كل يوم آية - (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ)

كل يوم آية 

د. رقية العلواني
(فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) الشورى)
بين الحضارة التي يصنعها القرآن والحضارة المعاصرة
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
ربما من أكثر ما يميز الحضارة المعاصرة اليوم تلك القدرة المهولة على صناعة أشياء بشكل عجيب جدا في غاية الروعة، في غاية الإتقان بل في غاية التنوع والتعدد الذي لا يمكن أن يكون له مثيل من قبل في تاريخ البشرية. نستطيع من خلال ذلك أن نقول أن هذه الحضارة المعاصرة حضارة شيئية بمعنى أنها تركز على الأشياء أكثر من أي شيء آخر والحضارة حين تكون حضارة شيئية تركز اهتمامات واسعة جدًا وتسخّر طاقات مهولة لخدمة الأشياء فهذا يعني بالضرورة أن ذلك يكون على حساب شيء آخر، أمر ثاني. 
ودعونا نتدبر في قول الله عز وجلّ (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) الشورى) 
القرآن العظيم صنع حضارة ولكن الحضارة التي صنعها ويصنعها القرآن حضارة قيمية، حضارة إنسانية بمعنى أنها تركز جلّ اهتمامها على صناعة الإنسان، على قيمة الإنسان، على النواحي المتعلقة بأخلاقيات الإنسان، بما يصنع هذا الإنسان لا بما يمتلك من أشياء وهذا فرق واضح وشاسع جدًا بين الحضارة المعاصرة التي أغرقتنا بالأشياء وبين الحضارة التي يريد القرآن أن يصنعها. حضارة القرآن حضارة تدفع بالإنسان إلى التركيز على ما يقوم به، على أفعاله، على إنجازاته على تصرفاته، هذا الأثر الحقيقي الذي سيتركه وراءه حين يترك ويفارق هذه الدنيا.
أما الحضارة المعاصرة فقد أغرقتنا بالأشياء ونحن طبيعة الحال استهلكتنا هذه الأشياء التي يفترض أن تكون هي أشياء استعمالية نقوم نحن باستعمالها أصبحنا بدون شعور في بعض الأحيان نحن نقع فريسة لها، ننن من نقوم بخدمتها، نحن من نقوم بصياتنها. صحيح الإنسان مُطالب أن يحافظ على ما يمتلك، مطالب أن يحافظ على الأشياء ولكن قطعًا هو غير مطالب ولا ينبغي أن يكون عبدا أو خادما مستهلكًا لتلك الأشياء التي يمتلكها.
الإنسان المعاصر حين يبدأ من دون انتباه منه ويشعر في بعض الأحيان أن الأشياء التي يمتلكها لها قيمة مادية كبيرة وقيمة معنوية وأصبحت تحتل في قلبه واهتماماته حيّزا ومكانة أكبر من قيمة ما يصنع ومن قيمة ما يفعل ومن قيمة الأعمال اليومية التي يزاولها هذه خطورة على القيمة الإنساننية للإنسان. الإنسان كرمه الله عز وجلّ وسخر كل الأشياء سواء كانت تلك الأشياء المصنعة التي تميزت بها الحضارة المعاصرة أو الأشياء الطبيعية التي خلقها الله عز وجل ومن خلال خلقه لها استطاع الإنسان أن يصنع منها أشياء متعددة الحديد، المعادن المختلفة، كل ما في الأرض، الإنسان ما كان له أن يصنع سيارة أو صاروخ أو عشرات الأشياء دون تلك الموارد الطبيعية التي سخّرها الله في الطبيعة ولكن مؤسف ومؤلم جدًا أن تستغرقنا تلك الأشياء فنصبح في حالة من الإنشغال حتى عن أنفسنا، حتى عن قيمة أفعالنا بما نمتلك بما أصبحنا نحاول أن نحصل عليه، ما عادت في أولوياتنا الكثير، الأولويات تأتي أولًأ للأشياء ولا تأتي في كثير من الأحيان للأفعال ولا للإنجازات ولا للإهتمامات المعنوية ولا لقيمة ما نقوم به، الأشياء استغرقتنا كثيرا وهذه سمة خطيرة جدًا من سمة الحياة التي نعيشها اليوم. القرآن يصححها حين يتكلم عن الأشياء بحجمها الطبيعي دائمًا (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ) كل ما حولنا من أشياء، البيوت التي نسكن، السيارات التي نركب، الأشياء المختلفة التي أصبحنا نشتغل بها أكثر من شيء آخر مجرد أشياء، مجرد متاع، بمعنى وسيلة وليست غاية ولكن أن تتحول تلك الوسائل إلى غايات فتصبح غايتي في الحياة أن أمتلك هذا أو ذاك، القرآن ليس لديه مانع أن يمتلك الإنسان أشياء مادية تستقيم به حياته ويستقيم بها معاشه في هذه الدنيا ولكن هناك إشكالية خطيرة حين تمتلكنا تلك الأشياء بدون شعور منا في بعض الأحيان نستسلم لها ونسلم قياد حياتنا لها، هذا الأمر نحتاج أن نعيد النظر إليه في ظل ما تقدم من آيات الكتاب العظيم.


التعليقات

  1. احمد ابراهيم المصري علق :

    وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل