تفسير وتدبر سورة الفاتحة - (الحمد لله رب العالمين) - 3

تفسير وتدبر سورة الفاتحة 
(الحمد لله رب العالمين) - 3
وقفات وتأملات في معاني (الحمد لله رب العالمين)
إعداد صفحة إسلاميات حصريًا

(الحمد لله رب العالمين) تمجيد وثناء...
عندما تستشعر أنك عبدٌ لله تعالى الخالق، الله العظيم، الله الرحمن الرحيم، فإنك تتذلل له بهذه الصفات وتثني عليه لأنه سبحانه هو المستحق للحمد، فإذا تذللت له ازددتّ رفعة وسموّا في نفسك، كيف؟ أنت بتذللك لله تعالى الذي هذه بعض صفاته وإعلان افتقارك له سبحانه فأنت تستعين بالعظيم الرحمن الرحيم وتلتجئ إلى حمى العظيم وتستعيذ بالسميع العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، عندها ستشعر بلذة العبودية الحقيقية لله تعالى ورفعتها وسموّها..
إن التذلل لمخلوق يورث في القلب إنكسارًا وذلًا وهوانا أما التذلل لله تعالى فهو التذلل الذي يورث الرفعة والعزة والرقي والشعور بالحرية الحقة ولهذا نأنف كبشر أن نسجد لأحد من الخلق مهما كانت رتبته ويعدّ ذلّا ما بعده ذلّ لو عوقب أحدهم بالركوع أو السجود لحاكم باطش طاغية ظالم لكننا نقبل طائعين على السجود بين يدي ملك الملوك سبحانه! 
ولهذا فإن أحدنا إذا أصابته نعمة من الله تعالى إن استقر في قلبه عظمة المنعِم الذي أنعم به عليها فإنه يخرّ لله ساجدًا سجود شكر لله تعالى وهذه لا يقدم عليها إلا من امتلأ قلبه بشكر المنعم والشعور بالامتنان له دون الالتفات إلى النعمة نفسها.. هنا تقول أيها الإنسان الشاكر حقًا الحامد حقًا تقول بلسان حالك قبل لسان مقالك: الحمد لله رب العالمين، تخرج هذه الكلمات الأربع من صميم قلبك ومن كل ذرة في جسدك شكرا وحمدا لله المنعم المتفضّل عليك بشتى أنواع النعم الظاهرة والباطنة..

وسر تكرار (الحمد لله رب العالمين) في اليوم والليلة 17 مرة على الأقل هو والله أعلم لتغرس في قلب العبد لِمَن يجب أن يكون الثناء المطلق والولاء المطلق.. حاجتك ومسألتك مهما كانت لا تسالها إلا من بيده قضاؤها لك فلا تهرِق ماء وجهك باستجداء المخلوقين لأنهم لا يملكون من أمرهم شيئا ولا يملكون لأنفسهم فضلا عنك نفعًا ولا ضرًا فكيف تظن أنهم يملكون قضاء حاجتك؟! إسأل من بيده أمرك وأمرهم يسخّر لك سبحانه من خلقه من يمشي في حاجتك بإذنه لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يدبر الأمر..

(الحمد لله رب العالمين) تقولها الألسنة كثيرًا لكن في القلوب تسخّط وجزع وفزع وحزن على ما فات وخوف ممت هو آت، فاحذر وأنت تقولها دون أن تعنيها، وإياك أن تقولها كلامًأ يخفي وراءه تأفف وانزعاج وتسخّط وشكوى...مهما أصابك ومهما كانت ظروفك قل الحمد لله صادقًا من قلبك واملأ صدرك بها وذكّر نفسك بحال من هم أسوأ حالًا منك، ذكّر نفسك بالمرضى على الأسرّة البيضاء أنهكم المرض منذ سنين، وذكّر نفسك باليتامى لا يجدون لهم من يرعاهم وذكرها بالعجائز الذين أهملهم أقرب الناس لهم وبالفقراء الذين لا يجدون لقمة تسد رمقهم وذكر نفسك بأصحاب العاهات والأمراض المزمنة... نعم الله عليك عظيمة لكنك لا تستشعرها لأنك تريد المزيد دائمًا وتطمع بما ليس لك ولن يملأ جوفك يا ابن آدم إلا التراب!! فمتى تستفيق من غفلتك وتعلم يقينًا أنك في نعم الله تتقلب ليل نهار.. اِمسح عن عينيك الغشاوة وانزع عن قلبك أغلفة الجحود والكبر والتسخّط والجشع وقل الحمد لله بلسان حالك ومقالك تجد السعادة والرضى والطمأنينة والسكينة والبركة فيما عندك من نعم الله العظيمة..

(الحمد لله رب العالمين) تقولها الملائكة الكرام وحملة العرش (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) [غافر: 7] ويقولها كل شيء في الكون من حولك (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِن وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) الإسراء) يكفيك شرفّا أيها الإنسان أن تنضم لهذه القوافل المباركة من المسبحين بحمد ربهم في الكون واحذر أن تغرّد خارج هذا السرب العظيم من الحمّادين المسبحين!!

(الحمد لله رب العالمين) قال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله تملأ الميزان" هل هناك أعظم من هذه البشارة؟! كم نخشى على أنفسنا من ساعة الحساب ومن ساحة الميزان؟!! كم نخشى على أنفسنا من موازين ملآى بذنوب اقترفناها ومن معاصي أسرفنا على أنفسنا منها تبنا من بعضها وغفلنا عن كثير منها؟! وكم نخشى من حقوق فرّطنا فيها، حقوق الله تعالى وحقوق الآخرين؟! هذه بطاقة منجية تملأ ميزان الحسنات يوم القيامة فترجح على كفّة السيئات لعل الله تعالى يدخلنا الجنة برحمته، فأين نحن منها؟ّ الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله يا رب...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم في يوم مائة مرة حطّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر".
هل خطايانا أكثر من زبد البحر؟! الحمد لله رب العالمين على هذه النعمة التي بها تُحطّ خطايانا الكثيرة، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم...

(الحمد لله) طبّقها رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوتنا وقدوتنا واقعًا في كل أمره، صارت لسان حاله ومقاله وقلبه وكل جوارحه، استشعر نعمة الله تعالى في كل حال فهلّا تأسينا به؟!
كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وكان إذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال. وما يقوله بعض الناس اليوم الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فهو خطأ غلط لأنك إذا قلت الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه فهو عنوان على إنك كاره لما قدره عليك ولكن قل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الحمد لله على كل حال هذا هو الصواب وهو السنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا أكل قال: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا. وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها رواه مسلم.
وعندما يستيقظ من نومه يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا
وإذا أخذ مضجعه قال: الحمد لله الذي كفاني وآواني
وفي السفر قال: الحمد لله الذي سخّر لنا هذا وما كنا له مقرنين
وإذا عطس قال: الحمد لله
وإذا خرج من قضاء حاجته قال: الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني
هكذا كان الحمد واقعًا معاشًا محسوسًا في كل حاله صلى الله عليه وسلم وكان حمده بقدر تعظيمه لربه واهب النعم سبحانه وبقدر استشعاره بفضل الله تعالى ومنّته عليه مع كل نعمة..
وفي كتب الحديث باب حمد الله وشكره فيها من الأحاديث عن حمد النبي صلى الله عليه وسلم لله رب العالمين ويمكن العودة إليها.

(الحمد لله رب العالمين) هو سبحانه وتعالى المستحق للحمد المطلق لأنه له وحد الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، وله الحمد لتفرده بالربوبية والألوهية (فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين) وله الحمد على إنعامه وله الحمد على قضائه..

فقل الحمد لله رب العالمين وأكثر من الحمد وإياك أن تكون من القليل الذين قال الله عنهم (وقليل من عبادي الشكور) 
وقد تظن أن حمدك لله قد أدى شكر النعمة فلتعلم أن كل ثناء تثني به على الله سبحانه وتعالى أنت وكل مخلوقات الله تعالى منذ بدء الخلق إلى أن تقوم الساعة مهما كثر أو طال أو بولغ فيه فقدر الله تعالى أعظم وسلطانه أعزّ وصفاته أكبر وأكثر وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ...

(الحمد لله رب العالمين) 
هل بعد هذه التأملات في بعض معانيها واسرارها سنقرؤها في صلاتنا أو نرددها في يومنا وليلنا كما كنت نقرؤها ونرددها من قبل؟!
لنحرّك بها قلوبنا...لنقلّب البصر في نعم الله تعالى علينا في أنفسنا (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) وفي الكون من حولنا.. لنتفكّر بها ونتأمل أسرارها ومعانيها... لنقل بقلوبنا قبل ألسنتنا: الحمد لله رب العالمين...لتسجد بها قلوبنا وأرواحنا شكرًا لله تعالى المنعِم علينا بشتى أنواع النعم والتي من ضمنها بعض الابتلاءات التي نظنها مصائب وهي لنا أبوابًا من الأجر وتكفير السيئات والخطايا فلنتعود حمد الله تعالى على كل حال، في السراء والضراء...

بتكرارنا للحمد نتعلم دوام الاعتراف بالبروبية ودوام الإذعان لرب العالمين فكيف بعد هذا الاعتراف المتكرر 17 مرة على الأقل يوميًا كيف نرضى لأنفسنا ذل الخضوع لمخلوق أو شهوة أو وسوسة شيطان؟!!!
لنقل: الحمد لله رب العالمين... 

سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك...
صفحة إسلاميات



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل