تفسير وتدبر سورة الفاتحة - لمسات بيانية في الآية (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

تفسير وتدبر سورة الفاتحة
لمسات بيانية في الآية (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
د. فاضل السامرائي - برنامج لمسات بيانية
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(الرجاء نسخ رابط الصورة لمن أراد مشاركتها لا عن طريق زر المشاركة جزاكم الله خيرا)
https://www.facebook.com/islamiyyatgroup/photos/pb.490473380974611.-2207520000.1434355180./953529694668975/?type=1&theater

(صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين)
* جاءت كلمة الصراط مفردة ومعرفة بتعريفين: بالألف واللام وبالإضافة وموصوفاً بالاستقامة ليدل على أنه صراط واحد ، وأي طريق آخر غير هذا الصراط المستقيم لا يوصل إلى الله تعالى ومرضاته .
لم ترد كلمة الصراط في القرآن مجتمعة أبداً بخلاف السبيل فقد وردت مفردة ووردت جمعاً (سبل) لأن الصراط هو الأوسع وهو الذي تفضي إليه كل السبل (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) وهو طريق الاسلام الرحب الواسع. 
ثم زاد هذا الصراط توضيحاً وبياناً تعريفه بالإضافة (صراط الذين) وجمعت هذه الآية كل أصناف الخلق المكلفين ولم تستثني منهم أحداً ولا يخرج المكلفون عن هذه الاصناف الثلاثة :
1) الذين أنعم الله عليهم هم الذين سلكوا الصراط المستقيم وعرفوا الحق وعملوا بمقتضاه.
2) الذين عرفوا الحق وخالفوه (المغضوب عليهم) ويقول قسم من المفسرين أنهم العصاة.
3) الذين لم يعرفوا الحق وهم الضآلين (يحسبون انهم يحسنون صنعا) هم من الاخسرين.

* قال تعالى (أنعمت عليهم) ولم يقل تنعم عليهم فاختار الفعل الماضي على المضارع: لأنها أوسع وأشمل وأعم لأنه :

-- إذا قال تنعم عليهم لأغفل كل من أنعم عليهم سابقاً من رسل الله والصالحين ولو قال تنعم عليهم لم يدل في النص على أنه سبحانه أنعم على أحد.
-- إذا قال تنعم عليهم لاحتمل أن يكون صراط الأولين غير الآخرين ولا يفيد التواصل بين زمر المؤمنين من آدم عليه السلام إلى ان تقوم الساعة. مثال: اذا قلنا أعطني ما أعطيت امثالي فمعناه أعطني مثل ما أعطيت سابقا، ولو قلنا أعطني ما تعطي امثالي فهي لا تدل على أنه أعطى أحدا قبلي. 
-- ولو قال تنعم عليهم لكان صراط هؤلاء أقل شأناً من صراط الذين أنعم عليهم فصراط الذين أنعم عليهم من أولي العزم من الرسل والأنبياء والصديقين أما الذين تنعم عليهم لا تشمل هؤلاء. 
-- الإتيان بالفعل الماضي يدل على أنه بمرور الزمن يكثر عدد الذين أنعم الله عليهم فمن ينعم عليهم الآن يلتحق بالسابقين من الذين أنعم الله عليهم فيشمل كل من سبق وأنعم الله عليهم فهم زمرة كبيرة من أولي العزم والرسل وأتباعهم والصديقين وغيرهم وهكذا تتسع دائرة المنعم عليهم أما الذين تنعم عليهم تختص بوقت دون وقت ويكون عدد المنعم عليهم قليل لذا كان.

* عبر عن المنعَم عليهم باستخدام الفعل و(المغضوب عليهم) و(الضآلين) بالاسم :
- الفعل يدل على التجدد والحدوث والاسم يدل على الشمول والثبوت فوصفه أنهم مغضوب عليهم وضالون يدل على الثبوت والدوام.
- لو قال صراط المنعَم عليهم بالاسم لم يتبين من الذي أنعم فبيَّن المنعِم (أنعمت عليهم) لأن النعم تقدر بمقدار المنعِم.
- من عادة القرآن أن ينسب الخير والنعم إليه سبحانه وينزه نسبة السوء إليه (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا) وقد يقول (إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم) لكن لا يقول زينا لهم سوء اعمالهم.

* ذكرت المغضوب عليهم بصيغة إسم المفعول والضالين بصيغة إسم الفاعل:
- أولاً جيء بكل منهما إسماً ولم يقل صراط الذين غضب عليهم وضلوا للدلالة على الثبوت فالغضب عليهم ثابت والضلال فيهم ثابت لا يرجى فيهم خير ولا هدى.
- مغضوب عليهم إسم مفعول يعني وقع عليهم الغضب لم يذكر الجهة التي غضبت عليهم ليعم الغضب عليهم ولا يتخصص بغاضب معين غضب الله وغضب الغاضبين لله من الملائكة وغيرهم بل سيغضب عليهم أخلص أصدقائهم في الآخرة ويتبرأ بعضهم من بعض حتى جلودهم تتبرأ منهم ، فحذف جهة الغاضب فيه عموم وشمول ، أما الضالين فهم الذين ضلّوا.

* لو قال غير المغضوب عليهم والضالين وحذفت (لا) فقد يفهم أن الابتعاد هو للذين جمعوا الغضب والضلالة فقط كأنه فريق واحد بصفتين: مغضوب عليهم وضالين، ومن لم يجمعها (المغضوب عليهم) فقط أو (الضآلين) فقط فلا يدخل في الاستثناء، فإذا قلنا مثلاً لا تشرب الحليب واللبن الرائب أي لا تجمعهما أما إذا قلنا لا تشرب الحليب ولا تشرب اللبن الرائب كان النهي عن كليهما إن اجتمعا أو انفردا.

* لو قال (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) سيجعلهم بمنزلة سواء (غير وغير) لكن المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الطريق ولم يتبعوه وانحرفوا وحساب هذا العارف بالطريق ولم يتبعه غير حساب الذي لم تبلغه الدعوة أو لم يعرف فالضالّ أقل جُرماً. 
فاستعمل الإسم (غير) الذي هو أقوى من الحرف (لا) لهؤلاء الذين عرفوا وإنحرفوا، ثم إستعمل الحرف (لا) الذي هو أقل شأناً وفيه معنى التوكيد (ولا الضالين). 

* قدم اذن المغضوب عليهم على الضآلين :
- المغضوب عليهم الذين عرفوا ربهم ثم انحرفوا عن الحق وهم أشد بعداً لأنه من علم ليس كمن جهل لذا بدأ بهم وفي الحديث الصحيح أن المغضوب عليهم هم اليهود والنصارى فهم الضالون. واليهود أسبق لذا بدأ بهم.
- صفة المغضوب عليهم هي أول معصية ظهرت في الوجود عندما أمر إبليس بالسجود لآدم وهو يعرف الحق ومع ذلك عصى الله تعالى وهي أول معصية ظهرت على الأرض أيضاً عندما قتل ابن آدم اخاه ولذا بدأ بها.
- جعل المغضوب عليهم بجانب المنعم عليهم فالمغضوب عليهم مناقض للمنعم عليهم والغضب مناقض للنعم.

* خاتمة سورة الفاتحة هي مناسبة لكل ما ورد فيها فمن لم يحمد الله تعالى ومن لم يؤمن بيوم الدين وأن الله سبحانه مالك يوم الدين وملكه ومن لم يخص الله تعالى بالعبادة والاستعانة ومن لم يهتد الى الصراط المستقيم فهم جميعاً مغضوب عليهم وضالون.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل