بلاغة آية وحديث - الحلقة الثالثة

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة الثالثة

كان حديثنا في الحلقتين السابقتين عن آيتي النحل والاستشفاء بالعسل وشيء من بلاغتهما وما زلنا في هاتين الآيتين العظيمتين.

الإيحاء في قوله سبحانه وتعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) معروف أن الوحي للأنبياء، للرسل، فما المراد بالوحي الوارد هنا للنحل؟ العلماء رحمهم الله لا يتركون كلمة في كتاب الله إلا ويبينوها. معنى الإيحاء أصلا، اصل الإيحاء هو إلقاء الموحي إلى الموحَى، أن يلقي إليه أمرًا، تكليفًا، خبرًا، رسالة، إلقاء الموحي إلى الموحى قد يكون بكتاب لما تكتب لآخر أمرًا ما فهذا إيحاء له، قد يكون الإيحاء بالإشارة كأن يشير الإنسان بعينه أن افعل أو لا تفعل، هذا إيحاء، وقد يكون بإيماءة، قد يكون بإلهام وهذا الذي ذكر العلماء والله أعلم أنه أرجح الأقوال في آية النحل أن الإيحاء إليها هو إيحاء إلهام، قال تعالى (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) بمعنى ألقى ذلك إليها فألهمها.

والوحي كما يذكر المفسرون عليهم رحمة الله في هذه الآية على أربعة أقوال:

1.    الأول أنه وحي إلهام كما قال ابن عباس ومجاهد عليهما رحمة الله.

2.    والثاني أن الله جلّ جلال الله أوحي إليها أي سخّرها كما حكاه ابن قتيبة

3.    الثالث أن الله جعل في غرائز هذه النحلة ما يجعلها تستطيع أن تعمل عملها وبيوتها وتطلب ثمرتها وتُخرج عسلها.

4.    الرابع أن الله ألقى على مسامعها فالنحل خلق الله لها سمعًا سمعت به الوحي.

أكثر المفسرين على أنه إما وحي إلهام أو أنه وحي غرائز ألقى الله في غريزتها ذلك الأمر. بل أن بعضهم قال أصلا هو وحي إلهام كما يذكر الزمخشري وغيره عندما قال إن الله تعالى أوحى إلى النحل أي ألهمها وقذف في قلوبها وذلك يدل عليه فيما يدل تعلمها، إتقانها بناء بيوتها المسدسة، الشكل السداسي الخاص بها، ذهابها إلى المرعى لاستخراج رحيق الأزهار، عودتها بالطريقة نفسها كل هذا والله تعالى أعلم أودعه الله بفضله ومنه وكرمه في هذا المخلوق الضعيف وهو النحلة.

هذا الإلهام لا يخالف أن الله سبحانه وتعالى أيضًأ ألهم غيرها من الحيوانات ومن الحشرات ومن الدوابّ أن تسعى إلى رزقها وتعود كما قال في الحديث الآخر: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا (صغيرة البطون في الصباح) وتروح بطانًا (امتلأت من الرزق والأكل)، هذا وحي لها وإلهام.

وهنا نأتي إلى تساؤل: ما دام الله تعالى ذكر الوحي خاصة للنحل وهو في الواقع قد دبّر معيشة كل الدواب وكل الحشرات لماذا نصّ على النحل؟ الجواب عليه ما ذكره بعضهم أن الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك تخصيصًا للنحل لأن الطيور الأخرى والدواب الأخرى والبهائم الأخرى لا تؤتي منافعها من الركوب ومن استخراج الألبان ومن الصيد الكلاب التي تصيد والصقور التي تصيد إلا بالدُربة والتعليم (مكلّبين) معلّمين فنحن نعلم الكلاب فتصيد ونعلم الصقور القنص والصيد فتصيد وتأتي بما تريد، نعلم الدابة الحمل والتدريب على الطرق فتذهب. النحلة لا تحتاج إلى تعليم وإنما هي بما أودع الله فيها من الإلهام هي التي تذهب بنفسها وتعود وتُخرج العسل لنا ويكون جاهزًا من دون أن نعلّم صغار النحل كيف تستخرج لنا العسل ولذلك ينصّ الوحي على أنه أوحى إلى النحل. قال بعض العلماء وهو الراغب الأصفهاني رحمه الله: إن في هذا الوحي ابتلاء للناس ليدلّهم على آياته الباهرة فهذا أيضًا من تعليمنا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوحى إلى هذه النحلة وهو القادر عليها.

هنا نرد إلى وقفة بلاغية في هذه الآية: المتأمل في آية النحل قال الله تعالى في أولها (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) المتأمل في هذه الآية يجد أن النحلة لم تسأل الله أن يُخرج لها العسل ولم تذكر الآية أن الملائكة قالت يا رب أطعمنا من النحل عسلا ولم تذكر الآية أن الأنبياء المكرمين الشرفاء العظماء ذوي المكانة العالية عند الله تعالى سألوا لنا هذه النعمة وإنما العسل عندما يخرج من النحل والوحي عندما يلقى على النحل والنحل عندما تذهب إلى الرحيق وتستخرجه وإلى البيوت فتبنيها وتعمل الشغالة والملكة واليعسوب والخلية كلها بالمئات من الأفراد الذين فيها أن ذلك كله جاء ابتداء من الله وفضلا ومنة ومن المعلوم أن الله تعالى سخرها لنا نحن كما سخّر لنا السموات والأرض وما فيهما تسخيرا لبني آدم. فهذا يدل على أن المنعم الحق هو الله سبحانه وتعالى ابتداء فله الحمد وله الشكر وهو أهل لأن يُحمد وأهلٌ لأن يُشكر.

بلاغة في حديث

نكمل الوقفات البلاغية في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"

ذكر العلماء فائدة بلاغية جميلة تتمثل في قوله صلى الله عليه وسلم (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) كل هذا الكلام ولم نعرف إلى الآن من هم السبعة؟ وفي هذا الأسلوب البديع تشويق وفيه عنصر المفاجأة، وعنصر انتظار ماذا بعد؟ ماذا لو علمنا هذا؟ ماذا بعد هذا؟ سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، كل هذا الكلام الطويل ولم نعرف من هم السبعة إلى الآن، هذا الذي يذكر العلماء فيه أن يتقدم الخبر على المبتدأ كما يقول أهل اللغة العربية لأن الكلام في الجملة الاسمية مكون من مبتدأ وخبر وطبيعة التركيب والنظم أن يأتي المبتدأ ثم الخبر لكن الآن عكس المسألة فأتى بالخبر أولا وأخّر المبتدأ للتشويق حتى نعرف من هم السبعة أضف إلى ذلك طول الفاصل (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) ثم قال (إمام عادل) وهنا عنصر التشويق وما أجمله هنا عنصر التشويق وما ألذه وأحسنه هنا عنصر التشويق وما أبلغه من حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي نسة من سنن العرب في كلامهم حتى قال الشاعر محمد بن الوهيب في بيت مشهور:

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها شمس الضحى وأبو اسحق والقمر

عندما يقول الشاعر مادحًا المعتصم العباسي أبو اسحق: ثلاثة اشرق الدنيا، تشتاق من هم هؤلاء الثلاثة فيأتيتك بالأسلوب البلاغي اللطيف: شمس الضحى، وأبو اسحق المعتصم، والقمر، جعله بين قمرين حتى يكون مساويا لهما، الشاعر أجاد في التشويق الشاعر شوّق وأجاد وتكلم وأحسن في الكلام وأتى بكلام بليغ لكن التشويق في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال "سبعة يظلهم الله في ظله" أعظم تشويقا  أن نتطلع إلى هؤلاء السبعة الذين قدّم فيهم الخبر على المبتدأ. وعظمة هذا التشويف تعود إلى أمرين:

الأمر الأول أن التشويق الوارد فيه هو ممن لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك التشويق فيه أبلغ من التشويق الذي ذُكر في البيت الشعري.

والثاني مما يجعل أهمية التشويق في حديث السبعة مهم جدا هو أن الأمر جد خطير ومهم وجلل وعظيم وهو الاستظلال في ظل العرش في يوم ليس فيه ظل إلا ذلك الظل ولذلك كان التشويق إلى معرفة هؤلاء السبعة عظيمًا.

إضافة إلى مسألة أنه ورد في هذا الحديث محسّن بلاغي بديع جدًا وهو التفصيل بعد الإجمال. عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم (سبعة) هذا أمر مُجمل فيأتي بعده ويقول (إمام عادل، شاب نشأ في عبادة الله، رجل قلبه معلق بالمساجد، رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقل إني أخاف الله، رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) فصّل عليه الصلاة والسلام في سبعة أصناف بعد الإجمال، والتفصيل بعد الإجمال من أجمل الأمور إضافة إلى التشويق الذي ذُكر كأنك تقول: عندي اثنان ناجحان، فتشتاق النفوس من هذان؟ فتقول: خالد وأحمد، هنا يكون التشويق قد أدّى مبلغه وأحسن في معناه ولفظه.

 

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل