مع القرآن - تدبر المسلم لقصص القرآن

مع القرآن

ضمن برنامج الرسالة اليوم برعاية جمعية تبيان

د. العباس الحازمي

تدبر المسلم لقصص القرآن

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴿٣﴾ يوسف)

سبب اختيار الحديث عن هذا الموضوع في هذه الحلقة أننا كنا بدأنا في الحلقات السابقة من (مع القرآن) في الحديث عن بعض القصص في القرآن في سورة الكهف وسورة مريم وسنستكمل إن شاء الله بعد ذلك بقية القصص في النصف الثاني من القرآن الكريم. والقصص القرآني يمثل ما نسبته 25% من آيات القرآن الكريم وهي نسبة عالية جدًا. فالمسلم الذي يقرأ القرآن الكريم بحاجة شديدة لأن يتعلم كيف يتدبر هذه القصص ولا يتلوها مجرد تلاوة وإنما يتفهم معناها ويتعقل أسرارها ويتدبر مراميها.

نتحدث عن هذا الموضوع بشكل إجمالي ليكون المستمع على دراية كافية بكيفية تدبر قصص القرآن الكريم الذي يمثل نسبة كبيرة من آيات القرآن الكريم.

القصص التي وردت في القرآن الكريم سواء قصص الأمم السابقة أو الأنبياء السابقين أو الحوادث التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فهي الأخبار والحوادث التي سيقت لنا في كتاب الله، هذا معنى قصص القرآن. وأصل معناه من تتبع الأثر فالذي يخبر بالقصة يحاول أن يأتي على جميع جوانبها ويتحدث عن جميع أطرافها فكأنه تتبع أطراف القصة شيئا فشيئًا حتى جمع أخبارهم جميعا.

موضوعات القصص القرآني

1.      أبرز موضوعات قصص القرآن هي أنها تتكلم عن الأنبياء السابقين وهذا الجزء المهم من القصص القرآني أن فيه نسبة كبيرة من قصص القرآن الكريم تتحدث عن قصص الأنبياء السابقين وفصلت كثيرا من أحوالهم مع أممهم وأقوامهم وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.

2.      من موضوعات القصص القرآني لأمم سابقة وأقوام وأشخاص لم تثبت نبوتهم

3.      والموضوع الثالث القصص التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم خاض مجموعة من الغزوات والمعارك سُطّرت أغلب هذه الغزوات ووقائعها ونتائجها وآثراها في كتاب الله عز وجلّ فإن الله عز وجلّ أخبرنا في سورة آل عمران عن غزوة أُحد وفي سورة الأنفال عن غزوة بدر وفي سورة الأحزاب غزوة الخندق وفي سورة الفتح صلح الحديبية، الأحداث التي كانت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والقضايا التي عايشها صلى الله عليه وسلم مسطرة موجودة في القرآن يقرؤها الناس على مر الأجيال.

وأنواع القصص القرآني تنبثق من هذه الموضوعات، فإن العلماء الذين كتبوا عن قصص القرآن الكريم قسموه إلى أنواع ثلاثة بحسب الموضوعات التي أشرنا إليها :

قصص الأنبياء السابقين وتميزت بأن حدوث التكرار فيها والتعدد ظاهر ولا تتكرر قصص الحوادث الغابرة ولا الأمم السابقة غير الأنبياء ولا أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته، فإن القصص التي تتكرر في القرآن هي قصص الأنبياء وهذا له حكمة.

النوع الثاني قصص أشخاص وأمم غابرة تحدث عنها القرآن الكريم وهذه لا تتكرر وإنما ذكرت مرة واحدة مثل قصة أهل الكهف وقصة ذي القرنين وقصة لقمان.

النوع الثالث هو الحوادث التي وقعت زمن النبي صلى الله عليه وسلم سواء وقعت له هو صلى الله عليه وسلم أو لبعض أصحابه يمكن أن تذكر قصة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم طرفا مباشرا فيها وإنما وقعت في زمنه ثم أُخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم من خلال القرآن كما حصل لبعض المنافقين

مميزات وصفات وأساليب القصص القرآني

العلماء الذين ألفوا في قصص القرآن يجيبون على هذا السؤال تحت ما يسمى خصائص ومميزات القصص القرآني على وجه العموم ولكن إذا استعرضنا هذه المميزات والخصائص نجد أن هذه الميزة موجودة في النوع الفلاني وهذه الخاصية موجودة في النوع الفلاني

من خصائص قصص القرآن الكريم أنها ربانية المصدر فالذي أخبرنا بهذه القصص وحدثنا عنها وفصّلها لنا هو الله عز وجلّ الذي خلق هذا الكون ودبره وهو العالم بتفاصيله ودقائقه. فالعلماء الذين كتبوا في التاريخ يصلون إلى نقطة متقدمة في التاريخ لا يستطيعون تجاوزها، هذا علم البشر ولكن الله عز وجلّ عندما قصّ علينا في القرآن أخبرنا بما وقع بين الملائكة وأخبرنا بقصة خلق آدم وهذه قصص خارجة عن إدراك البشر وإنما حدثنا عنها في القرآن لأن هذا القرآن منزل من عند الله عز وجلّ ولذلك أيّ مشكك في قصص القرآن ينبغي أن يواجه بهذه الحقيقة وأن هذه القصص ربانية المصدر وأنه لا يحق له أن يقف تجاها ذلك الموقف.

مطابقة الواقع والصدق: فإن بعض من كتب من المتأخرين وخاصة من اهتم بالرواية والقصص ظن أن قصص القرآن مثل ما يضنعه بعض الأدباء لقصور علمهم ونقص قوتهم يملأون بعض الفراغات التي لا يستطيعون معرفة حقائقها بخيالهم ولكن القرآن لا يوجد فيه هذا الشيء القصة مكتملة من ناحية الصدق والواقع لأن الذي يخبرنا بها ويقصها عليها هو الله عز وجلّ العليم الحكيم. ومن هنا دخل على بعض أصحاب الشُبه من جهلهم بهذه الحقيقة زعموا أن بعض القصص الواردة في القرآن من الخيال.

من خصائص القصص القرآني أن إيرادها وورودها إنما هو للعظة والعبرة. يمكن أن نقرأ قصة للتسلية ولإمضاء الوقت ولكن القصص القرآني من خصائصه أن فيه عظة وعبرة ولهذا ختمت سورة يوسف (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿١١١﴾ يوسف)

فالقصص القرآني إنما نزل للعظة والعبرة وإنما يتلى للعظة والعبرة. وهناك حكمة عظيمة هي في الفوائد ولكنها من الخصائص أيضًا الله عز وجلّ يقول (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: 143] في سورة البقرة، النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبو سعيد الخدري فسّر لنا هذه الآية: "يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت؟ فيقول نعم فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم؟ فيقولون ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد فيقال لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته قال: فذلك قوله "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" قال والوسط العدل فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم" رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه. من العدل الإلهي أن الله عز وجلّ يسأل القوم إن كان نوح قد بلّغهم، نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما قال قومه: ما بلّإنا، ما رأيناه إلا ساعة! هكذا يقولون في هذا الموقف. الله تعالى يخاطب نوحا ويدعو كل الرسل كل رسول على حدة فيسأله هل معك من يشهد؟ والله عز وجلّ يعلم أن الرسول بلّغ قومه ولكن العدل الإلهي بإقامة الحجة عليهم. يقول نوح أن أمة محمد تشهد له يوم القيامة، يخاطبهم الله عز وجلّ هل حضرتم هذه الواقعة؟ فيقولون لا يا رب ولكنك أرسلت إلينا رسولا وأنزلت علينا كتابا وأخبرتنا فيه أن نوحا قال لقومه كذا وكذا وأنهم قالوا كذا وكذا فتقبل شهادتهم وفي بعض روايات الحديث: فيتمنى كل أحد من الأمم الأخرى لما يشهد هذا الموقف يتمنى أنه كان من هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. فهل بعد هذا نقرأ قصص الأنبياء قرآءة عادية أم نقرؤها بتأمل وبتدبر وبتلهف لمعرفة التفاصيل الدقيقة الموجودة بهذه القصة لأننا سندلي بهذه التفاصيل يوم القيامة. اليوم بعض شبابنا إلا من رحم ربي لما تسأله لمن أُرسل هود عليه السلام؟ لا يعرف فهل هؤلاء يستعدون لهذه الشهادة؟

من خصائص القصص القرآني: الإعجاز فإن هذا القصص القرآني فيه إعجاز لأن الذي يقص علينا هذه القصص هو الذي أحاط بكل شيء علمًا أما قصص المخلوقين وروايات المخلوقين يعتريها النقص والخلل وغيرها من العيوب.

من خصائص القصص القرآني الخلو عن التفاصيل. نجد القصص القرآني في الغالب لا يوجد فيه أسماء الأشخاص إلا نادرا ولا يوجد فيه أسماء الأماكن لأنه لا يترتب عليها كبير فائدة، ينشغل القارئ بهمثلا الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لا داعي لذكر اسمه، الفائدة أنه جاء يسعى كأنما يجري لاهتمامه بهذا الأمر أما كونه فلان من القبيلة الفلانية لا يترتب عليه فائدة وهذا فيه فائدة لنا في أحاديثنا، انظر إلى أحاديث الناس وفي رسائلهم عبر وسائل التواصل تحتوي كثيرا من التفاصيل تقرأ في صفحة تبحث عن فائدة فتجد الكلام مليء بالتفاصيل التي لا فائدة منها أما القصص القرآني فلا يذكر إلا ما يتعلق به الفائدة.

من خصائص القصص القرآني التعقيب على القصص القرآني بما يغرس القيم فلا تكاد تجد قصة في القرآن إلا ويذكر بعدها تعليق تلخيص لما ذكر فيها من قصص. قصة يوسف عليه السلام وهي أطول قصة وردت في القرآن في سورة يوسف داء التعقيب عليها بعد تلك المعاناة وذلك الترحال والظروف الصعبة التي مرت بيوسف وإخوته هل نسب يوسف عليه السلام ذلك الأمر إلى أحد غير الله؟ قال (رب قد آتيتني من الملك   ). بعد كل قصة قرآنية تجد تعقيبا يغرس في نفوس المسلمين تلك القيم العالية الرفيعة التي يريد الله عز وجلّ أن نتخلق بها ونتعامل بها.

من خصائص القصص القرآني خلوّه مما يخدش الحياء والذوق. قصة يوسف عليه السلام في ذلك المشهد الذي برأ الله يوسف منه ونجّاه منه غاية في الذوق والنقاء نقرأ العبارة في القرآن ثم نستحضر ما يكتبه كثيرون في هذه القصة نجد أن الله حييّ يُكنّي يذكر العبارات المناسبة حتى لا يخدش الحياء والذوق.

الحوادث التي جاءت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا تتكرر مثل قصته مع زوجاته في سورة التحريم، قصته مع أبي بكر في سورة التوبة، غزوة بدر، أما قصة موسى عليه السلام تجدها في عشرات المواضع، قصة إبراهيم عليه السلام تجدها في مواضع كثيرة، قصة صالح. قصص الأنبياء منها ما تكرر ومنها ما لم يتكرر مثل قصة يوسف عليه السلام.

هل للقصص القرآني أسباب نزول؟

كتب أسباب النزول لا تذكر حوادث معينة نزل من أجلها قصة من قصص الأنبياء ولكن تذكر ظروفًا معينة من أجلها نزلت قصص الأنبياء نجد أن كل قصص الأنبياء نزل في المرحلة المكية نزلت في ظرف عصيب بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان يدعو قومه في مكة ويجابه بالإنكار والتكذيب والمعارضة فكانت تنزل عليه هذه القصص للتسرية عنه ومعنى التسرية أن تكذيب هؤلاء القوم لك ليس لتقصير منك أنت لم تقع في التقصير لأن الأنبياء قبلك بلغوا أقوامهم مثل ما بلّغت وكذّبوهم فالعلّة في وقوع هذا التكذيب هو أولئك الأوقام وليس فيك أنت. لا ينبغي أن نفهم من التسلية أنه صلى الله عليه وسلم أو كل من يقرأ قصص الأنبياء يتسلى ويُسرّ أن قوم نوح كذبوا هل هذا يسرّ؟ هل يسرّ أحد أن قوم صالح عقروا الناقة؟ّ التسلية معناها أن  التكذيب ليس ناتجًا من أولئك الأنبياء، والتعبير القرآني هو التثبيت وهذا من أهم فوائد القصص القرآني (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [الفرقان: 32] والتثبيت أيضًا للمؤمنين ولكل من يقرأ هذا القرآن إلى آخر الزمان، كل من يعاني صدودا حتى من أولاده يدعوهم للصلاة ولا يجد استجابة فيتذكر أن نوحا كذّبه ولده ولوطًا كذبته امرأته بشرط أن لا يقع منه التقصير. البعض يفهم كلامنا خطأ فيقع في التقصير والتفريط والإهمال ويقول الهداية بيد الله، ولد نوح ما آمن والرسول صلى الله عليه وسلم ما هدى عمّه، لكن هذه العبارة خاطئة والمراد بعدما يستنفذ الإنسان كل جهد  ويبذل كل ما يستطيع يحق له أن يستدل بمثل هذا فإن لم يستنفذ جهده فليس له في هذه القصص أيّ حجة ولا أيّ دليل.

ما هي الطريقة لاكتشاف أسرار هذه القصص؟ هل يتجه القارئ لكتب النفاسير؟

يمكن ذلك ولكن أنصح القارئ إذا قرأ قصة نوح وأول ورود لها في قصة الأعراف واحتاج إلى شيء من التفاصيل فليتجاوز إلى سورة هود فإذا احتاج إلى شيء من التفاصيل فليتجاوز إلى سورة الشعراء لأن القرآن يفسر بعضه بعضا فإذا أراد أن يعرف السبب في عدم إيمان قومه فليذهب إلى سورة نوح فإن عجز أن يفهم من ذلك شيئا فليذهب إلى كتب التفاسير وليبدأ بتفسير ابن كثير وليحذر من الإسرائيليات في بعض الكتب ولكن الأصل أن يبدأ بالقرآن يقرأ القصة في مواضعها جميعا فسوف يفتح عليه ما لا يجده في كتب التفاسير ولكننا نستعجل ولا نقرأ من القرآن إلا يسيرا!

بعض الفوائد من قصص القرآن الكريم:

الفوائد كثيرة جدًا وهي تتداخل مع الخصائص، يسميها بعض الناس فوائد ويسميها البعض حكَمًا فلا مشاحة في الإصطلاح.

من الفوائد تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وقلوب أمته من بعده (وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود) فإن هذا التثبيت من أهم فوائد القصص القرآني بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم وبالنسبة للمؤمنين من بعده.

عندما يُطلع الله عز وجلّ نبيه صلى الله عليه وسلم على ما جرى للأنبياء من قبله فإنه بذلك يتجدد نشاطه صلى الله عليه وسلم ويتجدد عزمه فيصبر كما قال الله عز وجلّ (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35]

من الفوائد إيضاح أسس الدعوة إلى الله عز وجلّ وأن الأنبياء جميعا مشتركون على هذه الأسس، الأنبياء دينهم واحد وأسس الدعوة مشتركة (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء) عندما يقرأ الإنسان هذه الحقيقة ويجزم أن أفواج الأنبياء والأنبياء السابقين اجتمعوا واتفقوا على هذه الحقيقة وهذه الدعوة هل يصيبه اليأس والقنوط وتصيبه الهزيمة النفسية عندما يرى جموع الكافرين والمشركين بالله عز وجل؟ أبدا. الذي يقرأ في صلاته في اليوم والليلة أكثر من سبعة عشرة مرة (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) هل يحق له أن يشعر بوحشة؟ هل يشعر أنه وحده في هذا الطريق؟ أبدا. وكذلك عندما يقرأ قصص الأنبياء العظماء المقربين الذين أوكل الله إليهم هذه الرسالة العظيمة ويجد أنهم اتفقوا على هذا الأصل هل يضره أن يكفر الشرق والغرب؟ أبدًا، الطريق الذي سلكه الأنبياء من قبل وأنه هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله عز وجلّ.

من الفوائد تأكيد صدق الأنبياء السابقين عليهم السلام وإشاعة ذكرهم في العالمين. وهذه الفائدة مما اختص الله عز وجلّ به هذه الأمة. الأمم السابقة لظرف التاريخ والطبيعة البشرية لا يستطيع الإنسان من سيأتي بعده من الأنبياء فيؤمن به لكن هذه الأمة العظيمة التي جعل الله عز وجلّ زمانها متأخرا ادّخر الله لها هذه الميزة العظيمة فإن المؤمن الحق في هذه الأمة يؤمن بالأنبياء جميعا ويحمل تجاههم كل المشاعر الحسنة وكل الإيمان العميق والتصديق الكامل وهذا يجعل هذا المؤمن في هذه الأمة على درجة عالية بخلاف من سبقه من الأمم.

من افوائد إظهار صدق النبي صلى الله عليه وسلم ورود هذه القصص سواء قصص الأنبياء أو قصص الأمم الغابرة ذو القرنين، أصحاب الكهف، أراد اليهود أن يعجزوا النبي صلى الله عليه وسلم وهذه القصص لا يعرفها إالبشر العاديون لا يعرفها إلا من عنده وحي، فلما جاء الوحي وأخبره بها كان ذلك فيه إظهارا لصدق النبي صلى الله عليه وسلم وعندما يخبر النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي لا يقرأ ولا يكتب بما حصل قبل آلآف السنين فإن هذا إظهار لصدقه صلى الله عليه وسلم، عندما يُخبر صلى الله عليه وسلم بأخبار الأنبياء أخبره الله عز وجلّ بها عن أحداث كثيرة في حياة الأنبياء يُخبر في الحج من هنا مرّ موسى عليه السلام (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٩﴾ هود) (وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) [القصص: 45] هذا فيه إظهار لصدق النبي صلى الله عليه وسلم حتى المشركين كانوا يستمعون للنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن وأخذوا تعهدا على أبي بكر أن لا يقرأ بصوت مرتفع لئلا يسمعه الناس فيتأثروا بقرآءته.

هل ورد في الكتب السابقة القصص التي وردت في القرآن؟

نعم، بعض القصص جاءت في الكتب السابقة وحتى المحرّفة واليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن بعضها وهذه الميزة لهذه الأمة أن بعض الأمم مذكور في كتبهم قصص الأنبياء السابقين ولكنهم لا يؤمنون بهم ويحملون تجاههم واللاحقين كل المعاني السلبية ويرون أنهم هم الأحق بهذه الرسالة وأنه لن تأتي بعدهم رسالة لكن هذه الأمة العظيمة هي التي تجمل تجاه الأنبياء السابقين كل المشاعر الجميلة.

من فوائد القصص أيضًا التهديد والوعيد للمشركين في كل زمان ومكان فإن تلك القصص فيها النهاية الأكيدة للمشركين والعقوبات التي تمت عليهم فعندما يقرأ القصص من كان واقعا في مثل ما وقعوا به يحذر. وفيها تبشير للمؤمنين (  حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) يوسف) فلما يقرأ هذه العاقبة الحميد، كل من أصابه التكذيب واجتمعت عليه الإيمان يقرأ أن العاقبة الحميدة للإيمان.

تعدد القصص القرآني فيه فائدة وهو ما يسمى عند أصحاب كتب علوم القرآن بتكرار القصص القرآني لكن لفظ التكرار يشعر منه أنه لغير فائدة أما التعدد فيشعر أن له فائدة. بعض قصص القرآن يتعدد وبعضها لا يتعدد وبعض قصص الأنبياء يتعدد وبعضها لا يتعدد ولا يذكر إلا مرة واحدة كما في قصة يوسف عليه السلام وقصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح في سورة الكهف والقصص القرآني الأمم الغابرة مثل قصة أصحاب الكهف وقصة لقمان وذو القرنين. بعض قصص الأنبياء تعددت أكثر من مرة مثل قصة موسى وإبراهيم ومن حكمة التعدد بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها فإن هذه القصص لا تذكر في الموضع الثاني بنفس الصياغة والتفاصيل وإنما لكل موضع تفاصيل بسبب محور السورة مثال قصة موسى من أكثر القصص التي تكررت ولكن جاءت في سورة يونس من جانب اللجوء والدعاء إلى الله تعالى وسورة يوسن سورة الدعاء (دعاء يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت) فلما كان يونس إذا ذكر ذكر الالتجاء جاءت في السورة ثلاث قصص: قصة موسى وفيها التجأوه مع هارون إلى الله عز وجلّ ثم جاء قصة نوح عليه السلام وهي متعددة ولكن أبرز فيها إلتجاؤه إلى الله عز وجلّ وقصة يونس ذكر فيها إلتجاؤه إلى الله عز وجلّ فالقصص القرآني تُذكر في كل سورة بحسب الهدف العام للسورة الذي جاء من أجلها.

 

التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل