بلاغة آية وحديث - الحلقة الرابعة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة الرابعة

سنستكمل في هذه الحلقة ما ذكره الله تعالى عن آيتي النحل عندما أوحى إليها ربها جلّ جلاله وقال (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) لما يوحي الله سبحانه وتعالى، ربك يا محمد يوحي إلى النحل لا شك أن هذا الوحي ذو أهمية بالغة، وحي الإلهام الذي جاء في هذه الآية له مكانة عظيمة. من آثار هذا الإيحاء ما تكلم عنه علماؤنا الأجلاء رحمهم الله أنه من آثار هذا الإيحاء بنت النحل بيوتها بأشكالها المخصصة. من آثار هذا الإيحاء ما ذُكر أنها تأخذ الرحيق الخاص وتُخرج منه من ريقها العسل المصفى الذي فيه شفاء للناس، من هذه الإيحاء الذي أوحى الله به إليها أن هذا العسل منوّع في ألوانه، مختلف في ألوانه، في تركيبه، في فوائده، في مناطق وجوده، في خصائص كل عسل عن الآخر حسب موقعه وحسب تركيبه وحسب استخراج الناس له وانتفاعهم به. هذا الإيحاء الذي ذكره الله سبحانه وتعالى جعل النحلة تعمل في نفسها أعمالا عجيبة لا يستطيع غيرها أن يعملها فمن ذلك شكل البيوت التي تبنيها النحل. لا شك لكل مطلّع أن البيون التي تعملها النحل بيوت سداسية الشكل وهذه البيوت سبحان الله العظيم تبنيها النحلة بطباعها، بفطرتها، بالإلهام الذي ألهمها الله إياها، هذه البيوت الهندسية لا تصلح عند غير النحل إلا بالآلآت والمساطر والمقاييس والمكاتب الهندسية والاستشارة والتخطيط والمسودات والإقرار والحذف والزيادة وتقديم أمتار على أمتار ونحو ذلك، أما النحلة فتفعل هذه البيوت العجيبة بفضل الله تعالى عندما أوحى إليها هذا الوحي العظيم.

ومن العجيب أنه ثبت في الهندسة كما يذكر العلماء الأجلاء أن هذه البيوت بالشكل السداسي الذي اختصت به النحلة دون غيرها في بيوتها لو بنيت على شكل دائري أو شكل مريع أو شكل مستطيلات أو أي شكل غير الشكل الذي عليه الآن لأحدث فجوات معينة لا تصلح للشمع وللعسل وللنحل إلا بهذه الطريقة التي ألهمها الله سبحانه وتعالى إياها، إذ بأيّ طريقة غير الطريق السداسية لا بد أن يوجد فجوات وزوايا كما هو الحال في البيوت التي يأهلها الناس ويبنونها لا بد من وجود فجوات حاشا الطريقة السداسية التي تفعل فيها النحلة ما تفعل.

العجيب من إلهام الله للنحلة أنه يوجد لها رئيس هو يعسوب، هذا الرئيس اليعسوب ما تسير النحل إلا بأمره ولا تمشي إلا بإشارته وهو أعظم منها جثّة وأكبر منها في شكله ويخدمونه حتى عند الطيران، هذا الرئيس محمول عندهم في طيرانهم له ويأتي بعجائب من اتّباع النحل عامة في مملكتهم لهذا الرئيس لا تقف القدرة الإنسانية من التعجب فيها إلا عندما تعلم أن ذلك داخل في قوله (وَأَوْحَى رَبُّكَ) إذن ما دام الأمر بوحي من الله يزول العجب وتضمحل الدهشة من طريقة اتباعة التحلة ليعسوبها.

من الإيحاء كما ذكر العلماء رحمهم الله أن النحلة إذا أرادت أن تذهب من وكرها إلى الحقول والأماكن الأخرى لا تذهب إلا مجتمعة تسير على قافلة طائرة في سرب عجيب منظم مرتّب لا تتخطاه فإذا أرادت العودة من جديد من المكان الذي ذهبت إليه تعود إليه عن طريق بعض النحل الذي يُظهر برقصات معينة على شكل حرف ثمانية باللغة الانجليزية هذه الرقصة التي ترقص فيها النحلة تُظهر طنين ودنين بعض الناس يتخذ به آلآت موسيقية معينة يضربها فتعود النحل من حيث خرجت وهذه حالة عجيبة لا يمكن أن تتم لولا وحي الله سبحانه وتعالى لهذا المخلوق الضعيف العجيب الممتلئ بالأسرار لولا وحي الله سبحانه وتعالى.

من وحي الله لها عندما قال (وَأَوْحَى رَبُّكَ) أن هذا النحل يتخذ الأوقات المناسبة للسروح فلا يخرج في أي وقت حتى يتحين الوقت الذي فيه يكون أكثر الأوقات مناسبة وفاعلية وانتاجية فالله سبحانه وتعالى سخّر لها حتى تتعلم النحل ربط الأمكنة والأزمنة ربطًا مختلفًا بقرارات خاصة، فالنحلة لا تخرج إلا في أوقات محددة، النحلة لا تذهب إلا إلى أماكن محددة، تعود من حيث أتت، الأزهار نفسها تنتج الرحيق في أماكن مختلفة وبكميات مختلفة وفي أوقات مختلفة من اليوم فالنحلة تعرف متى تذخب إلى الزهرة في وقت إخراج الرحيق لها وتحسب لذلك حسابًا دقيقًا ذكره العلماء الأجلاء في مصنفاتهم وكتبهم وهذا كله دالّ على أن ذلك وحي من الله (وَأَوْحَى رَبُّكَ) إذن انتهى الأمر.

العجيب أن النحل يتبع برنامجا عمليا يوميًا وينفذ المهمة الصحيحة في المكان والزمان المناسبين له دون تقدم ولا تأخير.

بلاغة حديث

نُكمل قول النبي صلى الله عليه وسلم "سبعة يظلهم الله في ظله"

نقف في هذه الحلقة مع كلمة (ظله) الظل هو الفيء الحاصل بين المكان المضيء وغيره، هذا يسمى ظلا كأن يحجز الإنسان بينه وبين الشمس بالمظلة أو بالسقف أو بظل سيارة أو بظل جدار أو نحو ذلك، هذا ظلّ وهو مخصوص بما كان منه من أول النهار إلى الزوال وما كان بعد الزوال وما كان بعدها يسمى فيئً. إذن الظل ما قبل زوال الشمس بعد أن تكون في وسط النهار وما بعده يكون فيئً.

وقد ذكر العلماء عليهم رحمة الله فائدة في قوله صلى الله عليه وسلم "ظلّه" لظل الله سبحانه وتعالى وأن هذا الظل ما دام في ظله فهو يعني أنه في ملكه فالظل ظل الله، إضافته إلى الله إضافة ملك. قال الحافظ رحمه الله في الفتح: "كان حقه في هذه الإضافة أن يكون إضافة تشريف وامتنان وتكريم: أنت تقول أنا في كنف الملك الفلاني – ولله المثل الأعلى – أو أنا في ضيافة المدير الفلاني، أو أنا في قصر فلان أو أنا في وزارة الوزير الفلاني، كل هذا حسب ارتفاع رتبة من يضيفك فأنت في مكانة عالية ولله المثل الأعلى فكيف بمن يكون في ظل الله ملك الملوك الواحد الأحد وفي وقت ليس فيه ظل إلا ذلك الظل، لا شك أن المنّة فيه عظيمة.

قال بعضهم إن المراد بالظلّ هو ظل الحماية والكرامة ولكن الذي ذهب إليه الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله وكثير من العلماء أن هذا الظل الوارد ظل حقيقي ليس فقط ظل حماية وكنف وإنما ظل حقيقي يخلقه الله سبحانه وتعالى حيث قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وهذا في وقت ليس فيه شجر يستظل فيه الناس ليس فيه حجر توارى الناس خلفه، ليس فيه جبال ولا مغارات ولا من صنع الناس من المظلات والسيارات والطائرات والبيوت ونحوها، لا، (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) [إبراهيم: 48] ليس هناك ظل إلا ظل الله ولذلك كان هذا الجزاء عظيمًا والظل كما ورد في الحديث الصحيح كما قال صلى الله عليه وسلم: "كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة" نسأل الله أن يجعلنا ووالدينا ممن يستظل في الصدقة في وقت تنفعنا فيه. وعلى هذا فالظل الذي ذكر في هذا الحديث ظل حقيقي.

من كل ما تقدم في هذا الحديث يتبين أن الإضافة في قوله (ظله) قد أضافت على المعنى معنى جميلا وعلى الشعور شعورا رائقا وعلى الدلالة دلالة بليغة حيث إن هذا الظل الحسي لا يوجد في ذلك الموقف العظيم ظل غيره ولذلك تتطلع النفوس إليه وهذا سر التشويق الذي ذكر في حلقة سابقة عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وهو ما سنعرفه إن شاء الله في حلقة قادمة عند الحديث عن كونه مقصورا بمعنى لا ظل إلا ذلك الظل.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل