بلاغة آية وحديث - الحلقة السابعة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة السابعة

نكمل ما يسّر الله سبحانه وتعالى من وقفات بلاغية وإشارات ودلالات في آيتي العسل الواردتين في سورة النحل ونستطيع أن نلتمس مسألة وهو ما بين التوكل وعمل الأسباب. المتتبع للألفاظ القرآنية الواردة في هاتين في الآيتين قوله تعالى: (اتخذي) وقوله تعالى (كُلي) وقوله تعالى (اسلكي) الأمر بالاتخاذ والأمر بالأكل والأمر بأن تسلك الطريق كلها تتبين أن الله جلّ جلال الله مع تسخيره المطعم والمسكن والمسلك لهذه النحل إلا أنه أمرها أن تأكل وأن تسلك، وأن تتخذ، الله هو الذي سخر لها هذه الأمر مسخّر لها مطعمها،  مهيءٌ لها مسكنها، مسخِّر لها مسلكها إلا أنه مع هذا التسخير وهذا التمكين أمرها أن تفعل السبب وأن تقوم بالعمل وذلك تمشيًا مع نواميس الحياة في هذه الحركة الدؤوبة التي الحركة فيها لا تتعارض مع التوكل بل إن ترك الحركة تواكل وليس بتوكل. ولذلك التوكل على الله سبحانه وتعالى حق التوكل أن يعلم الإنسان أن الأمر مهيأ مُسخّرٌ من الله وأنه لا بد فيه من الحركة والعمل، قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عندما جاءه رجل قائلًا: يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أُطلقها وأتوكل؟ يقصد ناقته هل أربطها وأتوكل على الله أو أتركها وأتوكل على الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعقلها وتوكل. الأمران معًا، اعقل الناقة، ضع حرزًأ للسيارة، لا تترك السيارة على وضع الاستعداد وأنت نازل في محل، في بقالة، في سوق وتقول أنا متوكل على الله! لا تترك بيتك من غير باب وتقول أنا متوكل على الله! لا تهمل أولادك وتتركهم في مكان الخطر وتقول أنا متوكل على الله! التوجيه النبوية الصريح: اعقلها وتوكل. اتخذي، اسلكي، كلي والله هو مهيء الأكل والمسلك ومهيء المطعم لها. الاتخاذ والسلوك والأكل هي أسباب ولكنها في الحقيقة لا بد أن تتوافق مع ما يسر الله تعالى كما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا. هذا الحديث يدل على أن الطير متوكلة ولكنها تفعل السبب، فنحن بنو آدم لو توكلنا على الله حق التوكل لفعلنا الأسباب ولرُزقنا من الرزاق سبحانه وتعالى وهذا من لطائف الآية العظيمة البليغة التي أمرت بالتوكل وأمرت باتخاذ الأسباب من الأكل والمسلك واتخاذ البيوت. 

قال العلماء رحمهم الله: لماذا النص على اتخاذ البيوت؟ لماذا يقول الله سبحانه وتعالى للنحلة: اتخذي بيوتا؟ الجواب - والله تعالى أعلم وأحكم وهو أدرى بمراده في كتابه سبحانه وتعالى - أن اتخاذ البيوت لهذا المخلوق الضعيف رحمة بها، منّة بها، يقول الله تعالى (اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾) لأن البيوت مما ألهمها الله وأودعها فيها من الإلهام عن طريق الوحي أن هذا من حسن التقسيم لك ومن تمام النعمة والحاجة الفطرية إلى المأوى، إذا كان لك بيوتًا تأوين إليها، صحيح تذهبين إلى الحقول تستخرجين الرحيق، صحيح تجتمع الملكة، الشغالة، اليعسوب، الخدم، الخلية كلها تعمل، تخرج في سروحها صباحًا في أوقات محددة في قوافل طارئة في أسطول جوي نحلي – إن صحت العبارة - ولكن لا بد أن ترجع إلى البيوت.

هذا يقودنا إلى مسألة البيوت وأنها أنواع وهي مأخوذة من أنواع النحل نفسه فمن النحل كما يذكر العلماء من يسكن الجبال والغياض ولا يتعهدها أحد من الناس، هي بطبيعتها تسكن الأشجار، تسكن الجبال دون الحاجة للناس. ومنها نوع آخر تسكن بيوت الناس وتكون عادة في تعهداتهم واهتمامهم بها وتهيئة الخلايا والمناحل لها. هذا النوعان هما سبحان الله العظيم المأخوذان من قوله سبحانه وتعالى (اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ) وهذان النوعان الأولان (وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) وهذا هو النوع الثاني الذي هو الثالث في تقسيم الآية الكريمة. إذن الآية اشتملت بأسلوب راقٍ بليغ بديع على أنواع النحل من حيث البيوت كل الأنواع، اشتملت عليها كلها: بيوت الشجر، بيوت الجبال، بيوت ما يتخذ الناس تتخذ النحل منه بيوتًا أيضًا وهذا جاء في سياق سلس بديع عظيم. وعلى هذا فالبيوت إما في الجبال وكواها وإما في متجوف الأشجار أو فيما يعرش بنو آدم من الحيطان والخلايا المصنَّعة لها، هذه البيوت التي نص الله عليها وأهميتها هي بيوت في غاية البناء المحكم بناء لا يكاد يبلغه بناء المهندسين من بني آدم بناء من حيث أعداده الكبيرة التي تدخل إليه وتخرج ومع ذلك يحتويها يستوعبها يُكنّها يغطيها يوفر لها الأمان، المسكن في ترابط اجتماعي لا يكاد يعرف له مثيل من حيث الملك، المملوك، الخادم، القائد، المقود، من تكوين المجتمع المدني - إن صحت العبارة - لكنه مجتمع مدني نحلي خاص بهذه النحلة التي هي متباينة في طبقاتها، متباينة في سلالاتها، متباينة في أجناسها إلا أنها مع تباين هذه الأعراق كلها تبقى نحلة مستوطنة بيوتًا أيّا كانت تلك البيوت: بيوتًا جبلية، بيوتًا شجرية، بيوتًا مما يعرش الناس لها بل إن العلماء تبينوا من خلال تتبعهم أن النحل في أقاصي الجنوب يختلف عن النحل الذي يكون في الشمال وأن بعض النحل يغطيه الوبر ويغطيه ما يحميه من برودة الجو غير النحل الذي يعيش في طقس استوائي أو طقس حار لا يحتاج فيه إلى هذا الوبر الكثيف وإنما يغطيه شيئًا آخر وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى في اختلاف النحل واختلاف بيوتها.

بلاغة حديث

استكمال لما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي مرّ معنا: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله".

(لا ظل إلا ظله) هذا الأسلوب يسميه علماؤنا البلاغيون الكرام أسلوب القصر كقولك (لا إله إلا الله) يعني لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، لا ظل في هذا المكان إلا ظل الله جلّ الله، لا رجل في المنزل إلا فلان، لا كريم في ذلك الحيّ إلا فلان. إذن هذا أسلوب يسميه العلماء أسلوب القصر الذي يقصر أمر على أمر معين محدد. لا يوجد ظل، لا يوجد واسطة، لا يوجد شفاعة في ذلك اليوم إلا ظل العرش الذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح. وهنا يتبين أن القصر كما يقول العلماء أن قصر حقيقي بمعنى أن الحال يوم القيامة انتفاء الظل كلّ الظل (لا ظل) ثم يأتي الاستثناء فيقول (إلا ظله) معناه أن الظل في الأصل منتفي ممنوع، منفي، لا يوجد ولكن لا يوجد إلا شيء واحد وهو الظل الحقيق الوحيد المنفر وهو ظل الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن في هذا الأسلوب الراقي المسمى أسلوب القصر حثٌ لنا نحن الناس المخاطبون بهذا الحديث أن نتصف بتلك الصفات أو إذا جرت علينا بعض الابتلاءات أن نطبقها ونتمثل بها حتى نكون من الفائزين بهذا الظل الذي ليس هناك ظلّ غيره.

تكلم العلماء رحمهم الله كلامًا بلاغيًا مؤثرًا حول ورود كلمة (ظل) نكرة عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم (يوم لا ظل إلا ظله). النكرة كما يقول العلماء في سياق النفي تفيد العموم "لا ظل" يعني ليس هناك ظلٌ أبدًا إلا ظل الله، (لا ظل) كأنك تقول لا أعطيك ولا درهمًا ولا ريالًا، لا يوجد هنا ولا منزل، لا منزل في هذا الحيّ، لا سيارة عند هؤلاء القوم، يعني نفيًا كاملًا أريده. وهنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم "لا ظل إلا ظله" يريد به المعنى الحقيقي لها وأن المسألة تحتاج إلى جهاد حتى توطئ نفسك أنت تقول الآن (لا ظل) فتخشع وتخاف ثم يقول مبشّرًا (إلا ظله) جعلنا الله وإياكم ممن يتنعم بهذا الظل.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل