بلاغة آية وحديث - الحلقة الخامسة عشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 15

في هذه الحلقة سيكون الحديث عن الآيتين السابقتين حديثًا عامًا دون الدخول في في كلمة معينة، حديث عام عن ظاهرة الجمع واستكمال الحديث حولها. آية النحل في عمومها فيها حشد هائل عن دلالات الجمع وهذا يدلنا تربويًا نحن قرّاء القرآن الكريم المتأثرين به، الذين يتخذونه منهجًا ودستورًا لهم يدلنا على أهمية العمل الجماعي. إذا كانت النحلة أوحى الله لها أن تتخذ البيوت جماعة وأن تتخذ من الشجر ومن الجبال ومما يعرش الناس وأن يكون لها يعسوب ذكر مبكّر كما قيل "بكّر بكور اليعسوب" كما ورد في الأمثال، تبكّر في خروجها، تستجيب لأميرها، تذهب معًا، تعود معًا، تعمل بيوتها بطريقة فنية، تستخرج أكلها معًا، تحمل أميرها على أكفّ الراحة في جوّها في هوائها تحمله لأنها قائدها يتحمل عنها الشيء الكثير وهي تحمله. هذه الصور التربوية العظيمة في آية النحل تجعلنا نحن النشر بعد التأمل والتدبر فيها نحذو هذا الحذو ونماثلها في اتخاذ العمل الجماعي لنا منهجًأ ودستورًأ، لا ينفرد الإنسان بنفسه في عمل خاص دون أن يستشير غيره، دون أن يراعي الآخرين وكما يقال في الأمثال الدارجة بيننا: لست وحدك، أنت لست وحدك، لست وحدك في الطريق العام فلا بد أن يراعي مصلحته ومصلحة الآخرين، لا بد أن يهتم بما يلقي في الأرض أن لا يلقيه فيؤذي غيره، لا بد أن يهتم بالإشارات المرورية بالتنظيم الجميل للشارع، لا بد أن يحترم النظام في احترام المكان الذي احتله الشخص عن قطع تذكرة طيران، عند حجز فندق، عند سفر، أيّ أمر كان، نحن جماعة، المجتمع الإنساني كله مجتمع جماعي ثم المجتمع الأخص العربي، المجتمع المسلم، الدولة الواحدة، الوطن، المدينة، القرية، البيت، المدرسة، كل هذا لو سرنا على روح الجماعة لكنّا ممن استفاد من هدي القرآن الكريم في آيتي النحل حتى نستطيع أن نبني حياتنا كما بنت النحلة بيتها نستطيع أن نأكل طيبًا كما أكلت النحلة الطيب، نستطيع أن نُخرج للناس من عندنا من علم طيب وقول بديع كما أخرجت النحلة لنا العسل، كل هذا ممكن أن نراه من الدلالات الكاملة للعمل الجماعي الذي أرشدنا الله إليه في مملكة النحل، هذه المملكة العظيمة التي أُلّف فيها كتب كثيرة من ضمنها كتاب جميل بعنوان: نحل العسل المعجزة. وأنا أوصي في هذه الحلقة أن يقرأ من يستطيع القرآءة كتبًا عن العسل والنحل في تركيبها في تكوينها في خدمة بعضها بعضًا، في التنظيم والترتيب والبعد كل البعد عن روح الأنانية، النحل ليس أنانيا أبًأ وإنما كل واحد منهم يعرف عمله فياحبذا لو كنا نحن بهذه الصفة الجميلة!.

بلاغة حديث

نستكمل قول الرجل العظيم الذي استحق ظل العرش: إني أخاف الله. قال الرجل (أخاف) وأخاف هذا فعل مضارع في اللغة العربية والفعل المضارع يدل على الاستمرار واستحضار الصورة الماضية، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني خفت الله"، قال إني أخاف، يا أيتها المرأة التي تريدين مني الفتنة وتدعيني إلى الفتنة إني أنا الآن أخاف، أنا الآن متلس بالخوف من الله جل جلال الله وهذا التعبير لا يمكن أن ينطقه إلا من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم بهذا الاستحضار الجميل حيث بيّن أن فيه ما فيه من تخويف المرأة، إن كنت تدعينني إلى الفتنة فإنني أخاف الله ربي وربك وهنا فيه من الاستشعار الخوف دون ادّعاء أيّ أمر آخر: أنا أخاف الله، أنا لست خائفًا منك ولست ضعيفًا جنسيًا ولا غير مقتدر ماليا ولا خائفًا من بشر يرونني، كل دواعي الفتنة في هذا الرجل ولكنه قال: المانع الوحيد أنني أخاف الله والله يقول في كتابه العزيز (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ الرحمن) ولذلك يُذكر عن أحد الخلفاء أظنه أبا جعفر المنصور أنه قال إن لم أكن في الجنة ففلان طالق (يقصد زوجته المحببة إليه) واستدعى الفقهاء كلهم وقال: ابحثوا لي في المخرج كيف أضمن أنني في الجنة أو تطلب زوجتي الطلاق، قالوا لا نعرف، دُعي من العلماء من هنا وهناك حتى قيل للإمام مالك تعال إن الخليفة يريدك، فقال الإمام مالك لما سمع سؤاله قال أخرِج من عندك من العلماء فلما أخرجهم قال له: تعاهدني الله أن لا تكذبني؟ قال نعم، أعاهدك، وقال: وأن لا تعود لمثل هذه الأنذار واليمين المغلّظ؟ قال نعم، قال أسألك بالله الذي لا إله إلا هو هل تخاف ربك يا أمير المؤمني؟ قال إي والله إن أخاف الله، قال إذن امرأته لا تطلق لأن الله تعالى يقول (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴿٤٦﴾ الرحمن) فلك جنتان وليست جنة واحدة ولذلك أنت من أهل الجنة وامرأتك لا تطلق على هذه الفتوى لكن لا تعد لمثل هذه الأنذار القوية.

عودًا على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم قال العلماء: لماذا مادة الخوف؟ لماذا ما قال الرجل إني أخشى الله أو إني أحب الله؟ أو إني أرهب الله؟  هذا التساؤل يقودنا أن نسأل عن مادة خوف الخاء والواو والفاء، الخوف من الله سبحانه وتعالى لا يراد به الرعب الذي يحصل بطبيعة الأمر المخوف كأن تقول مثلًا: فلان يخاف من الأسد وإنما يراد به أنه يستشعر خوفًا من الأسد فإذا ذهب عنه ذهب الخوف أما الذي يتعامل مع الله فإن خوفه من الله ليس كخوف الخائف من الأسد لأن ذاك رعب يزول بزوال الأسد مثلًأ أما الخوف المراد – كما قال علماؤنا الأجلاء ومنهم الراغب الأصفهاني – الخوف المراد هنا هو الخوف الذي يكف عن المعاصي ويحيل الإنسان إلى الطاعات، ولذلك قالوا لا يُعدّ خائفًا من لم يكن للذنوب تاركًا. فالرجل الذي قال إني أخاف الله، قاده ذلك إلى الكفّ عن المعصية فكونه خائفا امتنع عن الذنب ولو لم يمتنع ما كان خائفًا لهذا المعنى خاصة مع تأتي أسباب المعصية من قبل المرأة التي دعته وزوال موانعها.

 قال العلماء لماذا قال الرجل: إني أخاف الله بلفظ هذا الاسم الشريف (الله) سبحانه وتعالى؟ لم عبّر الرجل بهذا الاسم الشريف تحديدًا ولم يقل أخاف القوي أو أخاف الجبار أو أخاف الرحيم أو أخاف الرحيم؟ لماذا قال تحديدًا: إني أخاف الله؟ التعبير بالاسم الجليل الشريف (الله) له إيحاءاته ودلالاته الخاصة، حيث إن الله تعالى هو الأهل أن يُخاف وهو الأهل أن يُذهب إليه وهو الأهل أن يُفرّ منه إليه وهو الأهل أن يُرهب سبحانه وتعالى وهو الأهل أن يُخشى والتعبير بهذا اللفظ (الله) التعبير بهذا الاسم الشريف يغني عن أيّ اسم آخر فمن قال (الله) شمل لفظ (الله) كل اسم غيره ولم يكن الاسم الآخر يشمل هذا اللفظ ولذلك قيل: أعرف المعارف لفظ الجلالة (الله) واسم الجلالة هو أعرف المعارف حقيقة وواقعًا فأيّ بشر تخاطبه باللغة العربية أو بأي لغة أخرى ينطقها ويعرفها إذا قلت له (الله) فأنت تعرف أنه يقصد الله الرحيم الكريم الغفور الحنان المنان الرزاق القوي المقتدر لكن لو أخذت كل اسم من هذه الأسماء وحده لم يعبّر به عن بقية الأسماء ولذلك كانت بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عندما قال الرجل (إني أخاف الله) أي أخاف الملك القدوس المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، أخاف كل هذه الصفات من أسماء الله سبحانه وتعالى لأني نطقت (الله) فكان جزاؤه ظل عرش الله جعلنا الله وإياكم ووالدينا من أصحاب هذا الفضل.




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل