بلاغة آية وحديث - الحلقة الثامنة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة الثامنة

يتجدد اللقاء عن الترتيب البديع النظم القرآني الفريد في آيتي النحل في سورة النحل عندما قال الله تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾) وهذه هي وقفتنا في هذه الحلقة: لماذا رّتبت البيوت هذا التريب العظيم في الآية القرآنية؟ (اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) جاء الأمر بالإتخاذ من الجبال أولًا ثم من الشجر ثم مما يعرش الناس وقد ذكر العلماء في هذه النكتة البلاغية - والله تعالى أعلم - أن الجواب عليها أن تقديم الجبال على الشجر لسهولته في اتخاذه من الجبال إذ اتخاذ البيوت في الجبال أسهل من اتخاذها في الشجر لأن الأشجار بطبيعة الحال أقل انتشارًا من الجبال للنحل. الجبال كما يقول بعض العلماء أسهل في وجود النحل وتوجهها إليها من توجهها إلى أشجار معينة. إذن من حيث الترتيب الجبال أوفر من الشجر ثم الشجر أوفر مما يعرش الناس ويبنون لأن كون النحلة تذهب إلى جبل في الفيافي، في الصحارى، أسهل لها من أن تذهب إلى شجر وكونها تذهب إلى الشجر أيسر لها من أن تختار بيتًا من بيوت الناس فتبني فيه خلاياها وبيوتها التي أعدها الله سبحانه وتعالى لها. إذن البيوت مما يعرش الناس أقل لها إمكانية من الشجر والشجر أقل إمكانية لهذه النحل من الجبال فلذلك جاء الترتيب المنطقي - والله تعالى أعلم - الجبال أيسر فاذهبي إليها ثم الشجر يكون بعدها ثم ما يعرش الناس.

تكلم العلماء عن كلمة (يعرشون) من حيث اصطفاء المادة، لماذا مادة يعرشون؟ من تسخير الله جل جلال الله لهذه الحشرة الضعيفة أنه هيأ لها بيوتا مما يبني الناس، مما يعرشون. وهذا الأمر جعلها كما يقول ابن جرير: تتخذه من الكَرْم يعني العنب أو مما يبنون بوجه عام إما من مزارع الكرم أو مما تبني الناس أيًا كان ذلك البناء - ولعله والله أعلم هو الأظهر - لأنها ممكن أن تظهر بيوت النحل في بيوت الناس وليست مخصوصة في الكرم وهذا من تسخير الله سبحانه وتعالى أن تتخذ من الحيطان الرفيعة وهذا مشاهَد وملاحَظ أن النحلة عادة تتخذ خليتها في أعلى مكان تستطيع أن تتخذه، قد تتخذه في نوافذ البيوت وقد تتخذه في أعالي النخيل حتى تبتعد عما يؤذيها أو ما يتعرض لها وهذا من اصطفاء الله جلّ جلاله ومن تسخير (وما يعرشون) وهذا من الأسرار في لفظ (يعرشون).

ذكرنا في حلقة سابقة أن كلمة (يعرش) تتخذ بالفعل المضارع للدلالة على التجدد والحدوث كما في (يظلهم الله في ظله) في الحديث وهنا (يعرشون) وقد نلتمس منها فائدة بلاغية: أن يا نحل اتخذي البيوت مما يعرش الناس أيًّا كان الناس في أي بيت يعرشونه ويتخذونه بمعنى أنك أيتها النحلة اتخذي من بيوت الناس كلما تجددت اتخذي منها. (يعرشون) يتجدد العرش، يتجدد البناء وأنت أيضًا تجددي في اتخاذك لهم هذه البيوت وتجددي في اتخاذ البيون فلو بنوا من بيوت الخشب اتخذي منها، بنوا من البيوت المسلحة البيوت الحديثة المتطورة، بنوا من ناطحات السحاب لا يخرج أيضًا من قوله (يعرشون). فـ(يعرشون) بإفادتها للتجدد - والله أعلم - تفيد أن النحل مصاحب لهذه النعمة، نعمة اتخاذ البيوت مما يعرش الناس حتى لو تطور الناس وتغيروا من عصر إلى عصر ومن وقت إلى وقت يأخذونها أيضًأ بهذا الشكل والله أعلم.

بلاغة حديث:

ما زلنا في الحديث العظيم الصحيح المرويّ عند مسلم وغيرها "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل" ذكر أول السبعة "إمام عادل" وهنا لا بد من تساؤل: لماذا قدم الإمام على غيره؟ العرب عادة تقدم الأمر لأهميته، تقول: فلان وفلان وفلان، تقدم الأهم لأنه بالتقديم أحرى وبالتبجيل أولى. فعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن أول السبعة هو الإمام العادل فلا شك أنه أهلٌ لأن يكون هو المقدم على الأصناف السبعة كلها.

العلماء رحمهم الله التمسوا السبب لماذا قُدم الإمام العادل على الأصناف السبعة، قالوا: إن سلطة الإمام وقدرته الكاملة تدعوه عادة إلى أن يتسلّط على خلق الله وأن يظلمهم لأنه لا آمِر له ولا ناهي له فيستطيع أن يفعل ما يريد ربما يأخذ الأمر بحقه وبغير حقه فإذا كان الإمام المتمكن الذي عنده السلطة المطلقة وبيده نصريف أمور الناس والشعب والحكومات والميزانيات يعدل معنى ذلك صفاء نفس وزكاء روح وتقوى وورع ليس لها دافع إلا الخوف من الله سبحانه وتعالى ولذلك كافأه الله وجازاه وأحسن إليه بأن يكون أول السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. لأن نفسه دعته إلى الظلم فامتنع عنها، لأنه لا أحد يمكن أن يعقّب عليه أو يحاسبه ومع ذلك استطاع هو أن يعدل لإمكانية الظلم ومع ذلك تركه فكان جزاؤه هذا الجزاء العظيم,

من الأمور التي جعلت الإمام العادل هو المقدّم على غيره أن عدله لا يقتصر نفعه على نفسه وإنما إذا عدل الإمام صلحت شؤون الحياة كل الحياة تصلح بصلاح عدل الإمام بإذن الله لأن خيره يتعداه إلى غيره خير الإمام العادل يذهب إلى الناس والبهائم والجمادات، بصلاح الراعي تصلح الرعية، بعدل الإمام تُمطر الأرض، بعدل الإمام تؤمّن الفِجاج، بعدل الإمام يحجّ الحجاج، بعدل الإمام تصلح أمور الناس في معاشهم وغدوّهم ورواحهم ولذلك صلاحه ليس مقتصرًا على نفسه بل قُدّم لكثرة مصالحه وعموم نفعه فالإمام العادل يُصلح الله به أمورًا كثيرة كما يقول العينيّ رحمه الله.

من جميل ما قيل حول التقديم ما ذكره الشيخ عطية سالم رحمه الله: الإمام العادل هو المبدأ ومظلة عدالته التي ستنتشر فيها الفضائل كلها وتختفي بعدل الإمام الرذائل لذلك فبعدل الإمام سينشأ الشاب في طاعة الله، بعدل الإمام ستسود المحبة بين الناس في الله، بعدل الإمام سيخاف الناس من الزيغ ويقولون نخاف الله، بعدل الإمام ستكثر الصدقات، بعدل الإمام ستخشع القلوب وترقّ الأفئدة وتفيض العيون خشية لله. إذن قد تدخل بقية الأصناف السبعة في عدل الإمام لا غرو إذن أن يقدّم الإمام على غيره.

الوقفة الأخيرة: كيف عُبّر بكلمة (عادل) بوزن فاعل (عادل) ومعلوم أن عادل اسم فاعل والاسم عكس الفعل في اللغة العربية فالاسم هنا يقتضي الاستمرار والثبات والدوام. إذا كان الفعل يستلزم التغير والتجدد والحدوث فإن الاسم يقتضي الثبات والدوام والاستمرار وهذا هو الأنسب في التعبير عن (إمام عادل) حيث إن العدل قد غدا صفة ملازمة لهذا الإمام ليس عدلًا طارئًا، ليس عدلًا منقطعًا، ليس عدلًا متجددًا قد يحدث وقد لا يحدث، لا، إنما هو عدل لازم استحق به أن يكون عادلًا. فاستحقاق العادل أنه لازمه كما نقول فلان قائم، فلان طويل، هو طويل في كل أوقاته. إذن هذا الاسم له يجعل الإمام يتقلب في العدل في رعيته، في شؤون مالهم، في أعراضهم، في دمائهم، في معاشهم، في ما يحتاجون إليه، إمام عادل استحق أن يكون أول من يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله نسأل الله أن يكون ولاتنا وأئمتنا ممن ينالون هذا الأجر والثواب وأن يجعلنا جميعا ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل