صيغة "من أظلم" في القرآن الكريم

صيغة "من أظلم" في القرآن الكريم

إعداد صفحة إسلاميات

صيغة (من أظلم) في القرآن أسلوب استفهام استخدم في نظم قرآني حكيم في عدة مواضع في القرآن الكريم هي:

1. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴿١١٤ البقرة﴾)
2. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴿١٤٠ البقرة﴾)
3. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴿٢١ الأنعام﴾)
4. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ﴿٩٣ الأنعام﴾)
5. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿١٤٤ الأنعام﴾)
6. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ﴿١٥٧ الأنعام﴾)
7. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴿٣٧ الأعراف﴾)
8. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ﴿١٧ يونس﴾)
9. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴿١٨ هود﴾)
10. (لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿١٥ الكهف﴾)
11. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا ﴿٥٧ الكهف﴾)
12. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ﴿٦٨ العنكبوت﴾)
13. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ﴿٢٢ السجدة﴾)
14. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰ إِلَى الْإِسْلَامِ ﴿٧ الصف﴾)
15. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ﴿٣٢ الزمر﴾)

المراد من صيغة (ومن أظلم) هو نفي الزيادة في الظلم فحسب أما المساواة فلا تدل (أفعل التفضيل) على نفيها لا بدلالة المنطوق ولا بدلالة المفهوم. لا أحد أظلم ممن ذكرهم الله تعالى في الآيات ولا ينفي هذا أن يكون هناك من يساويهم في الظلم.

جميع الآيات التي وردت فيها صيغة (من أظلم ممن) تتحدث عن لون واحد من الناس هم الكافرون وهذا نجده صريحًا إلا في أربع مواضع هي آيتي سورة البقرة (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ﴿١١٤ البقرة﴾) (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴿١٤٠ البقرة﴾) الحديث فيهما عن الكافرين فالآية الأولى تتحدث عن مشركي مكة والأخرى عن اليهود، وآية سورة الكهف (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾) الحديث فيها عن الكافرين وهذه أوصافهم بلا نزاع، وآية سورة السجدة (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴿٢٢﴾) الحديث فيها عن الكافرين بدليل ختام الآية (إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ)
هذه الآيات وآية سورة النجم التي ورد فيها أفعل التفضيل (أظلم) (وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴿٥٢﴾ النجم) وإن اختلفت عباراتها فهي تتحدث عن ظالم واحد بلغ أقصى درجات الظلم وأن ظلم من عداه أهون من ظلمه.
هذا الظالم الذي لا أظلم منه هم الكافرون وأن (أفعل التفضيل) في الآيات (أفعل = أظلم) وصف لهم تتكرر في النظم القرآني بتكرار موجباته. فحيث جاء في القرآن (ومن أظلم) أو (فمن أظلم) فهو وصف للكفار لا لأحد غيرهم.

أسرار النظم وبلاغياته:
النظم القرآني أطلق أفعل التفضيل (أظلم) في الآيات على الكافر ولم يرد به سواه وذلك تقرير وتوكيد لمعنى قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا ﴿٤٨﴾ النساء) والكفر أعظم ذنب يرتكب في هذا الوجود .
وإذا ناظرنا بين قوله تعالى في الآيات المذكورة (أظلم) وبين قوله في سورة النساء عن الكافر وكفره (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) وجدنا في (افترى إثما عظيما) المعنى الذي يدل عليه (أظلم) وكذلك وصف الشرك بالظلم العظيم كما في آية سورة لقمان (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿١٣﴾) وصف الإثم بأنه عظيم ووصف الشرك بأنه عظيم هو المعادل لأفعل التفضيل والمعنى المراد منها جميعا هو "أظلمية الكفر".

وذكرت الآيات نوعين للكفر:
• افتراء الكذب على الله سبحانه وتعالى
• ثم التكذيب بآيات الله سبحانه وتعالى

وقدّم النوع الأول على الثاني لشناعته ولأن افتراء الكذب على الله أقبح من التكذيب بآيات الله. وفيه تعمّدٌ لارتكاب الإثم واختلاق أمور ينسبها المفتري إلى الله جلّ وعلا وهو يعلم يقينًا أنه كاذب فيها. وكثيرا ما يجتمع الأمران في كافر واحد مثل افتراء أهل الكتاب الكذب على الله بادّعائهم الصاحبة والولد لله سبحانه وتعالى ثم تكذيبهم بالقرآن رسالة خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم.

وتؤكد ختام آية سورة الأنعام عدم فلاح الظالمين (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۗ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)) ولم يقل الأظلمين لأن عدم فلاح الظالمين ينفي عدم فلاح الأظلمين، فإن كان قليل من الظلم سبب في الخسران وعدم الفلاح فما بالك بكثير الظلم؟ إنه أتعس حالًا من قليل الظلم.

وآية سورة الكهف (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾) وردت بعد حديث عن المجرمين ومعاندي الرسل كان آخرها قول الله تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا ﴿٥٦﴾) فجاءت آية (ومن أظلم) تعقيبًا على تلك المواقف التي وقفها المعاندون من رسل الله تعالى والوحي المنزّل عليهم.

ومن أسرار النظم وبلاغته في آية سورة الكهف (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾):

(مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ) استعير التذكير للتبليغ لأن هذا التبليغ لوضوحه وقوة ظهوره كان ينبغي أن يكون حاضرًا في الأذهان لوجوب الإيمان والعمل به.

وإضافة الآيات إلى (ربّ) دون غيره من الأسماء الحسنى وإضافته إلى ضمير المتحدَّث عنه إشارة إلى قبح الإعراض المذكور لما في كلمة (رب) من معاني الإنعام والإحسان. وحذف الفاعل من فعل (ذُكّر) فيه تكثير للمعنى حتى لا ينحصر الإعراض عن تذكير الرسل فقط وإنما يشمل تذكير الرسل والدعاة من بعدهم.

(فَأَعْرَضَ عَنْهَا) الفاء تدل على سرعة إعراض المعرضين الذين ذُكّروا بآيات ربهم دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة للتروي والتفكير والفهم.

(وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ) جملة معطوفة على (ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ) وهي كناية عن الكسب وما اقترفوه من آثام الحياة وفي مقدمتها الكفر بالله والاستهزاء بآياته لأن اليدين هما آلة الكسب والعمل في الغالب.

والذي أعرض عن ذكر ربه ونسي ما قدمت يداه جزاؤه: (إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) الجزاء من جنس العمل فهؤلاء لما ذُكّروا بآيات ربهم أعرضوا عنها مباشرة دون تروي وتفكير وفهم فكان عقابهم أن يجعل الله تعالى على قلوبهم أكنّة وأغطية حاجبة لقلوبهم عن التأثر وثقلًا مانعًا لأسماعهم من السمع تقبيحًا لهم وورود (أكنّة) و (وقرا) نكرة للدلالة على التكثير والتكثيف فكأنها أغطية فوق أغطية وحُجب فوق حُجب فلا ينفذ منها شيء من الهدى ولذلك ختمت الآية (فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا) توكيدا لنفي الإيمان والاهتداء باستخدام (لن).

وكما استخدمت الفاء في سرعة إعراض المعرضين عن آيات ربهم (فَأَعْرَضَ عَنْهَا) استخدمت أيضًا في نفي الإيمان والهدى بعد جعل الأكنة والأغطية على قلوبهم وأسماعهم (فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا).

(المرجع: كتاب التفسير البلاغي للاستفهام في القرآن الكريم – د. عبد العظيم المطعني – الجزء الأول – بتصرف)


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل