بلاغة آية وحديث - الحلقة الثانية

برنامج بلاغة آية وحديث

د. إبراهيم السماعيل

ضمن برنامج الرسالة اليوم

تفريغ موقع إسلاميات حصريا

الحلقة الثانية

تكلمت عن الآية العظيمة التي وردت في سورة النحل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴿٦٨﴾ ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴿٦٩﴾النحل) الآن بعد أن عرفنا مناسبة الآية لما قبلها من الآيات وما بعدها وانتظمت معها انتظام الحلقة الرائعة في العقد الثمين أتكلم عن دلالة حرف من حروف المعاني وهو كلمة (من) في قوله تعالى (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) العلماء رحمهم الله تكلموا عن هذه اللفظة القرآنية البديعة وحسن موقعها في هذا السياق.

لما نقرأ قول الله تعالى (أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا) ولم يقل الله تعالى (أن اتخذي في الجبال بيوتا وفي الشجر) وإنما قال (مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) من الجبال، من الشجر، مما يعرشون. والسبب أن حرف (من) هنا للدلالة على ما يسمونه التبعيض أي اتخذي أيتها النحلة من بعض الجبال بيوتا لك ومن بعض الشجر بيوتًا لك ومن بعض ما يعرش الناس ويبني الناس بيوتًا لك، لماذا؟ لأنه ليس كل الجبال تصلح أن تكون بيوتًا للنحل ولا كل الشجر تصلح أن تضع فيها النحل خلاياها وخليتها بيوتها التي تبنيها بأشكالها السداسية والمعروفة وليس كل ما يبني الناس ويعرشون من العريش المرتفع يصلح أن يكون بيتًا لك أيها النحلو، ولذلك بوحي الله لك اتخذي من الجبال ومن الشجر ومما يعرش الناس بيوتًا لك فابحثي بوحي الله لك وبإلهامه لك عن المكان المناسب الذي يناسب أن تتخذي فيه البيوت. لذلك يقول الرازي فإن فيها ما يوافق مصالحها وما يليق بها، هنالك ابحثي عنه، وهذا ما أشار إليه الزمخشري في كتابه الكشاف الذي بيّن فيه أن (من) هنا للدلالة على التبعيض يعني اتخذي من بعض الجبال. وهذا سبحان الله في إعجاز الله في كتابه العظيم أننا لو بحثنا في كل الجبال يمنة ويسرة ومن هنا وهناك لم يجد الجبال كلها مكانًا للنحل وانظر إلى عدد أشجار الدنيا هل نجد في كل شجرة بيتًا للنحل وخلية لها؟ الجواب بلا شك ومن الواقع: لا، وألف لا. لذلك هذا مصداق قول الله تعالى (مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) وليست تتخذ في كل جبل بيتًا وهذه حكمة من الله سبحانه وتعالى بالغة قد نعلم منها شيئا ويخفى عنا منها أشياء وأشياء إذ لو كانت النحل في كل جبل وفي كل شجر وفي كل ما يعرش الناس ربما آذت الناس وربما هم آذوها فيما يبحثون عنه.

العجيب أن (من) هذه تكررت بعدها بآية واحدة عندما قال الله سبحانه وتعالى (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا) جاءت (من) في (مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) للتبعيض يعني بعض الجبال، بعض الشجر، بعض مما يعرشون، لكن من في السياق الآخر (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) العجيب في أحد القولين وهو والله أعلم الصحيح فيها أن (من) الثانية في قوله (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) ليست مثل (من) الأولى التي هي بمعنى بعض الجبال وبعض الشجر وإنما هي بمعنى ابتداء الغاية أي كلي من كل ما تريدين وليس من بعض ما تريدين وهذا فضل عظيم من الله ومنّة على هذا المخلوق العجيب في تكوينه وفيما يخرج منه وهو النحل إذ أن الله أعطاها الله ما تستمريه وتشتهيه من كل الثمرات فالذي يناسبك أيتها النحلة كُليه الذي يصلح لك خذيه من غير أن تختاري التبعيض وهو محرم عليم بعضه وجائز لك بعضه وإنما هو كله حلال لك وهذا أفاد من ضمن ما أفاد في السياق أفاد حرف العطف (ثم) لأن الله تعالى قال (ثُمَّ كُلِي) وكأنه قال سبحانه وتعالى أما السكن فبعض يصلح وبعض لا يصلح، فيه تحجير عليها لأن ليس كل السكن يناسب النحل وأما الأكل فكلي مما شئت، ولذلك جاء بين (من) الأولى و (من) الثانية حرف (ثم) لأن الله تعالى قال: اسكني الذي يناسبك ثم كلي من ما شئت كأنك تقول لشخص: راعِ الحلال فيما تأكله ثم كُل من أي شي شئت، كأنك تقول اجتنب الأمور الممنوعة في نظام الدولة والمعيشة ونظام المجتمع الإنساني ثم افعل ما تشاء (ثم) وقعها هنا جاءت الموقع البديع. أما السكن فشيء يصلح وشيء لا يصلح وأما الأكل فكله مما أباح الله لهذا المخلوق العجيب النحلة كأنه قال كلي من كل الثمرات ولا تبالي فإن هذا هو الذي سيُخرج بعد ذلك العسل. ولذلك ورود (من) في (مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) وورودها في (مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) مع أن الرسم نفسه (مِن) إلا أن المعنى مختلف تماما وهذا من عظيم بلاغة القرآن الكريم وحسن نظمه وإعجازه وعظمة من قاله وأنه كتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه جلّ من أنزله وصلى الله على من بلّغه إلينا صلاة وسلاما تامّين.

بلاغة حديث

نكمل ما سبق في الحلقة السابقة من وقفات بلاغية مع الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما حديث  "سبعة يظلهم الله في ظله". من الوقفات البلاغية في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم

بلاغة العدد ودلالته في الهدي النبوي، للعدد بلاغة خاصة في البيان النبوي ومن ضمنه ما ورد معنا الآن حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (سبعة) ذكر العدد وهناك كما قال صلى الله عليه وسلم "إن فيك خصلتان اثنتين" وقال "ثلاث لا يغلّ عليهم قلب امرئ" أحيانا النبي صلى الله عليه وسلم يقصد العدد قصدًا ويشير إليه بلفظه.

أما العدد سبعة وهو الوارد في حديثنا "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" جعلنا الله وإياكم ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا منهم، العدد سبعة له اعتبار في الشرع بتتبع النصوص المقدسة القرآنية والنبوية ومن أحسن من تكلم عن العدد سبعة الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى عندما تحدث في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد فقال: وأما خاصية السبع فإنها وقعت قَدَراً وشرعاً ، فخلق الله عز وجل السموات سبعا، والأرضين سبعا، والأيام سبعا، والإنسان كمّل خلقه في سبعة أطوار، وشرع الله لعباده الطواف سبعا، والسعي بين الصفا والمروة سبعا، ورمي الجمار سبعا سبعا، وتكبيرات العيدين سبعا في الأولى، وقال صلى الله عليه وسلم: (مروهم بالصلاة لسبع) وإذا صار للغلام سبعُ سنين خُيِّر بين أبويه في رواية، وفى رواية أخرى: أبوه أحق به من أمه وفى ثالثة : أمه أحق به، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه أن يصب عليه من سبع قرب، وسخَّر الله الريح على قوم عاد سبع ليال، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينه الله على قومه بسبع كسبع يوسف، -أي سبع سنوات من الجدب - ومَثَّل الله سبحانه ما يضاعف به صدقة المتصدق بحبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، والسنابل التي رآها صاحب يوسف سبعا، والسنين التي زرعوها سبعا، وتضاعف الصدقة إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ويدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب سبعون ألفا.ثم عَلَّق ابن القيم قائلا: فلا ريب أن لهذا العدد خاصية ليست لغيره، والسبعة جمعت معاني العدد كله وخواصه، فإن العدد شفع ووتر، والشفع أول وثان، والوتر كذلك، فهذه أربعة مراتب ، شفع أول وثان، ووتر أول وثان، ولا تجتمع هذه المراتب فى أقل من سبعة، وهى عدد كامل جامع لمراتب العدد الأربعة ، ثم قال : والله تعالى أعلم بحكمته وشرعه وقَدَره في تخصيص هذا العدد هل هو لهذا المعنى أو لغيره"

فلا ريب كما يقول ابن القيم أن العدد سبعة ومنه حديثنا الذي نحن فيه بلاغته في ذكر سبعة والله تعالى أعلم بهذا العدد حتى أشار رحمه الله إلى أنه هو كمال الشفع والوتر هو بلاغ العدد سبعة، بل قال رحمه الله إن الأطباء اهتموا بهذا العدد سبعة حتى قال ابقراط: كل شيء في هذا العالم فهو مقدّر على سبعة أجزاء والنجوم سبعة والأيام سبعة وأسنان الناس سبعة أولها الطفل ثم الصبي ثم المراهق ثم الشاب ثم الكهل ثم الشيخ ثم الهرم إلى أن ينتهي عمره والله أعلم بحكمة هذا الرقم لكنه رقم ورد مخصصا في الحديث النبوي الشريف فلا بد أن يشار إلى بلاغته وهو ما سنقف عند بلاغته في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.

 

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل