تطبيق برنامج تدبر القرآن الأسبوعي لسورة الكهف - 19

تطبيق برنامج تدبر القرآن الأسبوعي لسورة الكهف

تأملات الأسبوع 19
إعداد صفحة إسلاميات

- (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ﴿٣٧﴾) تذكير المؤمن صاحبه بمراحل الخلق بعد ذكر الجنتين (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا ﴿٣٢﴾ كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا ﴿٣٣﴾) وقبل ذكر المثل (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا ﴿٤٥﴾) لعل فيه إشارة إلى التدرّج من الأدنى إلى الأعلى، يذكر هذا المؤمن صاحبه أن جنتيك هاتين ما وجدتا هكذا فجأة وإنما تدرجتا حتى وصلتا إلى هذا الجمال والبهاء وكذلك أنت يا صحاب الجنتين تذكر كيف كان خلقك، فالذي أنبت شجر جنتيك هو الذي خلقك طورا بعد طور حتى أصبحت رجلًا! الإنسان خُلق من تراب والأرض تراب ثم صار نطفة وهي كالبذرة في الأرض التراب ثم سواك رجلًا وهي النبات والشجر الذي يكبر وينمو بقدرة الله تعالى ضمن مراحل فكما أن الإنسان تطور في مراحل الخلق من مرحلة إلى أخرى، يتطور النبات والشجر من مرحلة إلى أخرى بقدرة الله تعالى. وتكرار (ثمَّ) تفيد الترتيب والتراخي أي أن كل طور يتم في مرحلة زمنية محددة قبل أن تنتقل للطور التالي وهذا التدرج ينبغي أن يكون في حياتنا في كل شيء، فالعلم بالتدرج ليرسخ في النفوس والأعمال بالتدرج..

- (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴿٤٩﴾)
الأفعال التي وردت في الآية: وُضِع، ترى، يقولون، يغادر، أحصاها، وجدوا، عملوا، يظلم
الأفعال بصيغة الماضي تدل على تحقق الوقوع فوضع الكتاب يوم القيامة أمر متحقق لا مرية فيه وسيرى المجرمون عملهم فيشفقوا على أنفسهم مما اقترفوه ويندمون حيث لا ينفعهم الندم.
والأفعال بصيغة المضارع تنقل السامع والقارئ للآية إلى ساحة المشهد يوم القيامة ويستحضر صورة الحدث ماثلًا أمام أعينهم وكأنهم يرونه الآن ويسمعون قول المجرمين النادمين وهم يتحسرون على ما عملوه.
(ولا يظلم ربك أحدًا) صيغة المضارع في (يظلم) تنفي الظلم عن الله عز وجل داًئما أبدًا فهو سبحانه وتعالى لا يظلم أحدًا، حاشاه وهو العدل جلّ وعلا.

- (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) الكافر في حياته الدنيا كان يقترف السيئات ويفعل ما يحلو له ظنًّا منه أن لا أحد يراه وأنه لن يحاسبه أحد، تكبره وغروره جعلاه يفعل ما يحلو له بلا حسيب ولا رقيب لأنه ظنّ أنه أعلى من المراقبة والمحاسبة، لم يكن يؤمن بالغيب ولا بالملائكة التي بلغه أنها تسجل أعماله ولا بالله تعالى الذي يحصي عليه حركاته وسكناته وما خفي من خواطره كله بسبب الكِبر الذي أغفل قلبه وأصمّ آذانه عن الإيمان. الآن يتفاجأ هذا الكافر المجرم بهذا الكتاب الذي لم يترك صغيرة ولا كبيرة ولا مجرد خاطرة دون تدوين يراها أمام عينيه ويقرأها على الملأ فيتحسر ويندم ويتلاشى كبره وغروره ويتمنى لو أنه ما كان في هذا الموقف الفاضح. وتقديم (صغيرة) على (كبيرة) في الآية فالصغيرة أدعى للاستغراب من تدوينها عند هذا المجرم فلعله هو أيضًا نسيها بين كبائره التي أوبق كاهله بها في حياته! هذه الصغيرة التي أخفاها عن أعين الناس ما ظنّ يومًا أن السميع البصير مطّلع عليه يراه ويسمعه مهما تخفّى وتوارى عن الأعين! جعل الله تعالى أهون الناظرين إليه فها هو الآن في موقف يوم القيامة أهون الناس وأشدهم حسرة وهو يرى صغائره وكبائره مدوّنة أمام ناظريه!!. والصغيرة تؤكد قدرة الله تعالى فهو الخبير الذي لا يخفى عليه شيء، صغيره قبل كبيره فالصغائر والكبائر سواء في الإحصاء عند اللطيف الخبير الذي لا يخفى عنه شيء سبحانه.
أما المؤمن فهو يعيش حياته كلها مستشعرًا رقابة الله تعالى ويعلم أنه ما من عمل يعمله ولا كلمة يقولها ولا حركة تتحرك بها جوارحه ولا خاطرة تخطر بباله مهما خفيت عن الناس فهي معلومة عند عالم الغيب والشهادة ومسجلة مكتوبة في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى. وكلما زاد يقين المؤمن برقابة الله تعالى كلما صلُح حاله واستقامت أحواله وأعماله وأقواله وحتى أفكاره وخواطره ومشاعره.

- سورة الكهف هي آخر السور المكية التي تحدثت عن قصة آدم وعصيان إبليس لأمر الله تعالى له بالسجود لآدم والتي وردت في سورة الأعراف والحجر والإسراء وطه وص وهذه السورة نزلت قبل سورة الكهف فجاء حديث (الكهف) عن تلك لقصة إجمالًا بديعًا للقصة فقد تضمن أصول القصة ثم أضاف إليها جديدًا وهو نسبة إبليس إلى الجنّ ثم إنكار إتخاذه وذريته أولياء من دون الله مع ذمّ ذلك المسلك (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴿٥٠﴾). (من كتاب: التفسير البلاغي للإستفهام في القرآن الكريم – د. عبد العظيم المطعني، الجزء الثاني).

- (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴿٥٧﴾) ذكر الربّ مع التذكير يدل على قبح إعراض من يُذكّر بآيات ربه الذي خلقه وأنعم عليه بشتى أنواع الإنعام، كان الأولى له إذا ذُكّر بآيات ربه أن ينصاع لها طاعة وخشية ومحبة لهذا الرب المنعم المتفضل عليه لكنه تكبر الإنسان وغروره ينسى الخالق ويعرض عن آياته!!.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل