تفسير وتدبر سورة الفاتحة - (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

تفسير وتدبر سورة الفاتحة
تفسير الآية: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
إعداد صفحة إسلاميات

رابط هذا المنشور لمن يريد مشاركته
https://www.facebook.com/islamiyyatgroup/photos/a.533184136703535.117258.490473380974611/952761954745749/?type=1&theater

تفسير الآية من محاضرات دورة الأترجة القرآنية – د. محمد الربيعة
قال الله عز وجل: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) ما فائدة إعادة لفظ الصراط وتعريفه بأنه صراط الذين أنعمت عليهم؟ 
مع أن سورة الفاتحة مختصرة وسورة جمعت أجمع المعاني إلا لأن هذا أمر عظيم يجب أن نستشعره 
1- هذه الآية غرضها التعريف بالصراط المستقيم وأثره، حتى يتضح لك مـا هو الصراط المستقيم فأنت حينما تقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) فيأتيك سؤال ما هو الصراط المستقيم؟ لم يترك الله عز وجل الجواب في سورة أخرى أو في آية أخرى، وإنما جعله مباشرة في هذه السورة فقال هو: (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فتأملوا معي: قولك (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) هذا تعريف بالصراط وقولك (الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) المراد بالنعمة هنا كمال الهداية للدين الباعث على كمال التفضيل في الدنيا والآخرة المؤدي لكمال الجزاء وهذا هو المتوافق مع مقصد السورة كما ذكرت وهو الأنسب لكمال الطلب. وهنا سر لماذا قال (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ولم يقل صراط المؤمنين أو صراط الأنبياء المرسلين؟ 
لأن قوله والله أعلم (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) فيه تشويق للنفس أن هؤلاء منعم عليهم فهنا كل قارئ متدبر يقول من هم الذين أنعم الله عليهم أريد أن أكون منهم أريد أن أتصف بصفاتهم حتى أكون ممن أنعم الله عليهم فهنا سر التعبير بقوله (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ولم يقل صراط المؤمنين. فيه تشويق وهذا منهج قرآني عظيم يمكن أن نأخذ منه منهجاً تربوياً في أسلوبنا أننا نشوق للشيء بالتعبير عنه بما يشوق السامع ويدفعه ويرغبه ولله تعالى المثل الأعلى في هدايته وتوجيهه. 
فالمراد بالنعمة هنا كمال الهداية للدين وكمال التفضيل في الدنيا والآخرة وكمال الجزاء يعني أنعمت عليهم بالهداية للدين وأنعمت عليهم بالتفضيل في الدنيا والآخرة وأنعمت عليهم بكمال الجزاء انظروا كيف اشتمل قوله (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) ثلاثة أمور: 
كمال الهداية وكمال التفضيل في الدنيا والآخرة وكمال الجزاء في الآخرة في جنته ورضوانه فما أعظم هذا المعنى العظيم فتأمله!!. 
وفسر المفسرون معنى الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بمعاني كثيرة قالوا هم المؤمنون، هم أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، لكن فسّرها الله بآية في كتابه في قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) يتبين لك بهذه الآية أن المقصود المنعم عليهم من هم؟ 
كُمّل الخلق الكاملون لأنه قال: النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهؤلاء أعظم الخلق ولذلك قال الله (وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) فأنت - وهو معنى لطيف - أرجو أن تستشعره حين تقول (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) تتطلع نفسك إلى أن يهبك الله عز وجل منزلة رفيعة مع هؤلاء مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين فحين يكون هذا همك لا شك أنك تسعى إلى أن تحقق عبودية الله على أكمل وجه وكما قلنا أن الفاتحة في كمال العبودية جاء هنا بالجزاء على أكمل وجه يطلبه العبد. 
وتأملوا أنه قال (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) ولم يقل (أُنعم عليهم) كما قال الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولم يقل (غضبت عليهم) لماذا؟ 
ما الفرق بين قولنا (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) وقولنا (أُنعم عليهم) لأن قولك (أنعمت) فيه إضافة النعمة إلى الله عز وجل وهو أشرف وأعظم وأكرم فأنت هنا تقول يا رب أدخلني مع من أكرمتهم وشرفتهم وأنعمت عليهم وتصوروا كلمة أنعمت هنا فيها نعيم، أنعمت يعني تنعموا وبماذا تنعموا؟ بكل شيء حتى في أمور دنياهم هم أنعم الناس فأولى ما يكون في نعيمهم، نعيمهم مع الله فهم حين عبدوا الله وتقربوا إليه كانوا من النعيم ما لا يمكن لأهل الدنيا وهم أيضاً كانوا في حياتهم الدنيا على أحسن حال وأكمل نعيم الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) هذه تدخل فيها لكن في آيات أخرى تدل على أن المؤمنين هم أكثر الناس حياة طيبة ونعيماً في قلوبهم وسرورهم وعيشهم، العيش ليس هو بالأجساد ولا بالمظاهر وإنما هو بالقلوب وما فيها من السرور فأسند النعمة إليه سبحانه وتعالى هنا لكمال التشريف لهم ولذلك لم يسنده في (المغضوب عليهم) فقال (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ فهنا كأن الله عز وجل أبعد أولئك وقطع عنهم تكريمه فقال المغضوب عليهم ولم يقل غضبت عليهم، قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) يتضمن بيان طرفي الانحراف عن الصراط يعني بعد أن أكرمك الله وعرّفك بالصراط المستقيم حين تسلك هذا الطريق تعلم أن في هذا الطريق كلاليب شياطين تريد أن تصرفك فبيّن الله لك أن هناك طريقان للانحراف ابتعد عنهما واسأل الله عز وجل أن يقطع عنك سبيلهما وأن يحفظك منهما فقال (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) الله أكبر ! 
انظر كيف حُفّ المؤمن وهو يقرأ هذه الآية ويسأل الله عز وجل إلى أن يكون مداوماً مستقيماً قد تستقيم على دين الله وقت ووقت قد تفتر أو تصرف أو تنحرف بسبيل أو آخر لكن الله تعالى هنا يوفقك ويبين لك سؤاله الحذر من طريق المنحرفين فقال (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فهذه الآية اشتملت على بيان طريقي الانحراف عن الصراط المستقيم وأن الانحراف كما قال ابن القيم إلى أحد الطرفين: 
انحراف إلى ضلال الذي هو فساد العلم والاعتقاد 
والانحراف إلى الطريق الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل 
طريقان للانحراف الطريق الأول هو انحراف بقصد والانحراف الثاني انحراف الجهل فالطريق الأول تمثله اليهود فكفروا بالله عز وجل مع علمهم وما عندهم والنصارى عبدوا الله بجهل فالطريق الأول يشمل من أشرك بالله أو ابتدع عامداً يدخل في ذلك والطريق الثاني هو من عبد الله بجهل ولم يسلك سبيله المستقيم فشمل ذلك الطريقان جميعاً. 
وعليه فالمقصود هنا طلب السلامة من طرفي الانحراف وأصوله ولهذا عبر بوصفي الغضب والضلال اللذان هما أصل الانحراف، والنبي صلى الله عليه وسلم خص اليهود والنصارى ففسر (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ) باليهود (وَلَا الضَّالِّينَ ) بالنصارى، لماذا؟ لأن هاتين الطائفتين هما أظهر من اتصف بذلك من جهة أنهما جمعا أو جمعتا طرفي الانحراف وأصل الضلالة ومخالفة الهدى وهما الكبر والجهل، فاليهود كان انحرافهم بالكبر وفساد القصد والعمل والنصارى كان انحرافهم بالجهل وفساد العلم والاعتقاد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فمن عرف الحق ولم يعمل به أشبه اليهود ومن عبد الله بغير علم بل بالغلو والشرك والبدعة أشبه النصارى فالأول من الغاوين والثاني من الضالين ومن جمع الضلالة والغي ففيه شبه من هؤلاء وهؤلاء) 
فحينها تتأمل هذا الدعاء العظيم أن الله يسلك بك طريقه المستقيم الكامل في الدنيا وفي الآخرة وأن الله يسلمك من طرق الانحراف من أصولها وما يدخل فيها فإنك بذلك قد حزت على أكمل توفيق وأعظم مسؤول وأعظم سؤال تسأله ربك فاستحضر هذا المعنى يارعاك الله. 

وذكر صاحب الظلال رحمه الله في تفسير الآية:
وبعد تقرير تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتقرير الاتجاه إلى الله وحده بالعبادة والاستعانة.. يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى الله بالدعاء على صورة كلية تناسب جو السورة وطبيعتها:
{اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين}..
{اهدنا الصراط المستقيم}.. وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل؛ ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته.. فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته. والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين. وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه.
فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين.. وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين.
ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم:( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)..فهو طريق الذين قسم لهم نعمته لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلا إليه.. إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين..وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة , والتي لا تصح بدونها صلاة.
وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي ; وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور .
وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه , عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم:" يقول الله تعالى:قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين.
فنصفها لي ونصفها لعبدي , ولعبدي ما سأل.. إذا قال العبد:الحمد لله رب العالمين.
قال الله:حمدني عبدي.
وإذا قال الرحمن الرحيم.
قال الله أثني علي عبدي.
فإذا قال:مالك يوم الدين.
قال الله:مجدني عبدي.
وإذا قال:إياك نعبد وإياك نستعين.
قال:هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.
فإذا قال:اهدنا الصراط المستقيم.
صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
قال:هذا لعبدي ولعبدي ما سأل "..ولعل هذا الحديث الصحيح - بعدما تبين من سياق السورة ما تبين - يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة ; أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة .



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل