بلاغة آية وحديث - الحلقة العاشرة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة العاشرة

في قوله تعالى في قصة النحل (فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ) تكلم العلماء عن اختيار كلمة (اسلكي) بالذات، لماذا اختيرت كلمة اسلكي؟ وبتتبع النصوص والتأمل في النصوص المقدّسة القرآنية والنبوية يتبين أن لفظ السلوك فيها (اسلكي) مأخوذ ومستعمل ومستخدم بكثرة في هذه الأحاديث والآيات القرآنية عندما يقول الله تعالى (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ) [القصص: 32] ويقول الله تعالى (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) المدثر) ويقول الله تعالى (كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12) الحجر) إذن استخدام كلمة سلك بمعنى الدخول - والله أعلم - هذه أمور مستعملة في القرآن الكريم واردة ومنها أيضًا في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة ومنها ما قاله عليه الصلاة والسلام "من سلك طريقا يلتمس به علما سهّل الله له طريقًا إلى الجنة"، سلك، استخدم كلمة سلك. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي أبو هريرة أنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم لو سلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت شعب الأنصار أو وادي الأنصار ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار. وقال صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجّك. فهذه الكلمة سلك في قول الله تعالى في آية النحل (اسلكي) تدل على أن النظم القرآني يختار من الألفاظ أرقاها، يختار من الألفاظ أسلمها، يختار من الألفاظ أصحها، يختار من الألفاظ أيسرها وأسهلها في النطق على اللسان. كلمة اسلك في اللغة العربية تقابلها معاني أخرى غير كلمة اسلك مثلًا كلمة ادخل أو غلّ أو كارز أو دمج أو انحشك أو اندمغ أو انكرز، كلها موجودة في المعاجم والقواميس مثل كلمة سلك، تخيل لو استخدم كلمة من هذه الكلمات والله أعلم ليست بلاغتها مثل ما اختار القرآن! تتبعت بعض الألفاظ الواردة على معنى السلوك أو قريبًا منه في ثمانية عشر لفظا وردت بمعنى السلوك ولكن سلك هي أنسبها إما أن تكون اللفظة الأخرى لا تدل الدلالة الكاملة على المعنى الذي تدل عليه سلك أو تكون مع دلالتها ليست بسهولة نطقها أو تكون سهلة النطق لكنها مهجورة لم تستخدم كثيرا ولذلك جاء القرآن الكريم حتى في اختيار اللفظ بأدق لفظ سبحان الله العظيم وأحسنه وأكمله.

بلاغة حديث:

نصل في الحديث إلى قوله عليه الصلاة والسلام "رجل قلبه معلق بالمساجد" المعلّق وفي رواية أخرى "متعلق بالمسجد" وفي بعض الروايات "بالمساجد" وفي بعض الروايات "في المساجد"، حروف الجر ينوب بعضها عن بعض "في المساجد" "بالمساجد" ونحو ذلك لكنها كلها تدل على إطالة المكث في المسجد وأن هذا الرجل لا يكاد يخرج من المسجد حتى يعود إليه، إن خرج الفجر حنّ إليه في الظهر، إن خرج من الظهر اشتاق إليه العصر، إن خرج العصر يتراءى غروب الشمس حتى يأتي إلى المسجد، إن صلى المغرب تاقت نفسه إلى صلاة العشاء هذا الرجل المعلّق بالمساجد لم يعمل أعمالا كثيرة لم يقاتل، لما يجاهد، لم يبذل أموالًا كثيرة، هو على قدر ما هيأ الله له قلبه معلق بالمساجد لو كان فقيرا لو كان ضعيفا لو كان غير شجاع لكن قلبه معلق بالمساجد فاستحق أن يكون في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظل الله تعالى لا يصلي هذا الرجل صلاة حتى يتوق إلى غيرها، هذا الرجل الذي عُلق قلبه بالمساجد كان جزاؤه أن يقيه الله حرّ الشمس الدانية من رؤوس الخلائق في ظل العرش الذي لا ظل إلا ظله في ذلك الموقف العظيم.

يحتمل كما يقول العلماء أن يكون قلبه معلق بالمساجد، عُلّق من العلاقة وهي شدة الحب يعني هذا الرجل ذو علاقة شديد الحب بالمساجد لا يخرج منها إلا ويتمنى أن يعود فيها ولذلك استحق هذا الجزاء العظيم. كتب سلمان إلى أبي الدرداء: إن في ظل العرش رجلا قلبه معلّق بالمساجد.

يقول العلماء في وقفة بلاغية جديدة إن كلمة رجل فيها والله أعلم منحة ورحمة. المنحة هي فضل الله سبحانه وتعالى على هذا الرجل الذي جعله جزاؤه أن يكون قلبه معلقًا بالمساجد أن يكون جزاؤه غدّا ظل العرش يوم لا ظل إلا ظل الله سبحانه وتعالى. هذا الرجل بفضل الله تعالى أكرمه الله بهذه المنحة بأن جعله رجلًا يطرق المساجد يعود إليها، يذهب إليها وهو مطالب بها بحضور جماعاتها وجُمعها، بإقامة الجمعة مع الناس، بشهود العيدين ولذلك حتى المرأة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم إن صلاتها في بيتها خير لها أوصى وليّها وقال: لا تمنعوا إماء الله بيوت الله. هذا البيت لا نمنع المرأة لكنه للرجل له فضل كبير عندما يكون منحة له أن يكون سببا في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظل الله جلّ الله سبحانه وتعالى. في الوقت نفسه والله أعلم هو رحمة عندما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "رجل قلبه معلق بالمساجد" مع المنحة للرجل فيه رحمة للمرأة لأنه لو كانت المرأة مطالبة بحضور المساجد في كل فرض خمس مرات في اليوم لصعب عليها تربية أولادها لصعب عليها قيامها بنفسها، بشؤون بيتها، بطبخها، بغذاء زوجها، بمن تعول، بنظافة بيتها، بإشرافها على الخدم في البيت، أيّا كانت المرأة غنية أو فقيرة فحاجة بيتها إليها أولى وأقوى من حاجة البيت إلى الرجل ولذلك في هذا اللفظ بالذات رحمة للمرأة أن ينيلها الله جزاء العرش وهي لم تطالَب بحضور المساجد بأن يعلق قلبها في الصلوات لأن الصلاة (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) [الأعراف: 31] قال العلماء: يعني عند كل صلاة والله أعلم أن المرأة تدخل الآن بتعلق قلبها بالصلاة حتى لو كانت في بيتها. من الأخوات الفاضلات من تقول أني أختم في الشهر بفضل الله ختمتين للقرآن كاملة، تختم في النهار ختمة  وفي صلاة الليل ختمة أخرى وهي امرأة محافظة على زوجها وأولادها لا تخرج للمسجد كثيرًا لكن مع ذلك تعلّق قلبها بحبّ الصلاة وهل المساجد إلا لإقامة الصلاة وما يتبع ذلك من شؤون الحياة؟

 

أختم بقولنا المراد بالمساجد والله أعلم وأهميتها تدل على أهمية اجتماع المسلمين أهمية اجتماع الكلمة أهمية أن المساجد فيها اللقا، فيها السلام، فيها البشاشة، فيها تفقد بعضنا بعضا، فيها معرفة الفقير لأخيه الغني فيحنّ الغني على الفقير من غير أن يريق الفقير ماء وجهه ليطلب وإنما يعرفه ويتتبع حاجاته لأنه جار مسجد. أيضًا إذا كان من تعلّق قلبه في ظل العرش يوم القيامة هذا الجزاء العظيم فما حالنا وما ظننا بمن يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وما ظننا بشباب مغرّر بهم يذهبون إلى المساجد حيث الأمن والاطمئنان فيفجرونها ويقتلون من فيها ويهرقون دماء في أطهر الأماكن لا شك أن هذا خطأ فادح نسأل الله أن يوفق شبابنا وذرياتنا وأبناءنا وأولادنا أبناء وبنات إلى الهدي السليم والمنهج القويم واتّباع الوسطية وأن يجعلنا وإياهم جميعًا في ظل العرش يوم لا ظل إلا ذلك الظلّ. 




التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل