بلاغة آية وحديث - الحلقة السادسة عشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 16

الآية في هذا اليوم من سورة سبأ وهي قوله سبحانه وتعالى (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴿١٣﴾ سبأ)

الشكر هو تصور النعمة وإظهارها كما يقول علماؤونا الأجلاء، ومن الجميل في لفظ الشكر أنه مقلوب عن الكشر، شَكَرَ أصلها كَشَر مقلوبة عنها، والكشر هو الإظهار يضاده الكفر بمعنى أن الشكر والكشر يضاد الكفر، الكفر نسيان النعمة وسترها وجحودها وأما الشكر فهذا هو الامتلاء بذكر المنعِم سبحانه وتعالى وهذا الشكر يأتي على ثلاثة أضرب كما ذكر ذلك أهل العلم:

الشكر عن طريق القلب والشكر عن طريق اللسان والشكر عن طريق سائر الجوارح. أما شكر القلب فهو تصور النعمة شهودًا ومحبة بمعنى أن يتصور الإنسان النعمة ويستشعرها ويحضرها في قلبه ويحبها ويحب من أنعم بها، وهذا ذكر القلب. وأما شكر اللسان هو الثناء على المنعِم جل جلال الله، الحمد لله أو شكر الناس والثناء عليهم ممن أسدوا إلينا معروفًا وأعطونا نعمة فهذا أيضًأ من شكر اللسان. أما شكر سائر الجوارح فهي الانقياد والطاعة لأن الإنسان إذا كان ذا فضل عليك فإن شكره أن تنقاد له وتطيعه ولله المثل الأعلى فإن شكر الله جل جلال الله يكون بالانقياد له والطاعة.

الشكر هو منزلة عالية من أعلى المنازل وهو أعلى من منزلة الرضى لأن في الشكر رضى وزيادة ولذلك الرضى يدخل في الشكر وليس العكس ويستحيل أن يوجد شكر بدون رضى ولذلك جاء أنه نصف الإيمان: الشكر هو نصف الإيمان. وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالشكر، والشكر كما تشير إحدى الباحثات الكريمة الأستاذة ليلى أبو شقاف في رسالة لها علمية جميلة عن الفعل عمل والفعل فعل في القرآن الكريم تطرقت إلى مثل هذه الآية ووقفت عنها وقفات بلاغية جميلة، تقول الأستاذة ليلى أبو شقف: إن الشكر مبني على خمس قواعد: خضوع الشاكر للمشكور وحبه له واعترافه بنعمته وثناؤه عليه بها وأن لا يستعملها فيما يكره وتنسب ذلك إلى العلماء الأجلاء الذين ذكروا هذا الأمر. ثم تقف الأستاذة الكريمة مع قول الله (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا) لم يقل الله تعالى اشكروا، وإنما قال (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا) وهذا فيه بلاغة قرآنية عجيبة حيث الفرق الكبير بين قولك اشكروا وبين قول الله اعملوا آل داوود شكرا فعمل الشكر في الآية الكريمة التزامنا بالأنواع الثلاثة شكر القلب وشكر اللسان وشكر سائر الجوارح وهذا لا يتم لو قيل (اشكروا) من غير ما يقول (اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا).

ومن بلاغة هذه الآية الكريمة أن الشكر قد قرن بالعمل (اعملوا شكرا) في موضع عظيم يتحدث عن الامتنان والإنعام فالمؤمن الحق لا يلهيه بريق الحياة ولا زخرفها ولا تشغله زينتها عن شكر الله سبحانه وتعالى ولا يكون كمن قال فيهم (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾ العلق) المؤمن الذي يتمثل الأنبياء الصالحين عليهم الصلاة والسلام الذين قال الله عنهم: (فبهداهم اقتده) هؤلاء الأنبياء هم الذين يعملون شكرا ولذلك حتى لو جاءتهم الدنيا وصار عندهم من يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات كل هذه النعم لم تشغله عن شكر الله بل عمل على الشكر عملا عظيما حتى شكر الله بقلبه ولسانه بسائر جوارحه جعلنا الله وإياكم من الشاكرين وبلّغنا ووالدينا منزلة الشاكرين المثنين على الله بالنعم.

بلاغة حديث

استكمال لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، قال فيهم: "ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". وهذا الحديث بهذا الترتيب يدل في دلالة عظيمة جليلة على حرف العطف الفاء، قوله صلى الله عليه وسلم  (فأخفاها) الله تعالى يقول (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [البقرة: 271] إذن إخفاء الصدقة خير وأمرها عظيم، هذا الرجل لم يخفي الصدقة فحسب وإنما سارع في الإخفاء حتى قال عليه الصلاة والسلام (فأخفاها)، تصدّق فأخفى مباشرة، وحرف العطف الفاء يدل على التعقيب والسرعة في هذا الأمر بأنه أخفاها ولم يتباطأ ولم يظهرها عند بعض الناس ويتفاخر ويتباهى ثم أخفاها بل أخفاها مباشرة بدليل حرف العطف الذي يدل على التعقيب.

مما يحسن هنا أن التعقيب والإخفاء لا يعني أنه لا يعلم بها أحد أبدًا، بدليل أن الإنسان قد يتصدق بصدقات كبيرة لا بد أن تمر على مدير مكتبه مثلا وعلى سكرتيره  أو أهل بيته أو يوصي أولاده أن يُخرجوا الصدقة وهي خفية فالخفاء لا يعني أن لا يعلم به أحد أبدا، لا يعني ذلك، لكنه ليس من المحبب إليه أن يشهر وينشر الكلام عند من له فائدة بمعرفته ولا فائدة من ذلك.

ذكر بعض العلماء عن خاصية الفاء أنها تختلف باختلاف الأوضاع، تقول: رجل تصدق فأخفى يعني أنه لم يظهرها لكن ليس شرطا أنه أخفاها بالثانية، بالدقيقة، وإنما قد يخفيها فيما بعد كقولك: تزوج فلان فولِد له، الزواج والولادة بينهما على الأقل ما يقارب تسعة أشهر، فولِد له يعني مباشرة بعد الزواج لا يعني أنه في أول ليلة أو يوم أو شهر ولد له، هذا معروف في اللغة. إذن فأخفاها تفيد هذه الفائدة الجميلة.

 قوله صلى الله عليه وسلم "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" قال العلماء أن حتى في اللغة العربية تعني التعليل فكأنه قال: إن إخفاء الصدقة حتى لا تعلم الشمال ما أنفقت اليمين. وهنا فائدة جميلة كيف نعرف حتى التي للتعليل؟ قالوا تحذفها وتأتي بمحلها (كي)، قوله: فأنفق فأخفاها كي لا تعلم شماله ما تنفق يمينه. وللحديث صلة إن شاء الله.




التعليقات

  1. مريم بنت علي الناجي علق :

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    سبحان الملك !!!ما أبدع الخطاب ا
    لقرآني وما أبلغه!
    وما أكثر أسرار اللغة العربية وأجماها

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل