كمال اللغة القرآنية - أسلوب القسم

كمال اللغة القرآنية 

د. محمد داوود

• أسلوب القسم:

زعموا أن هناك تناقضًا في الاستعمال القرآني لأسلوب القسم، واستدلوا لزعمهم بقول الله عز وجل : ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ) (البلد: 1) وقوله عز وجل : (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ) (التين: 3).

فجاء فعل القسم منفيًّا في آية البلد، ثم جاء مثبتًا في آية التين ـ وهذا ـ في ظنهم ـ تناقض.

أولاً: القسم في كلتا الآيتين مثبتٌ وليس منفيًّا، والمشكلة في فهمكم لمعنى (لا) في أسلوب القسم.

ثانيًا: (لا) في مثل هذه المواضع داخلة في الكلام لتقويته وتأكيده، وليس لنفيه، نحو قوله تعالى:( قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي) (طه: 92 ـ 93).

وقوله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) (الأعراف: 12)، ويوضحه ما في الآية الأخرى: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ )(ص: 75)، والسياق واحد في الآيتين، فتكون (لا) في الآية الأولى داخلة للتقوية والتأكيد، ولهذا الاستعمال نظائر في كلام العرب، منها قول الأحوص:
وَتَلْحَيْنَنِي في الَّلهْوِ أنْ لا أُحِبَّهُ وَلِلَّهْوِ دَاعٍ دائبٌ غيرُ غافِلِ

أي: أَن أُحِبَّه، بزيادة (لا) للتأكيد.
ثالثًا: من العلماء من ذهب إلى أن (لا) في مثل هذه المواضع نافية، ولكنها ليست نافية للقسم، بل لشيء تقدم، وهو ما حكى عنهم كثيرًا من إنكار البعث، فقيل لهم: (لا) ـ أي ليس الأمر كما زعمتم ـ ثم استؤنف القسم.

وصح ذلك لأن القرآن كله كالسورة الواحدة، ولهذا يذكر الشيء في سورة وجوابه في سورة أخرى، كما في قوله تعالى: (وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) (الحجر: 6). وجاء الرد عليه في قوله تعالى: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ )(القلم: 2) .

رابعًا: من العلماء من ذهب إلى أن عبارة (لا أقسم) صيغة تحقيق وتوكيد للقسم، وأصلها أنها امتناع من القسم تَحَرُّجًا وخشية من الحنث، فشاع استعمال ذلك في كل قسم يراد تحقيقه، واعتبر حرف (لا) كالمزيد.

وعلى كل فإن (لا) ليست نافية للقسم بل مؤكدة له، سواء أخذنا بقول من قال: إنها كالمزيد، أو بقول من قال: إنها نفي لشيء تقدم، وعلى ذلك فلا تعارض بين قوله تعالى: (لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ)، وقوله عز وجل: (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِين).



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل