برنامج علّمه البيان - البيان

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

البيان

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

نتكلم في هذه الحلقة عن البيان في القرآن الكريم، ذلكم أن هذا العلم لم يكن قديما إنما العرب كانت تتكلم وتبين بدون أن تعرف عنه قواعد وما من علم إلا وكانت العرب تتكلم به سليقة كالنحو  وكاللسان والفصاحة والبلاغة والبيان وأول من تكلم في البيان وكتب في البلاغة أبو عبيدة معمر بن المثنى لما استضافه الفضل بن الربيع إلى بغداد دار الخلافة فسأله سائل قال: يا أبا عبيدة نقرأ قوله تعالى (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ﴿٦٥ الصافات﴾) وبيّن له على أن القرآن نزل على لسان العرب والعرب كان تنوع الأخبار حتى يذهب فكرك كل مذهب والعرب لم تعرف الشياطين ولم ترها ولم يقل رأس وإنما قال رؤوس لأن خلقة الشياطين في رؤوسها تختلف ولم يقل رأس الشيطان لأنه لو قال رأس الشيطان لكان مثل رأس الإنسان لكن قال رؤوس لأن الله خلق الشياطين تختلف في خلقتها فلما كانت كذلك قال تعالى (رؤوس الشياطين). قال أبو عبيدة" فعنّ لي أن أؤلف كتابًا في البلاغة، فألف كتابًا سماه: مجاز القرآن والمجاز هاهنا ليس قسيم الحقيقة وإنما بمعنى معنى الآية وتأويلها وهكذا.

(الرَّحْمَنُ ﴿١﴾ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ ﴿٢﴾ خَلَقَ الْإِنْسَانَ ﴿٣﴾ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴿٤﴾ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴿٥﴾ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴿٦﴾ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧﴾ الرحمن)

ثم جاء بعده الجاحظ فألّف كتابه "البيان والتبيين" فيعتبر كاب الجاحظ مرعا للمتخصصين لأنه يحمل أخبار العرب ورسائلهم وخطب العرب وغيرها. ثم جاء العالم السُنّي أبو قتيبة وعنده "مشكل القرآن" وعنده "مشكل الحديث" ثم جاء بعده الزمخشري فألف كتابه المعروف في البيان وهو "الكشاف" والتزم الحرم أربع سنوات حتى سُميَ بـ(جار الله الزمخشري) وهو الذي قال قولته في بيان القرآن في الشرط الذي يحتاج إليه المتعاطي للتفسير لبيان القرآن، قال:

فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرّية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوّة لحييه لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان. لأن علم المعاني يناقش المعنى وعلم البيان يناقش المبنى وعلم البديع يناقش التحسين ثم هذا لا يفيد إلا بالفتح من الله فإذا ما فتح الله على العبد في هذا الشأن لا يستطيع أن يستخرج من التنزيل شيئًا لقوله تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ)[البقرة:282] فالقرآن الكريم يحتاج إلى بيان لا إلى تفسير، التفسير بمعنى الكشف أما البيان فهو الذي لا تنتهي عجائبه فهو الذي إن أوجز كان كافيًا وإن بيّن كان شافيًا وإن أشار كان وافيًا وإن حكم كان عادلًا وإن أكثر كان مذكّرا وإن وعظ كان مؤثرًا لا يملّه قارئه إذا استرسل ولا يمله سامعه إذا تأمل فهو حلو إذا تذوقته العقول، بحر العلوم وديوان الحكم وجوهر الكلم ونزهة المتوسمين وروح قلوب المؤمنين نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين.

ثم جاء بعد ذلك شيخ البلاغيين وهو الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني فألّف كتابين مختصين بهذا الشأن وهما: أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز. فأسرار البلاغة يتكلم عن قواعد البلاغة من معانٍ ووبيان وبديع ولم يكن الجرجاني يسمي البديع علما كان يسميه بعلم التحسين ثم جاء الذين من يعده فسمّوا فاستفاد السكّاكي الذي جاء بعد الجرجاني استفاد من كتابه فألّف كتابه "مفتاح العلوم" والسكّاكي كان صانع أقفال ولكنه كان فيلسوفا متكلما ضليعا فاستطاع أن يفيد الأمة من خلال كلامه إلى أن جاء الخطيب القزويني وألّف كتابه "الإيضاح" وكان خطيبًا بمسجد دمشق وهو عجمي ففتح الله عليه بهذا الشأن. ثم جاء الذين من بعده فألّفوا كتبا في هذا الشأن فخلاصة القول أن علم البلاغة علم يفيد السامع وإفادة السامع هو كل شيء في البلاغة، البليغ هو الذي يستطيع أن يفيد الناس فالقاعدة أن كل بليغ فصيح وليس كل فصيح بليغًا، لأن الفصاحة إتقان الكلام من حيث النحو لكن البلاغة إتقان الإيصال كيف تتوازن مع المتواضعين كيف ترفع كيف تنزل تلكم هي البلاغ, إذن فالبلاغي يفيد السامع ولذلك ربنا قال (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) النساء) وبلاغة العرب كثيرة يضيق المجال لذكرها لأن العرب كانوا بلاء حتى في كلامهم وطرحهم إذا تكلموا كانوا بلغاء في طرحهم للكلام فمن ثمّ رب العالمين بيّن أن البلاغة تصل إلى النفوس وأن الفصاحة موضعها اللسان (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا)[القصص:34] وقلنا على أن الفصاحة تتكئ على الألفاظ وصناعة الألفاظ أما البلاغة إنما تستند إلى المعاني والمعاني ترتفع وتصل إلى قلوب الناس لأن الرجل حينما يكون بليغا يعرف ما يقول ومن ثمّ قالوا: من الحكمة أن تعرف ما تقول وليس من الحكمة أن تقول كل ما تعرف لأن الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع وإن أكثرت منه صدع ولذلك فإن المشتغل بهذا الفن لا بد أن يكون من المتقين وخلاصة القول أن الذي يتكلم في القرآن لا بد أن يتقرب من الرحمن إذا أردت أن تترجم كلام المنّان لا بد أن تكون قريبًا من صاحب هذا الكلام وهو الله والقرب منه أن تكون من المتقين فكلما اقتربت منه فتح عليك من العلوم ما هو عليم (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ). دخل على محمد الباقر وهو ابن زين العابدين فقال له رجل: يا أبا جعفر هل رأيت ربك حتى عبدته؟ قال ما كنت لأعبد شيئا لم أره، قال كيف رأيته؟ فأطرق أبو جعفر رأسه ثم رفع فقال للسائل: الله رؤية الله لا تدرك بمشاهدة العيان ولكن تدركها القلوب بحقائق الإيمان لا يقاس بالناس ولا يدرك بالحواس بان من الأشياء وبانت الأشياء منه وليس كمثله شيء فقال الأعرابي الله أعلم حيث يجعل رسالته، ثم ذهب فبان من الأشياء وبانت الأشياء منه بان من الأشياء ليس منه شيء في مخلوقاته وليس شيء من مخلوقاته شيء يشبهه فليس كمثله شيء إذن فالذي يفتح الله عليه وكان من المتقين فإنه يُخرج العجب العجاب وقد قال سبحانه وتعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر:28] فنسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا منهم وأن يختم علينا بالصالحات إنه جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل