي بمثابة إزالة الشُبهة.

سورة البقرة ذكرت طوائف من الناس وسورة آل عمران ذكرت طوائف أهل الكتاب وطائفة الزائغين الذين يتبعون المتشابه

ذكر في السورتين محاجّة أهل الكتاب، في سورة البقرة إسهاب في محاجة اليهود واختصار في محاجة النصارى وسورة آل عمران على العكس فيها إسهاب في محاجة النصارى واختصار في محاجة اليهود.

سورة البقرة فيها تذكير بخلق آدم عليه السلام (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) وسورة آل عمران فيها تذكير بخلق عيسى عليه السلام وتشبيه خلقه بخلق آدم (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾

ختمت السورتان بدعاء إلا أن الدعاء الذي ختمت به سورة البقرة طلبٌ للنصرة على جاحدي الدعوة ورفع التكاليف بما لا يُطاق ويتناسب هذا الدعاء مع بدء السورة ببيان الدين. بينما الدعاء في ختام سورة آل عمران فهو دعاء بقبول الدين وطلب الجزاء على ذلك في الآخرة.

 

محاور سورة آل عمران

مجادلة النصارى بتحقيق التوحيد (استغرق نصف السورة تقريبا)

سورة البقرة تكفلت باليهود وسورة آل عمران تتحدث مع النصارى لأن اليهودية والنصرانية كانتا هما الديانتان الوحيدتان في الأرض وقت نزول القرآن وبعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد من محاجتهما.

بدأت السورة بحديث عن التوحيد والقرآن الكريم

إثبات التوحيد أساس الدين الجديد (من الآية 1 – 83) نزلت في الحوار مع وفد نصارى نجران.

تدور السورة حول موضوع عقيدة التوحيد الخالص كما جاء الإسلام به.

مواجهة عنيفة لكل العقائد المنحرفة في الجزيرة العربية وتشير الآيات إلى اليهود الذين كانوا يحيكون الدسائس والمؤامرات ضد دعوة التوحيد.

القسم الثاني من السورة حديث عن غزوة أحد (حوالي ستون آية) ولم تكن الآيات مجرد سرد تاريخي لأحداث غزوة أحد بل وسيلة للتربية حيث تضمنت الآيات عددا من قواعد العقيدة الإسلامية والتوجيهات الإنسانية فالقرآن يربّي بالأحداث كما يربّي بالآيات.

ختام السورة تلخيص لها فهي توجّه الأنظار إلى كتاب الله المفتوح (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٠﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿١٩١﴾) ودعوة المؤمنين للصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿٢٠٠﴾) وهو ختام يناسب جو السورة وموضوعاتها.

 

سورة آل عمران

محور السورة: قضية التوحيد

إن الحديث في سورة آل عمران يدور حول قضية توحيد الله سبحانه وتعالى ومجادلة الذين يعترضون عليه من أهل الكتاب وهي سورة التربية على التوحيد من خلال الأحداث والنظر في كتاب الكون المفتوح فهذا هو درسها الكبير ومحورها الذي تدور آياتها في فلكه.

إن قضية التوحيد بكل مقتضياتها ذات أهمية بالغة في حسّ الإسلام وإن القرآن الذي يريد أن يتولى بيان قضية التوحيد لا بد أن يتنباها وينافح عنها ويرد على خصومها المتعنتين بالحجة والمنطق تارة وبالجدل والمناظرة تارة أخرى فإذا ما قوبل بالتعارض بالسنان رد على ذلك بما يناسبه أيضًا.

إن سورة آل عمران تعتبر سورة واضحة في تولي القرآن الكريم لقضية التوحيد بالبيان والحجة وفي ساحة المعركة وفي كتاب الكون المفتوح. وكان من المناسب جدًأ أن تأتي هذه السورة الكريمة بعد سورة البقرة لأن سورة البقرة قررت أشياء كثيرة تتعلق بالتوحيد ولكنها كانت بأسلوب الإخبار والتقرير كآية الكرسي وهذه الأشياء سيعترض عليها كل من لا يؤمن بالتوحيد وخاصة من أهل الكتاب فجاءت سورة آل عمران لتتولى أمر المحاججة والمناظرة وإذا أخذنا بالروايات التي تقول إن الآيات الأولى من هذه السورة إلى بضع وثمانين آية منها قد نزلت في مناسبة قدوم الوفد من نصارى نجران اليمن جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليجادلوه في قضية التوحيد وغيرها وسواء صحت هذه الرواية أم لم تصح فإنه واضح من الموضوع الذي تعالجه الآيات الأولى من سورة آل عمران وهي التي تكاد تبلغ نصفها أنها تواجه شبهات النصارى وبخاصة ما يتعلق بعيسى عليه السلام وتدور حول عقيدة التوحيد الخالص كما جاء به الإسلام وتدعوهم إلى الحق الواحد الذي تضمنته كتبهم الصحيحة التي جاء القرآن بصدقها.

ومن هنا تبدأ السورة الكريمة بالقضية الرئيسة فيها وفي القرآن كله (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) فلا شريك له في الألوهية وهو الحيّ لذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية وهي صفة لا تشبه صفة المخلوقين فالله ليس كمثله شيء وهو القيوم الذي تقوم به كل حياة وبه يقوم كل وجود.

هذه هي قضية السورة الكريمة التي تتبناها وتدافع عنها وتأمر المسلمين بها ومن ثم تأمرهم أن يحددوا مواقفهم من كل من لا يؤمن بها ويعتقد بها اعتقادًا جازما من قلبه فلا يتخذوهم أولياء ولا بطانة فالدين عند الله هو الإسلام أي الاستسلام لله رب العالمين وإن التوحيد هو أوضح سورة للاستسلام لله فمن أنكر هذا وخاصة إذا أنكره على علم به فلا يكون وليًا لمسلم ولا بطانة له بل وليه مالك الملك الذي يحيي ويميت ويعز ويذل ويعطي ويمنع.

ثم يورد سياق السورة بعد ذلك قصة ميلاد عيسى عليه السلام وطرفًا من سيرته مع قومه وقد تعودنا من القصص القرآني أن يؤكد موضوع السورة الكبير وإن الروايات التي تقول إن هذه الآيات نزلت بمناسبة قدوم وفد نجران النصارى تقول إن هذا القصص في سورة آل عمران جاء ردًا على ما أراد الوفد إطلاقه من الشبهات وقد يكون هذا صحيحًا ولكن ورود هذا القصص في هذ السورة على هذا النحو يمضي على طريقة القرآن العامة في إيراد القصص لتقرير حقائق معينة يريد إيضاحها. وهنا نجد أن القصص في سورة آل عمران يتناول ذات الحقائق التي يركز عليها سياق السورة وتظهر فيها ذات الخطوط العريضة. إن القضية الأصلية التي يركز عليها سياق السورة هي قضية التوحيد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وقصة عيسى عليه السلام تؤكد هذه الحقيقة وتنفي فكرة الولد والشريك وتستبعدهما استبعادًا كاملًا وتبسط مولد مريم وتاريخها ومولد عيسى عليه السلام وتاريخ بعثته وأحداثها بطريقة لا تدع مجالًا لإثارة أي شبهة في بشريته الكاملة وأنه واحد من سلالة الرسل شأنه شأنهم وطبيعته طبيعتهم وتفسر الخوارق التي صاحبت مولده وسيرته تفسيرا لا تعقيد فيه ولا غموض من شأنه يريح العقل والقلب حتى إذا عقب السياق على هذه القصة بقوله (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٥٩﴾) وجد القلب برد اليقين والراحة وعجب كيف ثارت الشبهات حول هذه الحقيقة البسيطة!

وبعد القصص السابق تمضي سورة آل عمران تتابع سيرها في الدفاع عن هذه العقيدة تنافح عنها وترد على خصومها وتكشف زيفهم وتخاطبهم مباشرة بلسان المتهِم فتقول لهم (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴿٧٠﴾ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٧١﴾) ولا تكتفي بهذا بل تفضح ما يسرّون فيما بينهم تجاه هذه الدعوة وأهلها وتقف على شيء من سلوكهم وتبين جشعهم وشغفهم بالمال وهذا كله ينافي أخلاق الموحدين وسلوكهم. وبهذه المناسبة يوصي السياق الموحدين بالتمسك بما هداهم الله إليه من الدين القويم والإيمان بما أنزل الله على النبيين من الإسلام الذي يمثل حقيقة الدين الواحد على لسان جميع الأنبياء والمرسلين.

ويبقى سياق السورة الكريمة يناضل بالمعركة الكلامية فيرد وينافح ويدافع عن عقيدة الإسلام التي أنزلها الله على رسوله إلى أن يأتي دور المعركة الميدانية المتمثلة في غزوة أحد.

وبعد هذا لا بد من الإشارة إلى سماحة الإسلام في وجه كل من يعاديه فهو يأمر المسلمين بالابتعاد عن الغل والحقد والكراهية فالمسلم بسماحة الإسلام يتعامل مع الناس جميعًا وبنظافة الإسلام يعامل الناس جميعًا وبمحبة الخير الشامل يلقى الناس جميعًا، يتقي الكيد ولكنه لا يكيد ويتقي الحقد ولكنه لا يحقد، هذا ما أشارت إليه السورة الكريمة عقب انتهاء موضوعها الأول.

ثم ينتقل السياق من معركة الجدل والمناظرة إلى المعركة في الميدان من خلال غزوة أحد وعلاقة الحديث عن غزوة أحد بالحديث السابق وهو مجادلة أهل الكتاب بقضايا العقيدة وعلى رأسها التوحيد العلاقة بينهما هي استمرار تصوير المعركة في أشكالها المختلفة فعرضها السياق أولا على شكل حوار وجدال ثم يعرضها في مجال الدفاع عن العقيدة بالسيف والسنان. ويستثمر القرآن الكريم غزوة أحد ليبث في نفوس المؤمنين الكثير والكثير من قضايا العقيدة وعلى رأسها التوحيد العملي وكأن قضايا التوحيد التي ناقش السياق بها أهل الكتاب كانت عبارة عن معلومات نظرية كان إسقاطها على أرض الواقع من خلال غزوة أحد فالتوحيد له مقتضياته وتكاليفه إنه ليس كلمة تقال باللسان وفقط بل هي خطة تستوعب الحياة كلها وما غزوة أحد وما جرى فيها من أحداث إلا صورة من صور البر والتضحية في سبيل التوحيد لله سبحانه وتعالى. والقرآن يربي بالآيات ويربّي بالأحداث بمعنى أنه لا يكتفي بعلومات التربية النظرية بل يضم إلى ذلك الجانب العملي في التربية فيستثمر الأحداث لينفذ من خلالها إلى القلبو بتوجيهات مبهرة. وغزوة أحد لم تكن معركة في الميدان وحده إنما كانت معركة كذلك في الضمير، كانت معركة ميدانها أوسع الميادين لأن ميدان القتال فيها لم يكن إلا جانبا واحدا من ميدانها الهائل الذي دارت فيه: ميدان النفس البشرية وتصوراتها ومشاعرها وأطماعها وشهواتها ودوافعها وكوابحها وكان القرآن هناك يعالج هذه النفس بألطف وأعمق وبأفعل وأشمل ما يعالج المحاربون أقرانهم في النِزال.

 

ثم يمضي السياق بعد الحديث عن غزوة أحد إلى ختام السورة فإذا هو تلخيص لموضوعاتها الأساسية يبدأ بإشارة موحية إلى دلالة هذا الكون وإيحاءاته للقلوب المؤمنة ويأخذ في دعاء رخّي نديّ من هذه القلوب على مشهد الآيات في كتاب الكون المفتوح وهذا الموضوع فيه إشارة إلى التوحيد الذي مضى الحديث عنه طويلا في السورة الكريمة ولكنه يعرض هنا في صورة مختلفة. ثم يذكر أهل الكتاب الذين استغرق الحديث عنهم أكثر من نصف السورة ليقول للمسلمين: إن الحق الذي بأيديكم لا يجحده أهل الكتاب كلهم فإن منهم من يؤمن به ويشهد بأحقيته (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً). ثم ينادي سياق السورة المؤمنين يوصيهم بالصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى فالمنهج الذي علمهم إياه في هذه السورة الكريمة يحتاج إلى ذلك كله فالطريق طويل والتكاليف مستمرة فلا بد من الصبر والمصابرة والتقوى فهذا طريق الفلاح والفوز برضوان الله تعالى. وتُختم سورة آل عمران بهذه الوصية بعد أن خاضت معركة السنان واللسان وأدت مهمتها الموكولة إليها ويبقى درسها الكبير درس التوحيد متجددا لكل من ينال شرف تلاوتها. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل