استعمال الاسم في القرآن الكريم - د. أحمد الكبيسي

استعمال الاسم في القرآن الكريم - د. أحمد الكبيسي
 
  استعمل القرآن الكريم الاسم باعتباره لفظاً مستقلاً بنفسه وغير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، وهو في هذا لا يختلف عن غيره، إلا أن ما يتميز به القرآن الكريم هو وضع الكلمة  المناسبة موضعها في غاية الجمال والدقة بحيث لا تغني عنها كلمة أخرى شبيهة بها .

Dr_2Kobaysse.jpgفمثلا قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ } [القصص: 38] كان من الممكن أن يستعمل بدل كلمة ( الطين ) كلمة: الآجر أو اللبن، أو الحجر، أو الصخر . ولكن أيا من هذه الكلمات لا تغني عن الكلمة التي استعملها القرآن في سياق الجملة لو تأملت ذلك، وقس على ذلك المئات من مصطلحات القرآن الكريم بينما استعمل القرآن كلمة الحجر في {اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ} (البقرة: 60) لا يغني عنه استعمال كلمة الصخر وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ} (الفجر: 9) مكانها وهكذا ...

  فالاعتبار في الفصاحة ليس لذات الكلمة، بل لاستعمالها في السياق. فقد تكون الكلمة فصيحة في مكان آخر ونعني بالفصاحة هنا ما قرره عبد القاهر الجرجاني من أن معنى الفصاحة في أصل اللغة هو: الإبانة عن المعنى حين تضم الكلمات بعضها إلى بعض في الجملة .
وعندما توصف الكلمة المفردة في الجملة بالفصاحة، فالمقصود بذلك أنها في اللغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر، أو أنها أجرى على مقاييس اللغة وقواعدها وقوانينها .

 فالقرآن الكريم يتميز بربط الكلمات بعضها ببعض وفقا لمقتضيات دلالاتها العقلية، بشكل يجعل التعبير عن المعنى أيسر في الفهم، وأشمل في التصوير وأقوى في الدلالة، بحيث يجعل المعنى صوراً عديدةً ومشهداً كاملاً .

ولنضرب لذلك المثل التالي: 

قال تعالى:{ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ  } [الأعراف: 26 ]، فلو أنك بحثت في كل اللغة عن اسم آخر غير كلمة ( اللباس )فإنها لا تفيد المعنى المقصود هنا من الخطاب القرآني .

 فلو قال: ثوب التقوى، أو قميص التقوى، أو سربال التقوى، أو غطاء التقوى (وكل هذه الأسماء ورد ذكرها في القرآن) فإنها لا تنفع في هذا الموضوع للدلالة على المقصود الذي لا تدل عليه إلا كلمة (لباس) لأن الله تعالى استعمل هذا الاسم في القرآن الكريم لما خفي عن الأعين مما يستر العورات . بينما استعمل كلمة (الثوب) لما كان ظاهرا للعيان مما يتجمل فيه الناس مروءة، فالثوب للتجمل في أعين الناس، واللباس للستر والشرف والحياء .

 ولما كانت الثياب ظاهرة غير مستترة وبالتالي فهي التي تتعرض للنجاسات قال تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ } [ المدثر: 4 ] ولم يقل ولباسك فطهر.

والمسلم حين ينام يضع ثيابه الخارجية، ولا يضع ملابسه الداخلية حياءً لذا قال تعالى: {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ } [ النور: 58 ] ولم يقل ملابسكم.

 والإنسان حين يريد أن يستر وجهه من الريح أو الخوف أو أي شيء آخر فإنه يستره بظاهر ثيابه وليس بباطنها لذا قال تعالى: أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } [ هود: 5 ] ولم ويقل لباسهم أو ملابسهم.

والمرأة العجوز تضع ثيابها الداخلية في البيت ولا تنزع ملابسها الداخلية لذا قال تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } [ النور: 60 ] والثياب توضع ولا تنزع واللباس ينزع ولا يوضع . فكأنه ينزع قسراً يحث لا ينبغي نزعه إلا للضرورة .

كما قال تعالى: يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا } [ الاعراف: 27 ] إذاً فاللباس هو ما كان يستر السوءة .

  ولما كان الرجل والمرأة يمارسان الجماع عاريين فقد جعل الله كلا منهما ستراً للآخر فلا يفضحه ولا يصف سوأته أو فعله للآخرين فقال تعالى: هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } [البقرة: 187 ] وما من كلمة أخرى تعبّر عن هذه المعاني من خفــاء الجماع، وسريته، وعدم كشفة ولا وصفه .

  ولما كان أهل الجنة ليس لهم سوآت تُستَر فقد تساوى اللباس والثياب في أن كلاً منهما للزينة وليس للستر لذا قال:{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ} [ الانسان: 21 ] وقال: وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا  حَرِيرٌ} [فاطر: 33 ] فظاهرها وباطنها سواء ولهذا جعل الله الليل لباساً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا} [النبأ: 10 ] لأنه يستر كل أنواع العورات المادية والمعنوية كالنوم عورة يسترها الليل والضعف عورة، والمعصية عورة وهكذا.B_KHITAB_QU.jpg

    بعد هذه المقدمة أعتقد أن القارئ للقرآن قد أدرك الصورة الكاملة والمشهد الرائع من خلال قوله تعالى: وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ }  [ الأعراف: 26 ] فالرياء عورة العورات لأنه من الشرك، وذلك يقتضي أن تستر أعمال {التقوى} وتخفى فلا يتظاهر بها الإنسان خيلاءً أو رياءً {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } [ البقرة: 271 ]
فكل تقوى تظهر وتعلن من أجل الناس رياء، وكل تقوى تخفى وتستر لوجه الله إخلاص وصدق.

ولو أن الله تعالى قال: وثياب التقوى خير، لكان ذلك أمراً بإعلان التقوى وإظهارها للناس تجمّلاً.

والسؤال الآن: لماذا إذا حصل اختلاف كثير في تفسير {لِبَاسُ التَّقْوَىٰ}[الأعراف: 26 ]  عند المفسرين. حتى قيل: إنها الزوجة، وقيل إنها السواك، وقيل إنها النوافل....  الخ.

الجواب: هو أن بعضهم ربما لم يلتزم بالاحتكام إلى اللغة العربية الفصحى كما أمر القرآن الكريم، بل أخذوا الأمر إجمالاً على أن اللباس كل ما يلبسه الإنسان أو يرتديه ومن هنا وقعوا في القول بالترادف، فوقعوا في الاختلاف. والله أعلم.


من كتاب: الخطاب القرآني - اعجاز متجدد.
أ. د. أحمد عبيد الكبيسي.


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل