بلاغة آية وحديث - الحلقة الثانية عشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة 12

ما زلنا في آية النحل التي امتلأت بلاغة وعظمة لعظمة قائلها جلّ جلاله ولأن كلامه هو كلام معجز. الآية بلغنا فيها إلى قوله تعالى (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) علماؤنا الأجلاء تكلموا عن هذا الشفاء وعن الضمير في قوله (فيه شفاء) فذكروا فيها ثلاثة أقوال:

1.    من العلماء من يقول إن (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) يعود على القرآن الكريم وهذا ما قاله مجاهد أن الشفاء المقصود بهذه الآية هو القرآن.

2.    ومن العلماء من قال كما ذكره الضحاك رحمه الله أن فيه شفاء يعني في الاعتبار به والاتعاظ به شفاء.

3.    والقول الثالث في هذه الآية وهو الذي رجحه كثير من العلماء قول ابن مسعود وفول قتادة أن (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) يعني العسل وهو المراد في هذه الآية الكريمة لأن القول أن المراد بالشفاء هو العسل قول راجح اختاره إمام المفسرين وشيخهم وهو الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى عندما قال: هذا القول - أعني قول قتادة - أولى بتأويل الآية فتأويل الآية على أن الشفاء مراد به العسل أولى من أن المراد هنا الشفاء بالقرآن الكريم.

وهنا يطرح العلماء تساؤلا بيانيًا حول هذه الآية: عندما يقول الله سبحانه وتعالى (فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) هل كل الأدوية تُشفى بالعسل بمعنى هل العسل فيه شفاء لكل داء؟ بعض العلماء يقولون إنه فيه شفاء لكل داء، أيّ داء فشفاؤه العسل وهذا قال به قتادة رحمه الله تعالى. وبعض العلماء قالوا لا، هو فيه شفاء للناس نعم، لكنه شفاء للناس في الأدوية التي فيها شفاؤهم بهذا العسل بمعنى أن الله مقدّر أن بعض الأدواء والأمراض شفاؤها العسل فيكون فيه شفاء للناس وليس معنى ذلك أن العسل يداوى به كل مرض. أما من قال بأن العسل يشفي من كل مرض فيحمل قول ابن عمر رضي الله عنه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنه وعن أبيه وعن الصحابة أجمعين أنه كان لا يشكو شيئا – ابن عمر - إلا تداوى بالعسل، أيّ أمر يشتكي منه ابن عمر كان يتداوى بالعسل حتى أنه كان يدهن الدّمّل والقرحة بالعسل فيتداوى به ويقرأ قوله سبحانه وتعالى فيه شفاء للناس كما قال ابن عطية وهذا يقتضي أن ابن عمر يرى أن العسل شافٍ من كل داء وأن فيه العافية التامة. أما الزمخشري في تفسيره الكشاف فقد مال في هذه الآية بيانيًا وبلاغيًا ودلالة معان على أن المراد بالشفاء شفاء للأمراض التي فيها الشفاء بإذن الله عن طريق العسل كما أن بعض الأدوية تصلح لمرض دون آخر فكذلك العسل شفاء لكنه شفاء لمرض دون آخر ولعل هذا والله أعلم هذا القول الثاني هو الأرجح وهو أن العسل الوارد في هذه الآية هو المراد بالشفاء وهو شفاء للأدواء التي يُقدّر الله أن شفاءها يكون عن طريق العسل.

هناك نكتة بيانية ووقفة بلاغية حول ورود العسل منكّرا (بلفظ نكرة) بقول الله تعالى (شفاء) ولم يقل الله تعالى "فيه الشفاء" فرق بين أن نقول فيه الشفاء وبين قوله تعالى (فيه شفاء) ولعل هذا يؤيد الرأي الراجح وهو أن فيه شفاء معين لأمراض مخصصة محددة وليس فيه الشفاء المطلق لكل مرض وكما أن هذا التحديد أيضًا يستفاد من التنكير يستفاد أيضًا من التنكير التعظيم يعني من وجهة نظر أخرى نقول: فيه شفاء وأيّ شفاء! فيه شفاء عظيم، فيه شفاء كبير، فيه شفاء مؤكد، فيه شفاء مُحقق، فيه شفاء بالغ الأثر والأهمية، إذا كان ذلك المرض مما يُشفى به عن طريق العسل. فالعسل إذن هو شفاء عرف الناس مقداره وعرفوا أهميته فإنهم ما وضعوهم بإذن الله على داء مما يُشفى به عن طريق العسل إلا شُفي وكان سببًا سهلا كشرب الماء وهذا من فضل الله ومن آياته البينات التي أخرج بها العسل من هذه الحشرة الضعيفة هذه الحشرة الصغيرة، من بيان الله لقدرته أن الشفاء الذي يشفي الإنسان العظيم يخرج من هذه الحشرة الصغيرة في الحجم المهملة لدى كثير من بني آدم.

ذكر بعض العلماء رحمهم الله أن الشفاء بالعسل فيه شفاء بالقرآن، كيف يكون ذلك؟ قال: إذا شفي الإنسان بالعسل تدبر آيات الله وقدرته فآمن بالقرآن فكان شفاء العسل قائدًا وسببًا للتأثر بالقرآن الكريم وللإيمان به.

وردت آثار حول الاستشفاء بالعسل منها ما ورد أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أخي قد استطلق بطنه فقال عليه الصلاة والسلام: اسقه عسلًا، فسقاه أخوه عسلا ثم أتاه فقال يا رسول الله سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال له صلى الله عليه وسلم: اسقه عسلا، فسقاه للمرة الثانية فلم يزده إلا استطلاقا فجاء في المرة الثالثة أو في المرة الرابعة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق الله وكذب بطن أخيك. بمعنى أن العسل في النهاية صار شافيًا بإذن الله لبطن هذا الرجل. وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل. وهذا الحديث حديث صحيح  رواه البخاري ومسلم وابن ماجة. وجاء عن عليّ رضي الله عنه أنه أوتي برجل سقيم فقيل إنا عالجناه فليس ينفعه شيء، عليّ رضي الله عنه جاءه ناس ومعهم رجل سقيم مريض فقالوا يا أمير المؤمنين عالجناه وليس ينفعه شيء فقال عليه رضوان الله، عليّ إمام المسلمين الخليفة الراشد الرابع رضي الله عنه وأرضاه قال: ليأخذنّ هذا الرجل من مهر امرأته أربعة دراهم – وهذه وصفة عجيبة جدًا - فليشتري بها عسلا فإذا أمطرت السماء فليشرب العسل بمطر السماء الذي اشتراه من مهر زوجته فقال الله تعالى (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) وكونه يأخذ من مهر امرأته قال لأن الله تعالى يقول (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4) النساء) إذا طابت به نفس المرأة فالذي يُشترى من مال المرأة هنيء مريء بنص القرآن الكريم والماء من السماء ماء مبارك. فهذه وصفة طبية من إمام المسلمين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه اشتملت على المهر الذي يخرج بطيبة نفس وهو هنيء مريء وعلى ماء السماء المبارك وعلى العسل الذي فيه الشفاء.

ومن الآثار في هذا العسل العظيم قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: عليكم بشفائين، القرآن والعسل. وكان الحسن رضي الله عنه يقول: لُباب البُرّ بلُعاب النحل بخالص السَمْن ما عابه مسلم، كما جاء ذلك  في البحر المحيط عن ابن حيان وغيره. ولذلك كانوا ينهون عن تفريق النحل وعن قتلها لما فيها من الآيات العظيمة التي جعل الله منها شفاء الناس خارجا من ريقها من بطونها وهذه آية من آيات الله الباهرة.

بلاغة حديث

 استكمال لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. من الأصناف السبعة قوله صلى الله عليه وسلم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله. هذا الرجل لما عبّر عنه بقوله رجل يتماشى مع النصوص القرآنية والأحاديث النبوية في اصطفاء على لفظ رجل على لفظ ذكر في الأمور المهمة قال الله تعالى (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ) [النور: 37] وإذا تأمنا النصوص القرآنية وجدناها في الغالب يأتي ذكر الرجل في الأمور الكبيرة المهمة ولا يعبّرعنه بالذَكَر أما الذكر الذي فيه رجولة وفيه غير ذلك فيعبر عنه بالذكورة كما قال تعالى (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ) [النساء: 11] حتى لو لكن رجلا بمعنى الرجولة فمجرد منزلة الذكورة تعني أنه يستحق الميراث. ولذلك جاء لفظ رجل منكّرا وهذا يدل عندما قال "ورجل دعته امرأة" أن التنكير هنا يعمّ كل رجل من غير تحديد بلد ولا تعيين قبيلة ولا زمان ولا مكان قد يكون الرجل المدعو في قارة من القارات أو في بلد صغير من البلدان أو في قرية أو في عاصمة أو في مكان لاهٍ أو في مكان متدين، أيّا كان، هذا الرجل لما دُعي هو رجل بالتنكير حتى يشمل كل شيء، فقولنا رجلٌ بالتنكير يعني أنه رجل عظيم هذا من جهة وأيضًأ يعني أنه رجل في أي مكان في أي زمان في أي حال وفي أي موضع. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل