تفسير وتدبر سورة الفاتحة - من معاني الاستعاذة والبسملة - 5

تفسير وتدبر سورة الفاتحة
من معاني الإستعاذة والبسملة – 5
البسملة
إعداد صفحة إسلاميات حصريًا)

(بسم الله الرحمن الرحيم)
أربع كلمات حوت ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى: الله – الرحمن – الرحيم...
كم مرة تأملناها؟ وكم مرة توقفنا عند دلالة اختيار هذه الأسماء تحديدًا لتكون هي مفتاح كل عمل نقوم به؟ وكم مرة سألنا أنفسنا: ما هي الرسائل التي ينبغي لي أن أفهمها من هذه الكلمات الأربع العظيمة؟!
للإجابة عن هذه التساؤل والغوص في معاني البسملة عجز قلمي أن أضيف لما قرأته من كلام الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى في خواطره عن البسملة، أقرأوها بقلوبكم....

القرآن الكريم منذ اللحظة التي نزل فيها نزل مقرونا بسم الله سبحانه وتعالى ولذلك حينما نتلوه فإننا نبدأ نفس البداية التي أرادها الله تبارك وتعالى وهي أن تكون البداية بسم الله. 
وأول الكلمات التي نطق بها الوحي لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كانت { اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ}.
وهكذا كانت بداية نزول القرآن الكريم ليمارس مهمته في الكون..هي بسم الله. ونحن الآن حينما نقرأ القرآن نبدأ نفس البداية (بسم الله) لأن الله تبارك وتعالى هو الذي أنزله لنا..ويسر لنا أن نعرفه ونتلوه..فالأمر لله علما وقدرة ومعرفة..واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: { قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [ يونس: 16] لذلك أنت تقرأ القرآن باسم الله..لأنه جل جلاله هو الذي يسره لك كلاما وتنزيلا وقراءة..ولكن هل نحن مطالبون أن نبدأ فقط تلاوة القرآن بسم الله؟ إننا مطالبون أن نبدأ كل عمل باسم الله..لأننا لا بد أن نحترم عطاء الله في كونه.
فكأن كل إنسان منا حين يبدأ أي عمل باسم الله، فإنه يبدؤه باسم الله الذي سخر له ما في السموات وما في الأرض مما.لا تدخل في طاقته ولا في استطاعته..فكأنه يعلن أنه يدخل على هذه الأشياء جميعا باسم من سخرها له.. والله تبارك وتعالى سخر لنا الكون جميعا وأعطانا الدليل على ذلك، فلا تعتقد أيها المسكين أن لك قدرة أو ذاتية في هذا الكون مهما غرّتك قوتك وصحتك ومالك وعشيرتك ومنصبك، ولا تعتقد أن الأسباب والقوانين في الكون لها ذاتية بل هي تعمل بقدرة خالقها الذي إن شاء أجراها وإن شاء أوقفها.
انظر إلى الجمل الضخم والفيل الهائل المستأنس قد يقودهما طفل صغير فيطيعانه، ولكن الحية صغيرة الحجم لا يقوى أي انسان على أن يستأنسها. ولو كنا نفعل ذلك بقدراتنا..لكان استئناس الحية أو الثعبان سهلا لصغر حجمهما..ولكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعلهما مثلا لنعلم أنه بقدراته هو قد أخضع لنا ما شاء، ولم يخضع لنا ما شاء وذلك كله من نعمه سبحانه وتعالى علينا، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} [ يس: 71 - 72] وهكذا نعرف أن خضوع هذه الأنعام لنا هو بتسخير الله لها وليس بقدرتنا وتسخير الماء والهواء والشمس والقمر والنجوم وتسخير أجهزة أجسامنا وأعضائنا نعمة من نعم الله تعالى لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى أمرها كلها بيده تعمل بكلمة منه سبحانه وتسخّر لنا بفضله وقدرته سبحانه...
أنت حين تبدأ كل شيء باسم الله..كأنك تجعل الله في جانبك يعينك..ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أنه علمنا أن نبدأ كل شيء باسم الله..لأن الله هو الاسم الجامع لصفات الكمال سبحانه وتعالى..والفعل عادة يحتاج إلى صفات متعددة..فأنت حين تبدأ عملا تحتاج إلى قدرة الله وإلى عونه وإلى رحمته..فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يخبرنا بالاسم الجامع لكل الصفات..كان علينا أن نحدد الصفات التي نحتاج إليها..كأن نقول باسم الله القوي وباسم الله الرازق وباسم الله المجيب وباسم الله القادر وباسم الله النافع..إلى غير ذلك من الأسماء والصفات التي نريد أن نستعين بها..ولكن الله تبارك وتعالى جعلنا نقول بسم الله الجامع لكل هذه الصفات.
على أننا لا بد أن نقف هنا عند الذين لا يبدأون أعمالهم بسم الله وإنما يريدون الجزاء المادي وحده..إنسان غير مؤمن لا يبدأ عمله باسم الله..وإنسان مؤمن يبدأ كل عمل وفي باله الله..كلاهما يأخذ من الدنيا لأن الله رب للجميع..له عطاء ربوبية لكل خلقه الذين استدعاهم للحياة..ولكن الدنيا ليست هي الحياة الحقيقية للإنسان .بل الحياة الحقيقية هي الآخرة..الذي في باله الدنيا وحدها يأخذ بقدر عطاء الربوبية..بقدر عطاء الله في الدنيا..والذي في باله الله يأخذ بقدر عطاء الله في الدنيا والآخرة..ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: { الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَلَهُ الحمد فِي الآخرة وَهُوَ الحكيم الخبير} [ سبأ: 1]لأن المؤمن يحمد الله على نعمه في الدنيا..ثم يحمده عندما ينجيه من النار والعذاب ويدخله الجنة في الآخرة..فلله الحمد في الدنيا والآخرة.
ورسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بباسم الله الرحمن الرحيم أقطع» ومعنى أقطع أي مقطوع الذنب أو الذيل..أي عمل ناقص فيه شيء ضائع..لانك حين لا تبدأ العمل باسم الله قد يصادفك الغرور والطغيان بأنك أنت الذي سخرت ما في الكون ليخدمك وينفعل لك..وحين لا تبدأ العمل باسم الله..فليس لك عليه جزاء في الآخرة فتكون قد أخذت عطاءه في الدنيا..وبترت أو قطعت عطاءه في الآخرة..فإذا كنت تريد عطاء الدنيا والآخرة فأقبِل على كل عمل باسم الله..
قبل أن تأكل قل باسم الله لأنه هو الذي خلق لك هذا الطعام ورزقك به..
عندما تدخل الامتحان قل بسم الله فيعينك على النجاح..
عندما تدخل إلى بيتك قل باسم الله لأنه هو الذي يسر لك هذا البيت..
عندما تتزوج قل باسم الله لانه هو الذي خلق هذه الزوجة وأباحها لك..
في كل عمل تفعله ابدأه باسم الله..لأنها تمنعك من أي عمل يغضب الله سبحانه وتعالى..فأنت لا تستطيع أن تبدأ عملا يغضب الله باسم الله..اذا أردت أن تسرق أو أن تشرب الخمر..أو أن تفعل عملا يغضب الله..وتذكرت بسم الله..فإنك ستمتنع عنه..ستستحي أن تبدأ عملا باسم الله يغضب الله..وهكذا ستكون أعمالك كلها فيما أباحه الله.
الله تبارك وتعالى حين نبدأ قراءة كلامه باسم الله..فنحن نقرأ هذا الكلام لأنه من الله..والله هو الاله المعبود في كونه..ومعنى معبود أنه يطاع فيما يأمر به..ولا نقدم على ما نهى عنه..فكأنك تستقبل القرآن الكريم بعطاء الله في العبادة..وبطاعته في افعل ولا تفعل..وهذا هو المقصود أن تبدأ قراءة القرآن بسم الله الذي آمنت به ربا وإلها..والذي عاهدته على أن تطيعه فيما أمر وفيما نهى..والذي بموجب عبادتك لله سبحانه وتعالى تقرأ كتابه لتعمل بما فيه..والذي خلق وأوجد ويحيي ويميت وله الأمر في الدنيا والآخرة والذي ستقف أمامه يوم القيامةليحاسبك أحسنت أم أسأت..فالبداية من الله والنهاية إلى الله سبحانه وتعالى.
بعض الناس يتساءل كيف أبدأ بسم الله..وقد عصيت وقد خالفت..نقول اياك أن تستحي أن تقرأ القرآن..وأن تبدأ بسم الله إذا كنت قد عصيت..ولذلك أعطانا الله سبحانه وتعالى الحيثية التي نبدأ بها قراءة القرآن فجعلنا نبدؤه باسم الله الرحمن الرحيم..فالله سبحانه وتعالى لا يتخلى عن العاصي..بل يفتح له باب التوبة ويحثه عليها..ويطلب منه أن يتوب وأن يعود الي الله..فيغفر له ذنبه، لأن الله رحمن رحيم..فلا تقل أنني أستحي أن أبدأ باسم الله لأنني عصيته..فالله سبحانه وتعالى يطلب من كل عاص أن يعود الي حظيرة الايمان وهو رحمن رحيم..فاذا قلت كيف أقول باسم الله وقد وقعت في معصية أمس..نقول لك قل باسم الله الرحمن الرحيم..فرحمة الله تسع كل ذنوب خلقه..وهو سبحانه وتعالى الذي يغفر الذنوب جميعا.
والرحمة والرحمن والرحيم..مشتق منها الرحم الذي هو مكان الجنين في بطن أمه..هذا المكان الذي يأتيه فيه الرزق..بلا حول ولا قوة..ويجد فيه كل ما يحتاجه إليه نموه ميسرا..رزقا من الله سبحانه وتعالى بلا تعب ولا مقابل..انظر إلى حنو الأم على ابنها وحنانها عليه..وتجاوزها عن سيئاته وفرحته بعودته اليها..ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي.
«أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» الله سبحانه وتعالى يريد أن نتذكر دائما أنه يحنو علينا ويرزقنا..ويفتح لنا أبواب التوبة بابا بعد آخر..ونعصي فلا يأخذنا بذنوبنا ولا يحرمنا من نعمه..ولا يهلكنا بما فعلنا.
ولذلك فنحن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بسم الله الرحمن الرحيم..لنتذكر دائما أبواب الرحمة المفتوحة لنا..نرفع أيدينا إلى السماء..ونقول يا رب رحمتك..تجاوز عن ذنوبنا وسيئاتنا، وبذلك يظل قارئ القرآن متصلا بأبواب رحمة الله..كلما ابتعد عن المنهج أسرع ليعود اليه..فمادام الله رحمانا ورحيما لا تغلق أبواب الرحمة أبدا.
على أننا نلاحظ أن الرحمن الرحيم من صيغ المبالغة..يقال راحم ورحمن ورحيم..اذا قيل راحم فيه صفة الرحمة..وإذا قيل رحمن تكون مبالغة في الصفة..وإذا قيل رحيم تكون مبالغة في الصفة..والله سبحانه وتعالى رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.. صفات الله سبحانه وتعالى لا تتأرجح بين القوة والضعف وإياكم أن تفهموا أن الله تأتيه الصفات مرة قليلة ومرة كثيرة بل هي صفات الكمال المطلق..ولكن الذي يتغير هو متعلقات هذه الصفات.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل