بلاغة آية وحديث - الحلقة الخامسة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة الخامسة

كنا نتدارس في قول الله تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)

العلماء رحمهم الله توقفوا وقفات بيانية بلاغية عند قوله تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ) حيث أضاف الله سبحانه وتعالى الاسم الشريف الرب إلى كاف الخطاب (الدال على محمد صلى الله عليه وسلم) وهذه الإضافة كما يقول العلماء فيها تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، عندما يخاطبه الله فيقول: ربك، حبيبك، إلهك، خالقك، فيه تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم حتى وإن كان الحديث يتحدث عن قضية أخرى عن العسل الذي هو للناس كلهم فيه شفاء للناس. لماذا جاءت كلمة (رَبُّكَ) ما جاء التركيب مثلا: وأوحى الله، أو أوحى رب الناس أو أوحى رب النحل؟ قال (وَأَوْحَى رَبُّكَ) يا محمد فيه تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم حيث خاطبه بأنني أنا ربك أنت في سياق فيه ذكر النعم، نعمة العسل وقبلها نعمة اللبن وبينهما نعمة السَكَر والشراب والرزق الحسن الذي يخرج من الأشجار ومن النحل ومن الأنعام ومع ذلك ترى الذي أخرجها وسخّرها وهيأها هو ربك أنت يا محمد صلى الله على علم الهدى محمد وآله وصحبه وسلّم تسلميًأ كثيرا. إذن في هذه الإضافة تأنيس وأيّ تأنيس وتشريف وأيّ تشريف ومنزلة لا تكاد تضاهيها منزلة أن يكون ربك هو ربك أنت يا محمد عليه الصلاة والسلام لا سيما والسياق سياق نعم وفضل وتعداد مكارم ومحامد.

ذكر العلماء لطيفة من اللطائف في تسمية النحل بهذا الاسم (النحل) وهذا ما أشار إليه الزجّاج رحمه الله وهو أحد علمائنا في اللغة العربية، قال: قيل والنحل جائز أن تكون سميت نحلا لأن الله جل ثناؤه نحل الناس العسل منها، نحل أي أعطى، وهب، فسميت النحل نحلا قيل كذا لأن الله نحل الناس العسل الذي يخرج من بطونها نحله منها فسميت هي نحلا لهذا السبب,

العلماء يتوقفون وقفة بلاغية بيانية دلايلة حول حكمة الله في اصطفاء النحل بالذات للعسل، لم اصطفيت النحلة وهي ليست أكبر المخلوقات حجمًا ولا أجمل الحشرات شكلا ولا أقواها قدرة ولا أسرعها طيرانا ولا أمكنها ولا أذكاها ولا..ولا..؟ لماذا اختيرت النحلة بالذات لهذا الأمر العظيم الذي فيه شفاء لكل الناس؟ قال العلماء رحمهم الله: لنا أن نتساءل عن اصطفاء النحلة لهذه المهمة الشريفة وهذا لحكمة بالغة يعلمها الله قد نطلع عليها فنتباحث فيها لعلنا نصل إلى شيء منها. قالوا إن الله سبحانه وتعالى لم يجعل التفضيل من جهة الاستحقاق والقياس أن هذه النحلة أجدر بهذه المنزلة الشريفة من غيرها وإلا فليست هي الأحقّ بهذه المكانة من غيرها من المخلوقات والإنسان مع كمال صورته وحسن نظهره مشيه على قدميه وعدم مشيه على أربع وحسن منطقه وبيانه وسحره اللفظي وقدرته العقلية الفائقة مع ذلك فالإنسان لا يخرج منه العسل الذي يخرج من هذه الشجرة الضعيفة وهذا أمر لا يخفى. ولذلك تساءل بعضهم فقال: فأيّ فضيلة للنحل وأيّ ذنب للإنسان جعل الله العسل عند النحل ولم يجعله عند الإنسان؟ّ الجزاب والله أعلم بحكمته ومراده أن الاختيار ليس بهذا الشكل وإنما الله سبحانه وتعالى جرت سننه أن تكون أعظم الأسرار في أضعف الخلق، وهذا منه النحل ومنه غيره فالحرير يخرج في الدود وهو أضعف الحيوانات والعسل يكون في النحل وهو أضعف الحشرات والدرّ في الصدف وهو أوحش حيوان من حيوانات البحر والذهب والفضة يكون في الحجر الذي لا يعقل، والمعرفة والمحبة، معرفة الله ومحبته أودعها الله في قلوب المؤمنين وفيهم من يعصي الله وفيهم من يخطئ ومنهم من يقصر كما قال الله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) فاطر) لكن الله تعالى ذكر أن الناس منهم الظالم ومنهم المقتصد ومنهم السابق بالخيرات كل أولئك أودعهم الله محبته وأودعهم سرّ معرفته وإيصال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المعلومة إليهم وهذا من الأسرار كما أودع النحلة العسل الذي فيه شفاء للناس.

بلاغة حديث

(سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه) تكلم العلماء الأجلاء رحمهم الله على التعبير في قوله (في ظله) لماذا استخدم حرف الجر (في)؟ ونحن نعلم في اللغة العربية أن (في) تفيد الظرفية، الظرف إذا وضعت فيه الورقة فأنت وضعته فيها، نحن الآن في الغرفة، في البيت، في السيارة، في الطائرة، إذن (في) تفيد الظرفية فلما يأتي الحديث الشريف الصحيح ويقول: يظلهم الله في ظله، كأن الظل أحاط بهذه الأصناف السبعة إحاطة تعبر عن الأمن والاطمئنان إذ الناس يبدون في هلع وخوف وفزع يمينا وشمالًا، أمام وخلف وهؤلاء أحاطت بهم نعمة الله في ظله لا يخرجون عنه، لا يؤذيهم ما يؤذي الآخرين إذن الظل في ذلك الموقف الشديد الرهيب المخيف كان ظلا محيطا كالظرف الذي يحيط بالورقة وكالغرفة التي تيحط بساطنيها وكالسيارة التي تحتوي من يركب فيها جعلنا الله وإياكم ممن يكون في ظل عرشه ووالدينا والمسلمين.

تكلم العلماء رحمهم الله عن وقفة أخرى وهي قوله صلى الله عليه وسلم (يظلهم) وهنا في كلمة (يظلهم) كما تفيدنا اللغة العربية ببلاغتها هي فعل مضارع والفعل المضارع يقتضي التجدد والحدوث تقول فلان يصلي يعني الآن يصلي وهو يصلي بعد قليل وسيصلي غدًا إن شاء الله، تقول فلان يشرب الشرب إذا عبّرت عنه بكلمة يشرب معناه أنه متجدد وحادث. فعندما تأتي اللفظة النبوية الشريفة بقوله صلى الله عليه وسلم (يظلهم) لا شك أنه يفيد معنى تجدديا وأنه كلما تجدد الكرب وعظم الخطب وزاد الهول في يوم القيامة فإن هذا الظل يتجدد وإن هذا الظل يستمر وإن الناس فيه فيه داخلون مطمئنون آمنون لا يخافون من شيء ما دام أن الظل يتجدد مع دنو الشمس كما قال صلى الله عليه وسلم: تدنو الشمس يوم القيامة على قد ر ميل ويزاد في حرّها كذا وكذا يغلي منها الهوامّ كما يغلي القدور يعرقون فيها على قدر خطاياهم منهم من يبلغ إلى كعبيه ومنهم من يبلغ إلى ساقيه ومنهم من يبلغ إلى وسطه ومنهم من يُلجمه العرق، رواه الإمام أحمد. في هذه اللحظات العسيرة نجد الناس الآمنين المطمئنين بفضل الله يتجدد ظلهم (يُظلهم) فالظل متجدد بناء على هذه الصيغة، صيغة الفعل المضارع المقتضية للتجدد والحدوث.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل