كل يوم آية - (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 105])

كل يوم آية

د. رقية العلواني

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 105])

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

شاع في عصرنا الحاضر نوع من المشاعر المؤلمة: الشعور بالإحباط، الإحباط بالمعنى العصري المستعمل في الكلمة بمعنى شعور الإنسان بالخيبة لفساد عمله وعدم تحقق الغرض المقصود منه. ربما يؤدي هذا الشعور المؤسف في بعض الأحيان إلى حالة من اليأس وربما يؤدي إلى ترك العمل كلية نظرًا لهذا الشعور الذي يصاحب الإنسان حين يتأمل فيما يعمل فيجد أن هذا العمل الذي يقوم به لا يؤدي إلى نتيجة، لا يؤدي إلى غرض هو يتمنى الوصول إليه.

هذه الحالة المؤسفة لو أردنا أن نتأمل فيها من خلال الأعمال اليومية التي نقوم بها سنجد أن من أغراض الإنسان في العمل أن يُعترف بذلك العمل الذي يقوم به، أنا ينال حظًا من الاعتراف بالفضل أو بالإنجاز حين يحقق نجاحًا فعليًا أو عمليًا ولا شك أن هذا فعلًا من أعظم الأمور: التحفيز والتشجيع والاعتراف بالفضل لأصحابه من أعظم الأهداف التي يمكن أن تدفع الإنسان إلى المزيد من العطاء، المزيد من المثابرة، المزيد من تحقيق الأهداف في ضمن الإطار الذي يعمل فيه سواء كان مدرسة أو مؤسسة أو حتى بيت أو أي مكان من أماكن العمل التي يزاول الناس فيها أعمالهم، هذا الوضع الطبيعي ولكن في بعض الأحيان وربما يزداد الأمر فيصبح في كثير من الأحيان أننا نقوم بأعمال ولكننا لا نجد صدى إيجابي لها في واقع الحياة، لا نجد اعترافاً بالفضل عليها، نبذل أقصى ما نستطيع ولكننا لا نجد ثوابا حقيقيا أو اعترافا بمعنى الإنجاز الذي حققناه بسبب العمل حتى في البيت الزوجة أو الأم أو الأخت قد تقوم بأعمال كثيرة جدا أعمال منزلية ولكن في بعض الأحيان أفراد الأسرة ممن يحيطون بها لا يقدرون هذا العمل وربما هم يقدرون هذا العمل لكنهم لا يعبرون عنه بكلمة إيجابية، كلمة شكر، كلمة امتنان، كلمة تسجيع، تحفيز فيكون الناتج ذلك الشعور المؤلم المؤسف بالخيبة والإحباط وربما هذا يؤدي بالإنسان إلى أن يقوم بالإهمال عوضا عن الإتقان حين يشعر أن الإتقان لا ثمن له ولا تقدير له عند الآخرين.

دعونا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى، دعونا نحاول أن نتأمل كيف عالج القرآن هذه المسألة حتى لا يصبح العمل الذي نقوم به مرتبطا بتقدير أحد مرتبطا بشكر أحد، مرتبطا بمتغير، أراد القرآن أن يجعل إتقان العمل وقيام الإنسان بعمله مرتبطا بشيء ثابت لا يتغير، تدبروا قول الله عز وجلّ (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) [التوبة: 105] لماذا هذا الربط؟ أنا حين أقوم بالعمل وأنا واضع أمام عيني أن الله هو الذي سيطلع على العمل، أني أتوجه بعملي هذا مهما كان بسيطًأ ومتواضعًا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى في يوم الفصل والجزاء سيرى هذا العمل ورسوله والمؤمنون وأن العمل الذي أقوم به سيعرض على الناس هكذا وأن إنجازي وإتقاني وفضلي محفوظ لم يذهب سدى، لم يذهب هكذا بمجرد أن الناس لا يعترفون به، عندها فقط سيبدأ الإنسان بالشعرو بأن قضية اعتراف الناس بالعمل أو بالإنجاو أو بالإتقان قضية ثانوية تماما لا يمكن لأي شيء في الحياة أن يثبطه أو يدفع به إلى الشعور بالخيبة واليأس أو ترك العمل بالكلّية لأنه يدرك تمامًا أن حقه محفوظ وأن الله مطلع على عمله وإن هذا الإتقان حتى وإن لم يره الآخرون فالله سبحانه وتعالى يراه ويدركه وسيجازيه بذلك العمل، بذلك الإتقان، بذلك الإحسان. هذا الشعور العظيم يولد عند الإنسان المؤمن قوة دافعة للإنجاز، قوة لا تعرف الكلل ولا الملل، قوة يمكنها فعلًا أن تزيل كل العوائق التي قد يصطنعها الإنسان في طريق الحياة، قوة تخفف عنه الشعور بالألم، تخفف عنه الشعور بعدم الاعتراف من قبل الآخرين، تجعل نظرة الآخرين لما يقوم به من عمل وإنجاز نظرة ثانوية، العمل والإتقان لا يرتبط بما يقوله الآخرون، يرتبط بما يراه هو وما يحاول أن يقوم به ليقوم بعرضه على الله سبحانه وتعالى

 

مجرد هذا الإحساس يجعل الإنسان متوفقا في العمل الذي يقوم به حريصا أشد الحرص على الإتقان، على الإنجاز، على الفاعلية والدافعية، هذه المعاني حيت تبدأ تجد طريقها في قلوب الناس وفي حياة الناس بالتأكيد ستظهر على الإنجازات، ستظهر على الآثار، ولا يقلل هذا أبدًا من شأن ضرورة الإعتراف الإنسان بالفضل والخير والإنجاز لأصحابه والتشجيع والدفع لهم نحو الأفضل ونحو الأحسن. لكن المهم أولًا وأخيرا ما نشعر به نحن حين نزاول الأعمال التي نقوم بها. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل