إشراقات في آيات – المعصية لا تعني الكفر

إشراقات في آيات – المعصية لا تعني الكفر

د. أيمن سويد

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

من لطائف الآيات في القرآن الكريم ما نقرؤه في مطلع سورة الممتحِنة أو الممتَحنة وهي قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١﴾)

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) هذه الآية الكريمة نزلت في صحابي من أصحاب رسول الل صلى الله عليه وسلم اسمه حاطب بن أبي بلتعة وهو صحابي شهد بدرًا وأهل بدر لهم خصوصيتهم لكن النبي صلى الله عليه وسلم لما عزم على فتح مكة وأراد أن يبقى الأمر سرّا غلط سيدنا حاطب فأرسل خطابا بشكل سرّي إلى قريش يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك وأرسل خلف المرأة التي كانت تحمل الخطاب إلى قريش وأتوا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له «‏يَا ‏حَاطِبُ،‏ ‏مَا هَذَا؟» قَالَ حَاطِبُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً ‏مُلْصَقًا [امرأ ملصقًا في قريش؛ أي: لست من أنفسهم، غريبًا فيهم] ‏فِي ‏قُرَيْشٍ، ‏‏وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ ‏ ‏المُهَاجِرِينَ ‏لَهُمْ قَرَابَاتٌ‏ ‏بِمَكَّةَ ‏يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم‏: ‏«لَقَدْ صَدَقَكُمْ». قَالَ‏ ‏عُمَرُ: ‏‏يَا رَسُولَ اللهِ؛ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ. قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ‏ بَدْرًا؛ ‏وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ‏ ‏فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شئتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ». (البخاري – كتاب الجهاد والسيَر)

قال حاطب للنبي صلى الله عليه وسلم أنا لست من قريش أصالة أنا ملحق بهم وملصقٌ بهم والذين معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أنفسهم بتلك القرابات فأردت إن فاتني النسب في قريش أن أجعل عند أهل مكة من كفار قريش أجعل يدا عندهم حتى يحفظوا لي وقرابتي في مكة فلا يؤذونني.

سيدنا عمر اعتبر هذا غدرا وخيانة بل اعتبره ردّة فدمعت عينا سيدنا عمر رضي الله عنه بعدما سمع ردّ النبي صلى الله عليه وسلم.

إذن مع عِظَم ما فعله سيدنا حاطب وهذا يسمى في عرف العصر أشبه ما تكون بالخيانة العظمى الذي يوصل أسرار بلد إلى بلد معادٍ، مع كبر الأمر لكن الله عز وجل ولا نبيه صلى الله عليه وسلم  لم ينس فضل سيدنا حاطب وأنه هاجر في سبيل الله وأنه حضر بدرًا فلم يعاقبه ولكنه عاتبه ونزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) النداء بـ (يا أيها الذين آمنوا) شهادة لسيدنا حاطب بأنه مؤمن.

إذن نأخذ من هذه القصة إذا غلط الواحد منا في عصرنا فليس معنى هذا أن نلغي ماضيه ونلغي تاريخه ونمحو المئة بواحد! هذا ليس من العدل والإنصاف، بل نطرح الواحد من المئة فيبقى له 99 حسنة وفضلا.

نسأل الله عز وجل أن يخلّقنا بالأخلاق القرآنية التي هي نبراسنا والتي هي قدوتنا، إنه تعالى سميع قريب مجيب.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل