برنامج علمه البيان سورة الكهف - 9

علّمه البيان

د. عبد الواحد الوجيه

سورة الكهف – الجزء 9

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

الصبر وأن الصابر دائما يتحمل تبعات ما يفعل من الخير ولا بد أن يُبتلى إما في عبادته وإما في صدقه وأكثر من يبتلى هو صاحب الإيمان المتعدي والإيمان المتعدي هو الإنفاق والصدق، كل شي يصدر منه من الخير فهو إيمان متعدي فعند ذلك وقد ذكرنا الوزير أن ابن بقيّة وزير عضد الدولة العباسي كان كريمًا فوشي به إلى الخليفة بأن هذا يؤلب الناس عليك ويتصدق ويريد أن يجعل دولة لنفسه فأمر بقتله فقتله وصلبه وعُلق على باب المدينة فاجتمع الضعفاء الذين كان يتصدق عليهم وكانوا يجلسون تحت تلك الخشبة ليلا ونهارا فجاء أحد الشعراء وهو ابن الأنباري فقال فيه هذه الأبيات حتى أن الخليفة تمنى أن يكون هو المصلوب وقيلت فيه هذه القصيدة:

عُلُوٌّ في الحَيَاةِ وفي المَمَاتِ .. لَحَقًّا أَنْتَ إِحْدَى المُعْجِزَاتِ

كَأَنَّ النَّاسَ حَوْلَكَ حِيْنَ قَامُوا .. وُفُوْدَ نَدَاكَ أَيَّامَ الصِّلاتِ

كَأَنَّكَ قَائِمٌ فِيْهِمْ خَطِيْبًا .. وَكُلُّهُمُ قِيَامٌ للصَّلاةِ

مَدَدْتَ يَدَيْكَ نَحْوَهُمُ احْتِفَاءً .. كَمَدِّهِمَا إِلَيْهِمْ بِالهِبَاتِ

وَلَمَّا ضَاقَ بَطْنُ الأَرْضِ عَنْ أَنْ .. يَضُمَّ عُلاكَ مِنْ بَعْدِ المَمَاتِ

أَصَارُوا الجَوَّ قَبْرَكَ واستَنَابُوا .. عَنِ الأَكْفَانِ ثَوْبَ السَّافِيَاتِ

لِقَدْرِكَ في النُّفوسِ تَبِيْتُ تُرْعَى .. بِحُفَّاظٍ وَحُرَّاسٍ ثِقَاتِ

وَتُشْعَلُ عِنْدكَ النِّيْرَانُ لَيْلاً .. كَذَلِكَ كُنْتَ أَيَّامَ الحَيَاةِ

رَكبْتَ مَطِيَّةً مِنْ قَبْلُ زَيْدٌ .. عَلاهَا في السِّنِيْنِ المَاضِيَاتِ

وَتِلْكَ فَضِيْلَةٌ فِيهَا تَأَسٍّ .. تُبَاعِدُ عَنْكَ تَعْيِيْرِ العُدَاةِ

وَلَم أَرَ قَبْلَ جِذْعِكَ قَطُّ جِذْعًا .. تَمَكَّنَ مِن عِنَاقِ المَكْرُمَاتِ

أَسَأْتَ إِلى النَّوائِبِ فَاستَثَارَتْ .. فَأَنْتَ قَتِيْلُ ثَأْرِ النَّائِبَاتِ

وَكُنْتَ تُجِيْرُ مِنْ صَرْفِ اللَّيالِي .. فَعَادَ مُطَالِبًا لَكَ بِالتِّرَاتِ

وَصَيَّرَ دَهْرُكَ الإِحْسَانَ فِيْهِ .. إِلَيْنَا مِنْ عَظِيْمِ السَّيِّئَاتِ

وَكُنْتَ لِمَعْشَرٍ سَعْداً، فَلَمَّا .. مَضَيْتَ تَفَرَّقُوا بِالمُنْحِسَاتِ

غَلِيْلٌ بَاطِنٌ لَكَ في فُؤَادِي .. يُخَفَّفُ بِالدُّمُوعِ الجَارِيَاتِ

وَلَوْ أَنِّي قَدِرْتُ عَلى قِيَامٍ .. لِفَرْضِكَ وَالحُقُوقِ الوَاجِبَاتِ

مَلأتُ الأَرْضَ مِنْ نَظْمِ القَوَافي .. وَنُحْتُ بِهَا خِلافَ النَّائِحَاتِ

وَلكِنِّي أُصَبِّرُ عَنْكَ نَفْسِيْ .. مَخَافَةَ أَنْ أُعَدَّ مِنَ الجُنَاةِ

وَمَا لَكَ تُرْبَةٌ فَأَقُوْلُ تُسْقَى .. لأَنَّكَ نُصْبُ هَطْلِ الهَاطِلاتِ

عَلَيْكَ تَحِيَّةُ الرَّحمَنِ تَتْرَى .. بِرَحْمَاتٍ غَوادٍ رَائِحَاتِ

(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴿٨٣﴾ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿٨٤﴾ فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥﴾ حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴿٨٦﴾)

فهذه تعتبر من أعظم المراثي التي قيلت في التاريخ، قيلت في الوزير ابن بقيّة والذي جعله قتيلا هو أنه كان رجلا كريما وهذا ما يُعرف بالإيمان المتعدي لأن الكرم من أعلى الدرجات وقد جعله الله يوم القيامة في المقدمة (إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴿٤٠﴾ النبأ) وجعل البخيل في المؤخرة بل أكثر أناس يعذبون يوم القيامة قبل دخول النار وهم في الموقف هم البخلاء (يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴿٣٥﴾ التوبة) وإنما حدد الجبهة والجنب والظهر لأن الغني حينما يأتيه الفقير يعبس في وجهه (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ) وإذا ما كلم الفقير الغني ينظر إليه الغني عن جنب ولا يستقبله بوجهه لتكبره فيوضع الذهب والفضة في جنبه (وَجُنُوبُهُمْ) ثم إذا طلب منه شيئا أعطاه بظهره وتركه توضع النار على ظهره فتخرج من صدره (وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) بينما الكرم من أعلى الدرجات وقد مر بنا أن عمر بن الخطاب حين وقف السائل ببابه فقال:

يا عمر الخير جُزيت الجنة

اكسُ بنياتي وأمهنّ

وكُن لنا من الزمان جُنّة

أقسم بالله لتفعلنّ

ققال عمر وإذا لم أفعل فماذا سيكون؟

فقال السائل: إذن أبا حفص لأمضينّ

قال عمر: وإذا مضيت فماذا يكون بعد مضيّك؟

فقال السائل وهي الكلمة التي أثرت في عمر:

يقول عن حالي لتسألنّ

يوم تكون الأعطيات جُنة

وموقف المسؤول بينهنّ

إما إلى نار وإما إلى جنّة

ثم أخذ القميص وأخذ يتناوب مع خادمه في قميص واحد إلى الصلاة، عمر المبشر بالجنة عمر هذا الذي كان إذا سلك فجًا يسلك الشيطان فجًا آخرا هذا الذي بشّر بالجنة وهو الذي ينتظر الموت، ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت ومع ذلك كله أبكاه السائل وأعطاه قميصه خوفا من الله (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿١٦ التغابن) بينما البخل حاجز بين العبد وبين الجنة وقد قالوا في البخل ومن الشعر وإن من الشعر لحكم، قالوا في البخيل الذي لا يتصدق ولا يعطي شيئا

المال كالماء إن تحبسه يغرقك   وإن تتركه تسمع له سرسار

كذلك البخل موبق لصاحبه      والجود يوقيك ما لا تدري من الأضرار

كم من المصائب قد كتبت عليك ثم صرفت عنك بسبب نظرة طيبة أو خطوة طيبة إذ أن الجوارح إذا صدر منها خير يكتب للعبد كما أنه إذا صدر منها شر يكتب علر العبد (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٦٥﴾ بس) فإما أن تكون حركات للخير وإما أن تكون حركات للشر فلما تكون الجوارح مطيعة للعبد في عقله وفكره في الخير فعند ذلك يكون العبد صادقًا مخلصًا ودرجة الإخلاص هي من أعلى الدرجات الذي اعترف بجلالها إبليس قال (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿٨٢﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿٨٣﴾ ص) وقد مر الكلام على الإخلاص وأن تعريف الإخلاص بيانيا هو القمة في الخفاء والدقة في العطاء بحيث أن المخلص لا يطلع على عمله ملك فيكتبه ولا شيطان فيرصده ولا عدو فيحسده ولا صديق فينشده، سبّاق للخير وهو غير موجود وخوّاف من الشر وكأنما هو المقصود فعندها لا يمدحه المادحون فيتمارى ولا يشدّ من عزمه الحاقدون فيتوارى وإذا أردت معرفة المزيد عن الإخلاص فصدّيق هذه الأمة لنا مقياس، بدأنا بأبي بكر وختمنا بأبي بكر في صدقه في هذه الأمة نسأل الله تعالى أن يجعلنا مع الصديقين والنبيين إنه جواد كريم.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل