بلاغة آية وحديث - الحلقة السادسة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة السادسة

ما زلنا في آيتي العسل والنحل وما ذكر الله فيهما من الوحي وحي الإلهام والخروج للعسل من هذه النحلة الضعيفة التي أودعها الله هذا السر العظيم. تكلم العلماء رحمهم الله عن التعبير بالبطون عندما قال الله سبحانه وتعالى (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) كيف أن العسل يخرج من البطون بنصّ القرآن مع أنه يخرج من ريقها؟ وهنا يمكن أن نلتمس نكتة بلاغية ووقفة دلالية بديعة جميلة في سياق هذه الآيات العظيمة وهي ما عبّر عنه علماؤنا أهل البلاغة بقولهم: اعتبار ما كان وهذه علاقة من علاقات المجاز العقلي معروفة في كتب البلاغيين. "اعتبار ما كان" يعني عندما يقول الله سبحانه وتعالى (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) كان العسل في بطونها لكنه خرج عن طريق الريق، وفي هذا آيات أخرى تدل عليها عندما يقول الله سبحانه وتعالى (وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ)[النساء:2] من المعلوم أن الوليّ لا يعطي اليتيم ماله حتى يبلغ ويتعدى اليتم وسمّاه الله يتيمًا قال (وَآَتُوا الْيَتَامَى) لكنه لا يعطى اليتيم ماله حتى يتعدى مرحلة اليتم ويكون راشدًا يستطيع أن يأخذ ماله، ولذلك الآية هنا تعطي الدلالة نفسها عندما يقول (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا) أي الذي كان في البطون ولكنه في الواقع يخرج من الريق مثل ما قال الله في آية يوم القيامة (إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿٧٤﴾ طه) سمّاه الله مجرمًا باعتبار ما كان عليه في الدنيا يوم كان مجرما وإلا لا مجرم يوم القيامة والجميع الآن للمحاكمة وللحساب وللجزاء، لا أحد يظهر جرمه يوم القيامة أو يعتدي على أحد حتى الشيطان لا يستطيع أن يفعل شيئا يوم القيامة، يخنس ولا يستطيع أن يفعل ما كان يفعله في الدنيا. وهذا ما يعبر عنه علماؤنا الكرام بقولهم "باعتبار ما كان" العلاقة هنا أنه كان في بطونها عسل ولكنه يخرج من ريقها وهذا هديٌ من هدي اللغة العربية معروف وسَنن من سننها مطروق أيضًا وهو التعبير عن الشيء باعتبار ما كان فيه، فسبحان من أنزل هذا الكتاب باللسان العربي المبين الذي جعل الاستحالة من البطون والمرور بالريق باعتبار ما كان ثم ما صار إليه الآن.

تكلم العلماء رحمهم الله في وقفاتهم البلاغية البيانية في هذه الآية العجيب عن قوله تعالى (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) وهذه الصيغ معروف أنها صيغ فعل الأمر: يا نحل اتّخذي من الجبال، وصيغة اتخذي فعل أمر تكلم العلماء هل هذا الأمر على حقيقته؟ يعني الله جلّ في علاه يأمر النحل أمرًا حقيقيًا أو أن هذا كما يعرف في اللغة العربية ويعرف في بلاغتها: خروج الأمر عن معناه الحقيقي إلى معان أخرى تُفهم من الكلام ومن السياق ومن القرآئن. أما الأول في أحد القولين أنه لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات أن يكون لها عقول ولا يُبعد أن يوجّه لها الأمر والنهي، هذا قول في الآية الكريمة. وقول آخر أن الأمر ليس بهذا الشكل وإنما الله تعالى خلق فيها غرائز وطبائع توجب لها هذه الأحوال من اتخاذ البيوت، إلى ما يعرش الناس، إلى الشجر والسعي والعودة واتخاذ العسل والرحيق ونحو ذلك من مراحل ما تفعله النحلة في حياتها أن هذه إلهامات وغرائز وليست أمرا حقيقيا ملقى إليها وهذا ما ذهب إليه بعض العلماء للتمكين والتسهيل والله أعلم بمراده.

بلاغة حديث

(سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)

في كلمة (يوم) لها دلالات، لها أبعاد، لها إيحاءات، لها إشارات، لها معان عظيمة جدًا. كلمة (يوم) في هذا السياق بالذات عندما نستشعر اليوم بعظمته في هذا النص حيث لم يأتي التعبير بلفظ يعادل اليوم كأن يقول صلى الله عليه وسلم: يظلهم الله في ظله حين لا ظل إلا ظله، أو وقت لا ظل إلا ظله أو كأن يقول عليه الصلاة والسلام زمان لا ظل إلا ظله، هذه كلها ظروف: حين ووقت وزمان ويوم، فلماذا اختير يوم على سائر الظروف التي يمكن أن تؤدي المعاني القريبة منها؟ ذلك والله أعلم لأسرار بلاغية وحكم بليغة اقتضت أن يختار ويصطفى لفظ اليوم دون غيره من الألفاظ في هذا السياق. من ذلك أن اليوم يفيد الإحاطة والشمول، الإحاطة والشمول مفهوما من كلمة يوم كأن يوم مستغرق لجميع الأزمنة مستغرق لجميع الأوقات، مستغرق لجميع الأحايين، إذن يوم يغني عن حين ويغني عن زمان ويغني عن وقت وهي لا تغني عن كلمة يوم. هذا الموقف بساعاته، هذا الموقف بزمانه، هذا الموقف في حينه، هذا الموقف في كل أوقاته يعبر عنه بكلمة يوم وهو المناسب والله أعلم لهذا الجزاء كأن الله يوصل لنا عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم أن الظل لكم أيها الأصناف السبعة في اليوم كله، لا تخافوا، ليس حينًا دون حين، ليس وقتًأ دون وقت، ليس جزءا من اليوم وإنما كل اليوم الذي فيه دنو الشمس سيكون فيه ظل العرش لكم يا أصحاب هذه الصفات الواردة في هذا الحديث.

من أسرار التعبير بلفظ يوم أن التعبير جاء في سياق مهول مخيف مرعِب (يوم لا ظل إلا ظله) ويوم الرهبة ويوم النشور ويوم الحساب ويوم تطاير الصحف ويوم دنو الشمس كلها أشياء مخيفة ناسبت أن يعبر عنها بكلمة يوم لأنه بتتبع كلمة يوم في القرآن الكريم نجده يرد في الأشياء العظيمة بدءا من الفاتحة إلى آخر ما وردت فيه كلمة يوم في القرآن الكريم والتي تتبعتها فوجدتها في مائتي موضع منها قوله تعالى (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴿٤﴾ الفاتحة) ومنها قوله تعالى (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ)[البقرة: 281] ومنها قوله تعالى (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴿١٧﴾ المزمل) ومنها قوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) المطففين) إذن كلمة يوم في العادة عبّر بها في القرآن الكريم عن الأمور المهولة الشديدة ومنها التعبير في السنة النبوية عندما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم (يوم لا ظل إلا ظله) وكأن الأمر المهول يناسب استخدام كلمة اليوم الذي هو يوم القيامة الذي هو اليوم الآخر جعلني الله وإياكم ووالدينا والمسلمين أجمعين ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل