تفسير وتدبر الفاتحة - (مالك يوم الدين) - 1

تفسير وتدبر سورة الفاتحة 
(مالك يوم الدين) - 1

ذكر الشيخ السعدي رحمه الله في تفسيره لهذه الآية:

{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ } المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات, وأضاف الملك ليوم الدين, وهو يوم القيامة, يوم يدان الناس فيه بأعمالهم, خيرها وشرها, لأن في ذلك اليوم, يظهر للخلق تمام الظهور, كمال ملكه وعدله وحكمته, وانقطاع أملاك الخلائق.
حتى [إنه] يستوي في ذلك اليوم, الملوك والرعايا والعبيد والأحرار.
كلهم مذعنون لعظمته, خاضعون لعزته, منتظرون لمجازاته, راجون ثوابه, خائفون من عقابه, فلذلك خصه بالذكر, وإلا, فهو المالك ليوم الدين ولغيره من الأيام.

وذكر د. محمد الربيعة في تفسير الآية من محاضرات دورة الأترجة القرآنية:

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) هذه الآية تُفيد أنّ الله سبحانه وتعالى له الملك وحده يوم القيامة، يوم الجزاء على الأعمال، في قراءة المسلم لهذه الآيات في كل ركعة من صلواته تذكير له باليوم الآخر، وحثّ له على الاستعداد للعمل الصالح والكفّ عن المعاصي والسيئات، لأنّك إذا قلت: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ تذكرت مُلك الله في ذلك اليوم وأنّه لا سبيل لك إلا الله – عز وجل -: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ وهنا بعض البصائر في هذه الآية: 

أولاً: غرض هذه الآية هو بيان كماله سبحانه وتعالى مجداً وسلطاناً وقدرةً وتصرفاً للدلالة على كماله المطلق سبحانه وتعالى، ولهذا قال في الحديث: « فإذا قال العبد مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله تعالى: مجّدني عبدي » أي: عظّمني، إذا قلت: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فإنّك تُعظِمه في ملكه سبحانه وتعالى وقدرته وتصرفِه سبحانه وتعالى، وذكر وصف الملك بعد الربوبية والرحمة مناسبٌ كما ذكرت لكم هو من باب المثاني، فإنّ الربوبية والرحمة دالّة على كمال لطفه ورعايته وإصلاحه للخلق، وصفة الملك دالّة على كمال تصرفه وقدرته وأمره ونهيه سبحانه وتعالى، وأيضاً فإنّ صفة الربوبية والرحمة داعية لماذا؟ 

داعية للرجاء والترغيب والتشويق للعبد، فأتبعها سبحانه وتعالى بصفة الملك الداعية إلى الترغيب والخوف، ليجتمع في قلب العبد الخوف والرجاء، وهذه كمال العبودية إذا اجتمع في قلبك الخوف والرجاء وبينهم المحبة فذلك هي كمال العبودية. 

هنا سؤال وهو ما هو وجه تخصيص يوم الدين؟! لماذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ولم يقل مالك الدنيا والآخرة؟ مالك السماوات والأرض؟ لماذا خصّ هنا يوم الدين مع أنّ السورة في بيان كمال الله المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته، فلماذا خصّ يوم الدين؟ من يجيب؟ 
في ذلك اليوم يوم القيامة لا يكون مُلك إلا لله عزّ وجل، قال الله عز وجل: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ في يوم القيامة يوم يجمع الخلائق كلهم من أولهم إلى آخرهم انسهم وجنّهم وجميع الخلق مجموعون في ذلك اليوم، فليس لأحدٍ مُلك، ليس لأحدٍ في ذلك اليوم قدرة ولا نفع ولا ضر إلاّ بإذن الله، فحينها يقول الله تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ فيُجيب الله تعالى بنفسه: لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فانظروا وتأمّلوا قوله: الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ فحين تمّثل المُلك الكامل لله عز وجل في ذلك اليوم، جاء في هذه السورة التي تُحقق الكمال لله تعالى تخصيص يوم الدين، أمّا في الدنيا فإنّ الله جعل للخلق مُلك تحت مُلكه سبحانه وتعالى، لكنّه في الآخرة ليس لأحد مُلك، فلذلك قال هنا: يَوْمِ الدِّينِ . 

ولماذا قال: يَوْمِ الدِّينِ ولم يقل يوم القيامة؟ أو يوم الجزاء؟ لماذا خصّص يوم الدين؟ 
للإشارة إلى أنّ ذلك اليوم هو يوم الجزاء على الدين، وما هو الدين؟! هو دينه سبحانه وتعالى، أمّا غيره من الأديان فليس لها عند الله نصيب، فكأنّ الله تعالى سبحانه في هذه الآية يقول: في ذلك اليوم هو الجزاء لديني، من أراد أن يكون من أهل ديني فإنّ ذلك اليوم هو جزاؤهم على الدين، فانظروا وتأمّلوا هذا التعبير العظيم الكريم البليغ، ثم هنا قراءتان في قوله: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قراءتان صحيحتان متواترتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا وقفة مع القراءات وهي أنّ القراءات فيها سرٌ من أسرار القرآن، تُفيد تعدد المعاني، وكما قال علي رضي الله عنه: (القرآن حمّال ذو وجوه) بمعنى أنّه يحتمل معاني كثيرة، فالكلمة الواحدة قد تستخرج منها معانٍ كثيرة، وهذا معنى قول الله عز وجل: مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ فهذه الكلمات المعدودة تجمع معاني لا منتهى لها، في كل زمان نجد من المعاني مالا يمكن أن يكون في زمان قبل، في كل عصر يُناسب هذا القرآن، حَلّ مشكلاته، في واقعيته، وبلغته، وبأحواله، والله تعالى أعلم وأعظم في أن يجعل هذا القرآن هداية للناس من أولهم إلى آخرهم، فقولنا: (مالك) و(ملك) هنا قراءات، والقراءات تُفيد تعدد المعاني، فما هي المعاني تحت كلمة (ملك) وما هي المعاني تحت كلمة (مالك)؟!
المعاني تحت كلمة (ملك) تُفيد كمال القوة والسلطة والجلال والعظمة، الملك هكذا يفيد الجلال والملك والعظمة، 
و(مالك) تُفيد التصرّف التامّ والنفع التامّ والضرّ التامّ، فله سبحانه وتعالى التصرف التامّ في كل شيء، فقد يكون (ملك) ولا يكون (مالك) في المخلوقين، - ولله المثل الأعلى - قد يكون في الدول مَلِك لكنّه لا يتصرف، كـ " ملكة بريطانيا " ليس لها من الأمر شيء، أمّا قولنا: مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ و مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ فهي تُحقق لله تعالى المعنيين الجميلين، الجلال والعظمة والسلطان، وتُحقق معنى النفوذ والتصرُف التام سبحانه وتعالى له.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل