تفسير وتدبر سورة الفاتحة - تأملات ووقفات في الآية (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

 تفسير وتدبر سورة الفاتحة

وقفات وتأملات في الآية (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
بقلم صفحة إسلاميات

• أنت في رحلة إلى الآخرة منذ خُلقت والسفر يحتاج إلى زاد ويحتاج إلى رفيق صالح يعينك في وحشة الطريق لذللك الله تعالى أن تسأله هدايتك الصراط المستقيم وهدايتك لتكون في قافلة المسافرين الصالحين الذين سبقوك وأنعم الله عليهم بالهداية ويسّر لهم الرفقة الصالحة الطيبة، وأنت ما عليك إلا أن تتبع خطى السالكين من قبلك الذين شهد الله تعالى لهم بالهداية والإنعام عليهم فهذا يشعرك أنك حقا على الصراط المستقيم وأنك في رفقة هؤلاء السالكين جميعا من لدن آدم عليه السلام إلى أن تنتهي الدنيا... استشعر وأنت تدعو الله بهذا الدعاء أنك ترى الأنبياء من أبي الأنبياء جميعا إبرهيم الخليل عليه الصلاة والسلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم وترى الصحابة الكرام الذين عرفتهم قبل أن تتعرف عليهم وترى الشهداء من الأمم والصالحين منهم، تأكد أنك ستصل مع الفرقة الناجية الفائزة إلى محطة السعادة الأبدية..
• ديننا دين جماعة وسورة الفاتحة أنت تدعو بها كفرد أيها العبد المسلم ولكن بصيغة الجمع لتستحضر دائمًا أنك فرد مسؤول في جماعة وعن جماعة فما ينجيك ينجيهم وما تحبه لنفسك تحبه لهم فالمسلم لا يكفي أن يكون صالحًا في نفسه فقط فيقول مالي وللناس؟! وإنما الأولى أن يتعدى صلاحه إلى مجتمعه وأمته لأن الإسلام دين تكافل وتكامل، فكما تحب أن يهديك الله تعالى للصراط المستقيم ادعوه أن يهدي غيرك من المسلمين واحتسب كم من الأجر لك وأنت تدعو بظهر الغيب لأناس لا تعرفهم وإنما جمعتك بهم أخوة الدين ووحدة المآل والمصير.
• استحضر وأنت تطلب الهداية على صراط الذين أنعم الله عليهم أنك تطلب من الله تعالى أن يزيد في أعداد الأمة المسلمة خير أمة أخرجت للناس لخاتم الأنبياء والمرسلين فتسعد قلب نبيك عندما يرى أمته أكثر الأمم يوم القيامة بينما يأتي النبي ومعه النفر والنفران ويأتي النبي وليس معه أحد..
• طلبت الهداية في قولك (اهدنا الصراط المستقيم) لكن الله تعالى يعلّمك شروط الدعاء فالفاتحة كلها دعاء وكلها تعليم لآداب الدعاء..فلا ينبغي لك ن تطلب ما لا تعرفه لذلك عرّف لك الصراط الذين تطلبه، فهو صراط مستقيم وهو صراط الذين أنعم الله عليهم لا صراط المغضوب عليهم ولا الضالين..وليكن هذا حالك في دعائك فكم من المسلمين يردد أدعية لا يعرف معناها!! فحريٌّ بنا عندما ندعو أن نعرف معنى ما ندعو به وإلا فكيف نستشعره بقلوبنا وندعو به دعاء المضطر الملحّ على ربه بالإجابة؟!
• اطلب الهداية وأنت موقن بالإجابة دون أن يكون في قلبك أدنى شك أو ريب أن الله تعالى يقبل دعاءك ولا تجعل جواب الله تعالى يغيب عن بالك وأنت تدعوه "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" ادعوه وأصغِ بقلبك للإجابة وقل الحمد لله الذي أمرنا بالدعاء ووعدنا بالإجابة والله هو الحق ووعده حق. اسأله الهداية بصدق وستجد أثرها حقًا في قلبك واستبشر وافرح بالجائزة التي تحصل عليها كل يوم 17 مرة على الأقل... ولكن إياك وأن تستكين وتقول طلبتها مرة بصدق ويكفي، لماذا أكرر الدعاء بالهداية؟! أنت محتاج لها في كل لحظة لأنك لا تملك الثبات على الهداية إلا إذا استعنت بالله ولا تضمن لنفسك أن لا تزيغ عن الحق أو تنحرف عنه إلا إذا كررت الاستعاذة بالله تعالى.
• وأنت تكرر هذا الدعاء كل يوم كن موقنا بتعريف الله تعالى بالمغضوب عليهم والضالين ولا تنساق وراء أوهام حقوق الإنسان وتعايش الديانات واحترام الآخر فتتحرّج أن تعرّفهم بتعريف الله لهم فهو سبحانه خلقهم ويعلم حالهم وسرائرهم زلا يخفى عليهم شيء من أمرهم. فتعلّم من هذه الآية أن تسمي الأشياء بمسمياتها دون تردد ولا مواربة ولا تزييف للحقائق والزم حدود الأدب مع الله فمن حكم الله الحكيم العليم الخبير عليه بالضلالة والانحراف والغضب فهو كذلك صدقًا وحقًا...
• استحضر وأنت تدعو بهذا الدعاء أنك ستجاهد نفسك مع الدعاء بأن لا تكون من هؤلاء المغضوب عليهم أو الضالين، فأنت تبذل الأسباب مع توكلك على الله تعالى ودعائه وطلب الهداية منه والاستعانة به، فكل ما وصلك من علم في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق وأنت مسؤول أمام الله تعالى عنه هل تبعته أم لا؟! وماذا فعلت به؟ العلم الحق الذي وصلك لا خيار لك أمامه سوى الإتباع إن أردت أن تكون ممن أنعم الله عليهم وإنما حالك معه: سمعنا وأطعنا. وجاهد نفسك على أن تتعلم ما لا تعلمه من أمور دينك الحق فلا تكون جاهلًا مع الجاهلين ولا تختلق الأعذار الواهية فلا عذر لك بجهلك خاصة في هذا العصر الذي صار العلم يأتيك عل طبق من فضة وأنت جالس في مكانك وتحت ضغطة زر واحد من اصبعك يمكنك أن تتعلم مسائل شرعية وفقهية وكل ما يتعلق بدينك وكتابك وسنة نبيك. فلا تتعبد الله عن جهل، إلى متى ستظل جاهلًا بصفة الوضوء الصحيح؟ وصفة الصلاة الصحيحة وأحكامها وأركانها وشروطها؟ وإلى متى ستصوم وأنت لا تعلم شيئا من أحكام الصيام؟ وتحج وأنت لا تعلم شيئا من أحكام الحج؟! ألا تخشى أن تكون من الضالين؟!! إلى متى ستجهل أسماء الله الحسنى فإذا سألك أحد عن معنى اسم منها وقفت مترددا متلعثما لا تعرف بماذا تجيب؟! إلى متى ستجهل أحكام الحلال والحرام؟!!!
• لأن الفاتحة هي أم القرآن وهي شاملة لمقاصده وأهدافع ذكر الله تعالى العقوبة المترتبة على مخالفة الصراط المستقيم دون التصريح باسم اليهود أو النصارى لتدل على عموم من اتصفوا بصفاتهم وفيه تحذير للأمة من أن ينحرفوا مثلهم فتصيبهم عقوبة مثل عقوبتهم. 
• تعلم أيها المسلم من هذا الدعاء (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) تعلّم أن تدعو الله بهدف عظيم فأنت تسأله الهداية إلى الصراط المستقيم لكمال الهدى وتمام الاستقامة التي هي أعلى الأهداف فاحرص في دعائك على الأهداف الجليلة وأما ما تحتاج في الطريق فأنت قد استعنت بالله تعالى عليها من قبل (إياك نعبد وإياك نستعين). فلتكن غاياتك عظيمة وأهدافك سامية عالية فأنت تطلب من العظيم سبحانه لمقام تريده عظيما عاليا في جنات النعيم..
• حرصك على الدعاء أن تكون ضمن ركب المنعم عليهم على الصراط المستقيم لأنك أيها العبد تعلم أنك ضعيف لوحدك قوي بإخوانك معرّض في اي لحظة أن يصيبك مرض الغفلة والضلالة والجهل والانحراف عن الحق لأنها أمراض معدية تنتقل عبر شياطين الإنس والجن ولست في مأمن منها إلا إذا تحصّنت بالدعاء لله والتجأت إليه ودعاؤك المتكرر بأن تكون مع المنعم عليهم هو ترياق حصانتك من الإصابة بالعدوى فلا تغفل عن هذه الدواء كل يوم...
• استشعر رحمة الله وأنت تطلب هدايتك الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم من قبلك ومن سينعم عليهم من بعدك إلى يوم القيامة فالنعمة رحمة من الرحمن الرحيم فطلب الهداية مبني على الرحمة، فقل الحمد لله على هذه النعمة واستشعر أن بدء الفاتحة بالحمد المطلق لله تعالى هو أولى ما تفتتح به هذه السورة العظيمة.. فالحمد لله رب العالمين..
• تفتتح قرآءتك بالاستعاذة من الشيطان الرجيم وتختم الفاتحة بالدعاء من الله تعالى أن يجنبك صراط المغضوب عليهم الذين علموا الحق وحادوا عنه وأولهم وعلى رأسهم ابليس فهو أول نموذج لهؤلاء المغضوب عليهم فاستحضر عند دعائك أنك لا تريد أن تكون من فريق رأسه عدو الله وعدوّ أبيك آدم وذريته...
• من علامات الهدى الاقتداء الجميل والتأسي الحسن بالمنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره ربه بالاقتداء بمن سبقه من الأنبياء (فبهداهم اقتده) أفلا نقتدي نحن بهم؟! أفلا نحب أن نكون في ركبهم متّبعين لهم بدل أن نكون ممن يتبعون أهل الشرك والبدع والضلالات حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلناه؟! أيّ الفريقين أحقّ أن يُتّبع؟!!
• الصراط المستقيم مدرسة لا تتوقف فصولها ولا تغلق أبوابها وفي كل لحظة يتخرّج منها كوكبة من الناجحين تتفاوت درجاتهم وأنت بلا شك ستكون في دفعة من الخريجين عاجلًا أم آجلًا فألحّ على ربك بالدعاء لتكون من السعداء بالتخرّج إلى الآخرة بمرتبة شرف وتقدير عالٍ مع حرصك على السعي الجاد والبذل لكل الأسباب الموصلة للنجاح الباهر مع الاستعانة بالله تعالى.
• (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) آية جمعت أصناف الخلق جميعًا لا يشذّ عنها أحد وسيأتي وصف هذه الأصناف مفصًلا في بدايات سورة البقرة وفي مواضع كثيرة في القرآن، ففي الفاتحة تعريف عام بهم وفي القرآن تفصيل لأوصافهم فنتأسى بالمنعم عليهم ونحذر ونتجنب المغضوب عليهم والضالين وكل من سار على هديهم.
• (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) آية تقرر حقيقة الحب في الله والبغض في الله وتقرر حقيقة الولاء والبراء واضحة لا مجال للبس فيها.. من تحبّ؟ ومن توالي؟! إن لم يستقر في قلبك من هم الذين ينبغي أن تحبهم وتواليهم وأنت تكرر الفاتحة كل يوم 17 مرة على الأقل فأنت ما قرأت سورة الفاتحة بعد ولا وصلك شيء من هداياتها ولا طرق مسامع قلبك رسالة من رسائلها!! فأعد القرآءة من جديد لكن بقلبك هذه المرة لعل الله تعالى يعينك في إزالة الحجب والأقفال عنها فتشرق بالهداية والحب في الله والولاء لأوليائه والبغض لأعدائه..
• هل علمنا الآن بعد كل ما تقدم لماذا سميت الفاتحة سورة الدعاء؟! هي سورة فيها الحوائج الأصلية التي لا بد للعباد منها ففيها أفضل وأنفع دعاء (دعاء الهداية) وفيها تعليم العبد الدعاء بين يدي ربه بتقديم الثناء والحمد له وفيها تعليم التوازن بين الثناء لمن تدعوه وطلب الدعا لنفسك ولذلك قسمت الفاتحة نصفين نصف ثناء ونصف دعاء، قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصف الثناء لله تعالى ونصف الدعاء للعبد، والثناء صدقة اقدمها بين يدي دعائك تطهّر بها قلبك من التعلق والاستعانة بغير الله ونزكي نفسك فلا تطلب إلا ممن بيده كل شيء مالك الدنيا والآخرة وملكهما...

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك..
صفحة إسلاميات

تمت الإفادة بعد توفيق الله تعالى في كتابة هذه السطور من المصادر التالية:
مجالس القرآن – د. فريد الأنصاري
تكرار الفاتحة، القوة الكامنة – د. إبراهيم الدويش
من هدايات سورة الفاتحة – عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
تحريك الجنان لتدبر وتوقير أم القرآن – د. عصام العويد


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل