بلاغة آية وحديث - الحلقة الثالثة عشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 13

ما زلنا في آيتين عظيمتين من آيات الكتاب العزيز (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾)

تساؤلت حول هذه الآية عن الجن والعسل هل إخواننا الجن يدخل الشفاء بالعسل لهم أم لا؟ والواقع أنني اجتهدت في هذا التساؤل أن أجد جوابًا حتى أنني بحثت في مجموعة من كتب التفاسير تزيد على مئة مصدر ولم أجد فيها جوابا لسؤالي وزدت في بحي في شروح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يقارب مائة مصدر أيضًا ولم أجد جوابًا لهذا السؤال ولكني أجد في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن طعام الجن يتمثل في العظم والروث كما ورد في ذلك الأحاديث الصحيحة "طعام الجن العظم والروث" إلا أنني لم أجد تحديدا هل يستفيدون من الشفاء بالعسل؟ أترك هذا تساؤلًا حتى يمكن أن يجيب عنه من يشاهد ويفيدنا بذلك إن شاء الله تعالى عبر أية طريقة للتواصل.

الآية الكريمة ختمت ختما بلاغيا عجيبا بقوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (ذلك) لما ذكر الله سبحانه وتعالى الشفاء عن طريق العسل واجتهاد النحل في استخراج العسل واجتهاد النحل في بناء الخلايا وسعي النحل وأكلها وامتثالها أمر ربها، كل هذه الأشياء لما ختمت الآية قال (إن في ذلك) فاسم الإشارة (ذلك) تدل على كل ما تقدم وهذه بلاغة عجيبة من بلاغة القرآن الكريم جلّ من أنزله سبحانه وتعالى، هذا اللفظ (ذلك) يغني الإنسان عن إعادة الكلام الكثير عندما تقول: حضر فلان وألقى خطبة وجلس مع الناس وافتتح الحفل ثم أُكرِم وتناولوا طعام العشاء معا وابتهج الناس مع الحضور، إن ذلك كله من دواعي سروري، فقولك (ذلك) يشمل كل ما ذكر الآن قبلا ويغني عن إعادته مرة أخرى ولذلك هذا من التعبير البديع جدًا في اسم الإشارة (ذلك) حتى يقول الرازي رحمه الله: إن الله خلق الأجزاء النافعة في الهواء ثم ألقاها على أطراف الأشجار والأوراق ثم ألهم النحل أن تذهب إليها وتجمعها بعد تفرّقها، إن هذا القادر على هذه الأمور كلها يدعوك أن تتفكر في هذه الآية التي حسن التعبير فيها باسم الإشارة ليشمل كل ما تقدم.

أما قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً) (لآية) هذه الكلمة الواردة بصيغة التنكير (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً) حتى ونحن نقرؤها نلمس فيها التعظيم وهذا يدل على ارتفاع شأن هذا الأمر وأنه أمر جلل، عظيم، كبير، هذا الأمر الذي ذُكر في الآيتين السابقتين هو آية وفيه آية لكنها آية عظيمة لمن يتفكر. من هؤلاء الذين يتفكرون؟ هم القوم الذين يتفكرون، قال الله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) والقوم إذا أطلقت فإنها تشمل جماعة الرجال وجماعة النساء ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) [الحجرات: 11] فالقوم إذا أُطلق شمل الرجال والنساء وإذا فصّل كما في آية الحجرات قوم من قوم، نساء من نساء فمعنى ذلك أن القوم خاصة تعني الرجال ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في شعره الذي فيه هجاء قال:

وما أدري وسوف إخال أدري أقومٌ آل حصنٍ أم نساء

يعني هل هؤلاء قوم أي رجال أم أنهم نساء، إلا أنه في عامة القرآن الكريم إذا أُطلق القوم فإنه يشمل الرجال والنساء معًا ولعله والله أعلم منه هذه الآية التي نحن فيها وهي آية النحل بما فيها من عظمة وإعجاز يدعو إلى التفكر لكن الذي يتفكر هم القوم رجالا كانوا أم نساء.

بلاغة حديث:

استكمال للرجل الذي دعته المرأة ذات المنصب والجمال فقال إني أخاف الله. قلنا في الحلقة السابقة إن تنكير رجل يشمل تعظيمه أنه رجل عظيم ويشمل تنوعه وأنه رجل في أيّ مكان كان.

أما لفظ "دعته امرأة ذات منصب" كلمة "دعته" بلاغيًا تدل على أمر عظيم وهو أن هذا الرجل الذي استحق أن يكون في عرش الله يوم لا ظل إلا ظله رجل عظيم صالحٌ تقيٌّ بمعنى الكلمة بدليل كما عبّر البليغ محمد صلى الله عليه وسلم قال دعته لم يقل صلى الله عليه وسلم مثلا رجل أغوته أو رجل فتنته لأنها قد تغويه وقد تفتنه من غير أن تكون دعته إلى الفاحشة صراحة لكن لفظ دعته يدل على أن الإغواء حصل والإغراء حصل والفتنة حصلت وزيادة على ذلك هي التي دعته إلى هذا الأمر. فكلمة "دعته" فيها من البلاغة النبوية الشيء العظيم جدًا بمعنى أن الرجل مدعو وهي التي دعته. وأيضًا لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم تداعيا أو توافق أو تواعدا أو افتتنا مما يشمل ألفاظ الشركة في هذه الفتنة وإنما الرجل زاهد والمرأة هنا هي التي دعته فامتنع لا خوفا منها وإنما امتنع خوفًا من الله فكان جزاؤه ظل العرش يوم القيامة.

ولذلك نقف بعض الوقفات في قوله صلى الله عليه وسلم: ذات منصب وجمال. كلمة ذات يعني صاحب، في المذكر نقول رجل ذو مال وفي المؤنث نقول ذات مال، ذات منصب، ذات جمال بمعنى صاحبة جمال. وهنا أضيفت ذات إلى المنصب والجمال بلاغيًا حتى تدلّ على أن هذه المرأة ملازمة للمنصب وملازمة للجمال، منصبها ليس طارئًا وجمالها ليس عارضًا وإنما الجمال والمنصب متلازمان لها حتى كأنها وهما شيء واحد وهذا أبلغ في الفتنة عندما تكون المرأة التي دعته إلى الفاحشة امرأة متلبسة بالمنصب أصيلة فيه وكذلك ذات جمال باهر بهر هذا الرجل، الرجل الذي اكتمل رجولة لم يقل ذكرا، شيخا، وإنما قال رجل توحي بالرجولة بالفحولة بالقدرة ولكنه مع ذلك لم ينجرّ إلى فتنة ذات المنصب والجمال.

 

بعض العلماء رحمهم الله تكلم عن قوله (ذات منصب وجمال) لماذا قيّد بالعطف بالواو؟ حتى نفهم أن هذه الفتنة تعصف بالرجل ذي اللب صاحب العقل تعصف به هذه الفتنة ومع ذلك قاومها واستحق الجزاء الأعظم لأن عادة النساء أن إذا كانت ذات منصب قد ينقصها شيء من الجمال أو إذا كانت جميلة أن لا يكون لها حظ من الدنيا، أما أن تجتمع امرأة ذات منصب وجمال وتكون داعية إلى الفتنة لهذا الرجل فهي أحرى أن يُستجاب لها فإذا امتنع الرجل عن ذات المنصب وذات الجمال التي لم يقل أنها متوسطة في الجمال أو متوسطة في المنصب وإنما ذات منصب وجمال يعني صاحبة الجمال كأنه يقول صاحبة الجمال كل الجمال الأنثوي ومع ذلك قاومها هذا الرجل وابتعد عنها ولم يأبه لهذه الفتنة الجامحة التي تقوده. قال العلماء: لماذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم - وهو العربيّ الذي وصِفَ أنه أفصح من نطق بالضاد ولا فخر - لماذا قدّم صلى الله عليه وسلم المنصب على الجمال؟ لم يقل ورجل دعته امرأة ذات جمال ومنصب، بعض شروح الأحاديث تدل على إيحاءات بعيدة ولكن بالتأمل بهذا الأمر يدلنا على أن المنصب أندر من الجمال في المرأة، لو قسنا جمال النساء في العالم لوجدنا الجميلات كثيرات ولكن ابحثوا عن ذوات المنصب لا شك بالنسبة والتناسب أن ذوات المنصب أقل بكثير من الجميلات ولذلك قدّم الأقل وهو النادر لأهميته ذات المنصب والجمال اجتمعا في المرأة كما حصل في قصة يوسف عليه السلام عندما دعته امرأة العزيز وكادت له إلا أن الله سبحانه وتعالى ثبّته فقال: معاذ الله! فنبينا يوسف عليه الصلاة والسلام ومن يتخرج في مدرسة يوسف من شبابنا الذين يبتعثون في الخارج في خارج العالم الإسلامي يتعرضون للفتن داخل البلد وخارج البلد لكنهم يقولون وشعارهم الجميل: إني أخاف الله. لعل الله يظلنا وإياهم في ظل الله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل