تفسير وتدبر سورة الفاتحة - وقفات وتأملات في الآية (اهدنا الصراط المستقيم)

تفسير وتدبر سورة الفاتحة
وقفات وتأملات في الآية (اهدنا الصراط المستقيم)
إعداد صفحة إسلاميات

(إياك نعبد وإياك نستعين) هي خلاصة سورة الفاتحة و (اهدنا الصراط المستقيم) هي الغاية التي تنتهي إليها سورة الفاتحة، الصلاة، الدعاء، أم القرآن والسبع المثاني، وهي الثمرة التي تجنيها كل مرة تقرأ هذه السورة فتملأ قلبك بالأمن والسلام، وهي المبتغى لكل مؤمن يتعبّد الله بسورة الفاتحة...
وصلت الآن لأعظم لحظات المناجاة "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" وصلت الغاية فتمتّع بالهداية! فتح لك باب الإجابة من الكريم سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم وأعظم مطلوب تطلبه يصلح به حالك في الدنيا والآخرة هو الهداية (اهدنا الصراط المستقيم) وهذه ليست هداية عامة لأن الله سبحانه وتعالى بربوبيته قد هدى الخلق جميعًا هداية عامة بصفته الرحمن (وهديناه النجدين) (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) أما أنت فتطلب هداية خاصة بصفته الرحيم بالمؤمنين، تسأله هداية لك أنت أيها العبد المؤمن هداية يثبتك بها على الصراط المستقيم مهما انحرفت بها الأهواء والشبهات والزيغ والضلالات، تسأله سبحانه الثبات والتوفيق لعدم الإنحراف، ثبات على صراطه المستقيم الذي سلكه من قبلك الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، صراط الكُمّل من أهل السبق، الصراط الذي فيه كمال الإيمان وكمال اليقين وكمال النعم وكمال الهدى...
ودعاء الهدى في الفاتحة يحتاج لمقدمات وروافد تصب في بحر الهداية وهذه المقدمات هي الأذكار والأوراد اليومية التي تكررها ليل نهار فهذه الأذكار دعاء والدعاء هو العبادة والصلاة عماد الدين والفاتحة أساسها والدعاء ثمرتها وخلاصتها فالزم أيها العبد سبيل الدعاء والافتقار إلى الله فتربي قلبك على الإخلاص ويكون لك عند ربك منزلة ومكانة...فالدعاء هو التعبير الجامع عن حقيقة الإخلاص بما هو توجّه إلى الله بالافتقار الصادق لله تعالى رغبا ورهبا وتوحيدا وتفرّدا وما من عبادة إلا وهي تؤول إلى هذا المعنى الذي هو لبّ الدين، فكما أن سائر العبادات تحدم الصلاة التي هي خير أعمال المؤمن فإن سائر الأدعية تخدم دعاء الهدى...
هدى الصراط المستقيم هو أعظم نعمة من رب العالمين الرحمن الرحيم..
حياتك أيها العبد المؤمن إنما هي سير إلى الله عز وجلّ فإما أن تسلك صراطًا مستقيما يوصلك من غير انحراف ولا اعوجاج ولا ضلالة وإما أن تسلك سبلًا معوّجة متفرقة توصلك إلى عذاب الله وسخطه والعياذ بالله! فاسأل الله تعالى أن يهديك الصراط المستقيم واكدح في مسيرك إليه...
الهداية للصراط المستقيم لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى ولذلك سبق دعاء طلب الهداية من الله إعلان العبد السائل كمال العبادة والإخلاص والإستعانة بالله تعالى (إياك نعيد وإياك نستعين) فمن شروط الدعاء وآدابه الإخلاص لله تبارك وتعالى وحده فلن تجد الهدى إلا من الهادي سبحانه وتعالى فلا تتعب نفسك بطلبه من غيره سبحانه... فالله عز وجلّ يهديك ويبين لك معالم الصراط ويوفقك للثبات عليه وقد فصّل لك في القرآن كل هذا فلا تحتاج مع هذا البيان المفصّل أن تتلمس الهداية في غير القرآن... ومهما بدت لك بعض السبل برّاقة فحذار أن تسلكها وارجع إلى القرآن اقرأه باحثًا عن معالم الصراط المستقيم وهداياته ومثبتاته..
إن أردت التخلّق بهدايات الآية (اهدنا الصراط المستقيم) فاقرأها متلمسًا:
(اهدنا الصراط المستقيم) أظهر افتقارك إلى الله تعالى في طلبك الهداية منه وجاهد نفسك واستعن بالله أن لا تتوه في سبل الغفلة المعوجّة....
(اهدنا الصراط المستقيم) القرآن هو منهجك تتلقى منه الهدي من الله عز وجلّ فاحرص على مجالس القرآن تحفّك الملائكة وتشهد لك وتدعو وتستغفر لك...
الخلوة مع النفس ضرورة لك أيها العبد حتى تحاسب نفسك وتتعرف على مواطن الضعف فيها ومواطن الشبهات فتستعين بالله تعالى وتلتجئ إليه متضرعًا أن يزكّي نفسك وأن يهيك ويثبتك ويعينك على إصلاح نفسك وقلبك فتصفو سريرتك (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسّاها).
تفقد قلبك في ثلاثة مواطن: الصلاة والقرآن وتركك للمحرمات فإن وجدت خيرا فاحمد الله وإن وجدت في نفسك ضعفًا فضع لنفسك خطة وتدرّج من مقام إلى مقام مستعيذا بالله العظيم من كل شيطان رجيم، شيطان نفسك والهوى وشياطين الإنس والجن، مستعينا بالله متوكلا عليه حق التوكل راجيا الهداية والمعونة والتوفيق منه وحده سبحانه فهو الذي يملك قلبك ونفسك التي بين جنبيك ويقلب قلبك كيف يشاء...
(اهدنا الصراط المستقيم) سر الأسرار في تكرار الفاتحة هو طلب الهداية من الله سبحانه وتعالى للصراط المستقيم حين تكثر الأقاويل ويشتد النزاع وتنتشر الفرق والملل والبدع والخرافات والطوائف والأحزاب وحي تعصف بالناس الشهوات والشبهات واللذات وتضل العقول والأفهام وتكثر الآراء والتحليلات والمحن والفتن ويتبع الناس النجوم والأبراج وإذا ضاقت النفوس واشتد القنوط والياس وسيطر الشك والوساوس والتبس الحق والباطل الجأ إلى ربك طالبًا الهداية منه حتى لا تزيغ ولا تضل ولا تفتتن في دينك..
لا سبيل لسعادتك في الدنيا والآخرة إلا باستقامتك على الصراط المستقيم ولا سبيل لها إلا بهداية رب العالمين لك وهذه من أعظم نعم الله تعالى ومننه عليك أيها المؤمن... ألم يمنّ الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بها؟ (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴿١﴾ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢﴾ الفتح) فالهداية أُسّ الفضائل ولجام الرذائل والهداية هي الحياة الطيبة التي لا بد لها من شرطين: الإيمان والعمل الصالح (من عمل صالحا من ذكر وأثنى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)
حتى تستشعر مدى حاجتك أيها العبد للهداية اسأل نفسك كيف يكون حالك بدونها؟! العبد المؤمن لو فاته خيرٌ من عبادة أو عمل صالح أو فاتته صلاة أو ورد يومي أو صدقة يتألم لفواته فكيف إذا حُرم الهداية؟! سيصبح صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعّد في السماء... 
(اهدنا الصراط المستقيم) "اهدنا" فعل أمر ولكنه من الأدنى إلى الأعلى يقصد به الإلتماس والدعاء لا حقيقة الأمر... (اهدنا الصراط المستقيم) استشعر عظيم نعمة الله تعالى حين يجيبك "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل" الهداية كلها لك منّة من الله تعالى عليك فاطلبها وأنت موقن بحاجتك إليها مستشعرا فقرك لها، هي كلها لك ممن بيده وحده هدايتك سبحانه " يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم" استهدِ ربك وأحسن الطلب وألحّ عليه به يهديك سبحانه ويجب دعوتك..
(اهدنا الصراط المستقيم) دعاء تدعو به في صلاتك كل يوم وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بها صلاة الليل "اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وكان يستفتتح بها مجالسه "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ومن يهده اللخ فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له" وأنت أيها المؤمن تدعو بها في دعاء القنوت في صلاة الوتر كل ليلة "اللهم اهدني فيمن هديت" وتقول في جلسة التشهد (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) حتى العاطس تشمّته قائلًا (يهديكم الله) فالهداية دعوة عظيمة يحتاجها كل إنسان متصل بربه يعلم حاجته لهداية ربه بأنواعها كلها، هداية علم وهداية إرشاد وهداية توفيق وهداية توفيق وهداية معونة، فأنت بلا هداية كالأنعام بل أضلّ...
(اهدنا الصراط المستقيم) أنت تطلب الهداية في الدنيا على الصراط المستقيم الذي أوله في الدنيا ومنتهاه الصراط المنصوب على متن جهنم فإن هُديت إليه في الدنيا واستقمت عليه وانضبط في سيرك فيه سيكون مرورك على صراط جنهم سريعا كالبرق تعبر منه إلى جنات النعيم بإذن الله تعالى وبفضله ورحمته. ولهذا أنت بحاجة لتكرار هذا الدعاء يوميًا فاستشعر واستحضرالآخرة بين عينيك وقد قلت من قبل (مالك يوم الدين) حياتك كلها في الدنيا مرتبطة بحياتك في الآخرة، حياتك الحقيقية هناك وما تدعو الله به في الدنيا ينبغي أن يكون عونًا لك في الآخرة لتنال به سبل النجاة. شهوات الدنيا وفتنها وهوى النفس هي كلاليب على الصراط المستقيم في الدنيا تعيقك عن ثبات الخطى عليه وهي مثل كلاليب صراط الآخرة التي تريد أن تهوي بك في نار جهنم والعياذ بالله!...فدافع كلاليب الدنيا على الصراط تُدفع عنك كلاليب صراط الآخرة فتنجو...
(اهدنا الصراط المستقيم) ما هو الصراط المستقيم؟ هو صراط عرّفه الله سبحانه وتعالى في القرآن فقال تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينًا قيمًا) هو دين الإسلام وفسّره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن النواس بن سمعان: ضربَ اللهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وعلى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ فيهِما أبوابٌ مُفَتَّحَةٌ وعلى الأبوابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ وعلى بابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يقولُ يا أيُّها الناسُ ادْخُلوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا ولا تعوجُوا ودَاعٍ يَدْعُو من فوقِ الصِّرَاطِ فإذا أرادَ الإنسانُ أنْ يفتحَ شيئًا من تِلْكَ الأبوابِ قال ويْحَكَ لا تَفْتَحْهُ فإنَّكَ إنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ فالصِّرَاطُ الإسلامُ والسُّورَانِ حُدُودُ اللهِ والأبوابُ المُفَتَّحَةُ مَحارِمُ اللهِ وذلكَ الدَّاعِي على رَأْسِ الصِّرَاطِ كتابُ اللهِ والدَّاعِي من فَوْقَ الصِّرَاطِ واعِظُ اللهِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ. الراوي : النواس بن سمعان | المحدث : ابن كثير | المصدر : تفسير القرآن، الصفحة أو الرقم: 1/43 | خلاصة حكم المحدث : إسناده حسن صحيح.
(اهدنا الصراط المستقيم) لا يغترّ أحدنا ويقول: أنا مسلم فما حاجتي لسؤال الله الهداية وتكرار السؤال في كل يوم؟! اعلم أيها العبد أن هداية الله تعالى لك نوعان: هداية عامة هي هدايتك للإسلام وهداية مفصلة خاصة هي هدايتك إلى تفاصيل وأجزاء الإيمان والإسلام وهداية توفيق فأنت أيها المسلم تتعرض للفتن والضلالات والشبهات كل يوم وأنت بحاجة لمن يهديك للحق حين ينتفش الباطل، أنت بحاجة للثبات على الصراط في كل حين، ألا يتقلب قلبك بين شهوات النفس الأمارة بالسوء ومغريات الحياة وفتنتها وزينتها؟ ألا يفتر قلبك عن الطاعة؟ ألا تخبو جذوة الإيمان في قلبك؟ إذن أنت بحاجة للهداية في كل حين، فالهج أيها المؤمن بالدعاء الصادق المتبتّل لرب العالمين الرحمن الرحيم أن يهديك الصراط المستقيم ويثبتك عليه فلا يزيغ قلبك بعد أن هداك الله.. 
(اهدنا الصراط المستقيم) إعلان منك أيها العبد أك لولا هدايته الله تعالى لك ما اهتديت ولا صمت ولا صلّيت ولا رفعت يديك له بالدعاء فادعُ الله تعالى بها بكل جوارحك فأنت إنما تحيا بهداية الله تعالى لك واستشعر حاجتك لها واستشعر أنها نعمة من ربك تستوجب الحمد منك وتستوجب الشكر وشكرها يكون بالسعي والجد لالتزام الصراط المستقيم وتكرار طلبك للهداية يوحي بعظيم حاجتك وافتقارك لها فأنت بلا هداية مريض محتاج للدواء الذي يشفيك فاطلب الدواء ليل نهار واشف ضلال قلبك وزيغه وتقلّبه...
(اهدنا الصراط المستقيم) سؤال عظيم لا يعرف قدره وحاجته إلا من وفقه الله وسدده وقليل ما هم، فالهداية هي البيان والدلالة ثم التوفيق والإلهام، فأنت تطلب من الله أن يبين لك طريق الحق، وهذه هي هداية البيان، وتطلب من الله أن يوفقك لهذا الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وأن يثبتك عليه، وهذه هي هداية التوفيق، ونحن في زمننا هذا أشد ما نكون إلى هاتين الهدايتين، فنسأل الله أن يرزقنا إياها بمنِّه وفضله وكرمه...
(اهدنا الصراط المستقيم) إيمان بالقدر فأنت تستعين وتطلب من الله لأنك مؤمن أنه هو القادر على كل شيء وبيده كل شيء ويتصرف في ملكه كيف شاء.. فطلبك الهداية من الله تثبيت لإيمانك بأحد أركان الإيمان وتكرار هذا الدعاء مزيد تثبيت لك في كل يوم...
(اهدنا الصراط المستقيم) أمامك أيها السائر على هذا الصراط عوائق تعيق سيرك وينبغي لك أن تستعين بمن يقدر أن يثبتك على الصراط من عائق الشرك بالله وعائق البدع وعائق المعاصي فادعُ الله مخلصا له طالبا منه الهداية حتى ينجيك من الوقوع في هذه العوائق فتزل قدمك والعياذ بالله! 
(اهدنا الصراط المستقيم) دعاء أنت بأمس الحاجة إليه أيها المؤمن ليل نهار ورب العالمين الرحمن الرحيم علم حاجتك له فجعله دعاء في الفاتحة التس هي أس الصلاة وجعلك تكرره في اليوم والليلة 17 مرة على الأقل فاحمد الله أن يسّر لك سبل الهداية وتضرع إليه ليل نهار أن يهديك ويثبتك ويعينك ولا تمل التكرار فإنه تعالى لا يملّ من إجابتك حتى تملّ أنت...
(اهدنا الصراط المستقيم) لا تحتاج لكلام كثير لتطلب أعظم طلب من الله جلّ وعلا، ثلاث كلمات فقط هي من جوامع الدعاء تدعو بها بالهداية المطلقة وهذا منهج آيات سورة الفاتحة فالحمد مطلق في (الحمد لله رب العالمين) والرحمة مطلقة في (الرحمن الرحيم) والملك مطلق في (مالك يوم الدين) والعبادة والاستعانة مطلقة في (إياك نعبد وإياك نستعين) والهداية مطلقة في (اهدنا الصراط المستقيم) فما أبلغ هذه الآيات القليلة العدد والألفاظ الجامعة لمعاني مطلقة تجمع لنا خيري الدنيا والآخرة!!! فسبحان من هذا كلامه وهذا بيانه!!!
صفحة إسلاميات
------------------------------------
تمت الإفادة بعد توفيق الله تعالى في كتابة هذه السطور من المصادر التالية:
مجالس القرآن – د. فريد الأنصاري
تكرار الفاتحة، القوة الكامنة – د. إبراهيم الدويش
التفسير المحرر للقرآن الكريم – الدرر السنية 
من هدايات سورة الفاتحة – عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر
تحريك الجنان لتدبر وتوقير أم القرآن – د. عصام العويد



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل