بلاغة آية وحديث - الحلقة الرابعة عشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 14

نتدارس آية النحل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) إلى قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

ختمت الآية بهذا الختام الجميل العظيم وهو ما يعبّر عنه العلماء بقولهم "حسن الختام" حسن الختام جاء في قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) لماذا اختيرت مادة التفكّر بالذات؟ لِمَ لم يقل يعقلون، يؤمنون، يخافون، يرهبون أو نحوها من الألفاظ؟ لماذا اختير لفظ التفكر تحديدا (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)؟ التفكر هو قوة في العقل تدعو إلى التأمل والنظر والسباحة في ملكوت الله سبحانه وتعالى وهو جولان تلك القدرة في العقل هذا الجولان هو الذي تسميه اللغة التفكر. والعجيب أن التفكر من خصائص الإنسان دون الحيوان كما يقول ذلك الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى.

هنا تناسب بديع بين حسن الاستهلال في أول الآية وحسن الختام في آخر الآية. أول الآية (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) يذكر الله تعالى حشدًا كبيرًا ضخمًا من الأمور المعجزة المهولة في النحل والإيحاء إليها والإلهام والبحث عن المعيشة والطيران والعودة وبناء الخلية والتنظيم الداخلي للمجتمع المدني في مملكة النحل ولذلك هذا المطلع وما فيه ناسبه الختام عندما قال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) إذن التفكر مناسب لسياق الآية أيّما مناسبة!!.

يزيد العلماء رحمهم الله وقفة بلاغية عند قوله تعالى (يتفكرون) بصيغة الفعل المضارع، ما قال لقوم متفكرين وما قال لقوم تفكروا وإنما قال سبحانه وتعالى ومن أصدق من الله قيلا (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) والفعل المضارع يدل في صيغته هذه على التجدد فكأنه والله أعلم أنا وأنت وهو إذا ما رأينا النحل تجدد معنى التفكر وكلما شربنا عسلًا تجدد معنى التفكر وكلما أكلنا أكلًا قد حُلّي بالعسل أخذنا بالتفكر من جديد: من أين جاء العسل؟ كيف صار؟ كيف استحال من رحيق إلة أمعاء هذه النحلة؟ ؟ كيف خرج من ريقها؟ كيف وصل إلينا؟ فالتفكر متجدد بصيغة (يتفكرون) وهذا من بلاغة القرآن العظيم الذي يدل في لفظه (يتفكرون) على التجدد والحدوث.

قال العلماء في قوله (قوم) (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) هؤلاء القوم الذين يتفكرون فيه إشارة إلى أن التفكر تفكر عن طريق ضمير الجمع، التفكر عن طريق المعامل، المختبرات، الدراسات، الأمور التجريبية، الاستبانات، الأخذ والعطاء، التساؤل، المشاورة، المحاورة، المحاضرة، الدورات التدريبية كل هذه الأمور يمكن أن تعمل شحذا قويا للتفكر لأن الله تعالى قال (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ولم يقل سبحانه لرجل يتفكر أو لامرأة تتفكر وإنما قال لقوم فكأنها إشارة من القرآن الكريم إلى أننا نُشغل مدارسنا، جامعاتنا، بيوتنا، مجالسنا بالتفكر بالسؤال، إذا أتت فاكهة معينة على المائدة نقول سبحان الله كيف وصلت هذه الفاكهة إلينا كيف خرجت؟ كيف سقيت؟ كيف رعيت؟ كيف حصدت؟ كيف غلّفت؟ إلى آخر الأسئلة التي فيها معنى التفكر الجمعي الذي يقود في النهاية أن نقول: الحمد لله وكما قال عليه الصلاة والسلام: والحمد لله تملأ الميزان. إذن لفظ (قوم) يدل على أن التفكر تفكر جماعي يناسب أن نعمل له بتطورنا العلمي، بتقنياتنا الحديثة، بمصانعنا، حتى نتفكر أكثر حول هذه المسألة.

والعجيب أن آية النحل حُشدت بألفاظ كثيرة تدل على الجمع منها قوله تعالى (لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) ومنها قوله تعالى (ثم كلي من كل) الكلّية (كل) تدل على الجمع، ومنها قوله (الناس) عندما قال (فيه شفاء للناس) ومنها اسم الجنس الجمعي في قوله (النحل) وقوله (الجبال) و (الشجر) أو مما خُتم بالألف والتاء كقوله (الثمرات) وقوله تعالى (يتفكرون) ما ختم بالواو والنون، إذن الآية مليئة بالظاهرة الجمعية وكأن آية النحل مدعاةٌ لنا جميعًا أن نكوّن مثل خلاياها التي تعمل لاستخراج العسل أن نكوّن خلايا فكرية تتفكر في هذا الأمر الطالب يسأل أستاذه والأستاذ يجيب، الأستاذ يكلّف طلابه ببحث تجريبي يدعو إلى التأمل في هذه الآية العجيبة وبها نختم الحديث عن آيتي النحل كاملة بتوفيق الله تعالى حتى نكون في الحلقة القادمة مع آية أخرى.

بلاغة حديث

نكمل الحديث عن ذلكم الرجل العظيم الذي قال: إني أخاف الله. لما دعته المرأة قال عليه الصلاة والسلام فيما يذكر من ألفاظه النبوية الراقية البليغة قال: "دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله" (فقال) هنا العلماء تأملوا حتى في حرف العطف (الفاء) لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: دعته امرأة ذات منصب وجمال ثم قال إني أخاف الله، وهذا فرق كبير بين أن يقول الرجل (فقال إني أخاف الله) وبين (ثم إني أخاف الله) لأن الفاء كما يقول العلماء تدل الترتيب والفورية وأما (ثم) تدل على الترتيب والتراخي. لو قال (ثم) ذهبت بلاغة هذا الحديث بمعنى أنه قد يكون افتتن ثم قال إني أخاف الله، لكن هذا الرجل الذي الذي استحق ظل عرش الله سبحانه وتعالى مجرد أن دعته المرأة مباشرة قال: إني أخاف الله.

 

ذكر العلماء رحمهم الله أن في قوله صلى الله عليه وسلم: "فقال إني أخاف الله" ذكروا أن فيها عدة مؤكدات منها التوكيد بـ (إنّ) فرقٌ أن تقول فلان كريم وأن تقول إنّ فلان كريم، (إنّ) في اللغة العربية تزيد الأمر توكيدًا ولذلك لما قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الرجل "إني أخاف الله" وكأنه يرسل رسائل مباشرة وغير مباشرة بإيحاء وبتوجيه سريع: يا أيتها المرأة أنا لي ربّ وأنا أخاف الله بل إني أؤكد لك إني أخاف الله فقال (إني أخاف الله)، وهنا جرت عادة الناس إذا أرادوا توكيدًا معينًا أن يضيفوا إليه (إنّ) في صدر الكلام حتى يكون الكلام أبلغ في التوكيد. هذا الرجل العجيب عندما قال "إني أخاف الله" جاءه من خافه وأمّنه يوم الخوف الشديد فقال: هذا العبد في ظل العرش.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل