برنامج تبيان - سورة الأعلى - 2

سورة الأعلى -2

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:في الحلقة الماضية وقفنا عند الآية التاسعة من سورة الأعلى عند قوله جل وعلا: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴿٩﴾ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴿١٠﴾ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿١٣﴾﴾ ماذا عن هداية وأنوار هذه الآيات؟

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

يقول الله جل وعلا آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم بالقيام بما كُلِّف به من التذكير قال: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴾ قال المفسرون: ذَكِّر حيث تنفع التذكرة، وقال بعض المفسرين بياناً لهذه الآية أيضاً: عظ قومك أيها الرسول- صلى الله عليه وسلم- حسب ما يَسرّناه لك، وخُصّ بالتذكير من يُرْجَى منه التَذكُّر ولا تُتْعب نفسك في تذكير من لا يورثه التذكير إلا عُتُواً ونُفورا.

ولذلك قال ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسير هذه الآية: "ومن ههنا يؤخذ الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهموقال: حَدِّث الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله". فإذاً ربنا جلا وعلا يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُذكّر إن نفعت الذكرى، أم إذا كانت الذكرى لا تنفع بأن كان الشر يزداد، أو يتمادى هؤلاء المُذَكّرون في عتوهم ونفورهم وربما أورث شراً زائداً فلست بمأمور بالتذكير في مثل هذه الحالة. ولذلك الشنقيطي عليه رحمة الله وغيره يقول:

الذكرى تشتمل على ثلاث حكم :

·         الأولى: خروج فاعلها من عُهدة الأمر بها .

·         الثانية: رجاء النفع لمن يوعَظ بها.

·         الثالثة: إقامة الحجة على الخلق كما قال الله جل وعلا: ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية على العموم وأن الآية لا مفهوم مخالفة لها وأن الداعي إلى الله والرسول ينبغي عليه أن يُذكِّر الجميع فهذا القيد: ﴿إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴾ ليس تقييداً لمضمونها فليس المعنى فذكّر إذا كان للذكرى نفع حتى يُفهم منه بطريق مفهوم المخالفة ألا تذكّر إذا لم تنفع الذكرى إذ لا وجه لتقييد التذكير إذا كانت الذكرى نافعة، إذ لا سبيل إلى تعرّف مواقع الذكرى كما قال الطاهر ابن عاشور في (التحرير والتنوير) وغيره من المفسرين.

ولذلك هؤلاء يُخرّجون هذا القيد على عدة تخريجات حتى ذهب بعض أهل اللغة كالفرّاء والنحاس إلى أن المعنى: ذكّر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع، وأن الآية اقتصرت على أحد القسمين لدلالته على الثاني، أو لشرف النوع الأول.

والذي يظهر والله أعلم أنه وإن كان الأمر بالتذكير عاماً إلا أن تخصيص الذكرى بمن تنفعه الذكرى ولا يزداد شرّه هو الأَوْلى وهو المتعين.

قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴿١٠﴾ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ﴿١٢﴾﴾

﴿ مَن يَخْشَىٰ ﴾ هنا ليس مفرداً وإنما هو جنس من يخشى الله جل وعلا، ومثل ذلك أيضاً: ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴾ هو جنس وليس المقصود شخصاً بعينه.

وفي هذه الآية فائدة وهي أن الخشية سبب للانتفاع من التذكر والانتفاع بالمواعظ ولا شك أن خوف الله جل وعلا ومراقبته من أعظم ما يعظ الإنسان ويجعله يستفيد مما يتلى عليه من آي الذكر الحكيم.

أيضاً في المقابل مما يستفاد من قوله الله جل وعلا: ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ﴿١٢﴾﴾ أن الشقاء الحقيقي هو تجنب الاهتداء بالقرآن والإعراض عنه، ليس الشقاء الحقيقي هو أن يُحرَم الإنسان شيئاً من متاع الدنيا ولكن الشقاء الحقيقي هو حين يُخلّد في نار جهنم والعياذ بالله، ولذلك قال الله جل وعلابعد ذلك: ﴿ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَىٰ ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ﴿١٣﴾﴾ فلا هو – نعوذ بالله من حال أهل النار- لا هو يحيى حياة يسعد بها ولا هو يموت كما قال الله جل وعلاعنهم: ﴿ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا﴾ وقال سبحانه: ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ﴾ وقد جاء في الصحيح عن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أهل النار الذين هم أهلها لا يموتون ولا يحيون" نعوذ بالله من حال أهل النار!.

والعاقل الناصح لنفسه الذي يُوقن أن هذا الوعد حق صدق لا محالة واقع هو الذي يسعى في فكاك رقبته من النار، فإنه وإن أتعب نفسه في شيء من هذه الدنيا في طاعة الله وفي مرضاته والبعد عن معصيته إلا أن العاقبة حميدة، والله جل وعلا خلقنا في هذه الدنيا ليبلونا أينا أحسن عملا، وهذه الدنيا ما هي إلا دار معبر وأما دار القرار التي خُلِقَ الإنسان من أجلها  فهي الدار الآخرة ﴿ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾.

ثم قال جل في علاه: ﴿١٣﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴿١٧﴾ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴿١٩﴾﴾.

يقول الله جل وعلا: ﴿١٣﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾﴾ ﴿ تَزَكَّىٰ ﴾ أي طَهّر نفسه وزكّاها من الأخلاق الرذيلة وقام بما يجب عليه حين يعمر قلبه بحب الله وطاعته وذكره والرضا به وعنه والتوكل عليه واليقين والصبر ونحو ذلك.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴾ أي ذكر الله جل وعلا وصَلّى له. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد ﴿ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ أي أدّى زكاة الفطر، وذكر اسم ربه بالتكبير، وصَلّى صلاة العيد، وهذا لا شك أنه قول ليس بظاهر لأن الآية مكية وليس ثمة صلاة عيد ولا زكاة فطر، ولكن لا مانع أن تكون الآية تشتمل على هذا بمعناه العام فهي تشتمل على ذكر الله جل وعلا وعلى زكاة الفطر وعلى صلاة العيد من جهة عمومها، أما أن تكون الآية نزلت في هذا الشأن فليس بظاهر، وهذا يستفيده طالب العلم والمفسر فيما يتعلق بالترجيح بين الأقوال، هنا رجحنا القول الذي عليه جمهور المفسرين لأن الآية مكية وليست مدنية. والفلاح هو من أجمع كلمة قالتها العرب، وقد جاء تحقيق الفلاح في الآية بطريقين:

·         الطريق الأول: (قد) التي تفيد التحقيق.

·         والثاني: الفعل الماضي ( أفلح) الذي أيضاً يفيد تحقق وقوع هذا الفلاح.

قال الله جل وعلا: ﴿١٣﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾﴾ قدّم تزكية النفس لأنها هي الأصل لبقية الأعمال من الذكر والصلاة والنفقة والصدقة وغيرها.

ثم قال سبحانه: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴿١٧﴾﴾ أي أنكم تُقدّمون هذه الدنيا على أمر الآخرة وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قرأ هذه الآية ثم ترك القراءة وأقبل على أصحابه وقال: (آثرنا الدنيا على الآخرة, فسكت القوم فقال: آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها, وزويت عنا الآخرة فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل) وإذا كان هذا يقوله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه فماذا يقول غيره بعد ذلك؟! نسأل الله جل وعلا أن يرحمنا برحمته.

﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ أي أنكم تقدمونها ولم يذكر الشيء المُؤْثَر عليه للعلم به فإذا كانت المؤثرة الحياة الدنيا فهم يؤثرونها على الحياة الأخرى، ولذا جاء التأكيد عليها بعد ذلك قال: ﴿ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ ودائماً هذان الوصفان يتكرران في القرآن: وصف نعيم الآخرة والجنة بأنه خير وبأنه أبقى.

·         فهو خير من كل ما في هذه الدنيا، قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها "، وقال صلى الله عليه وسلم: " قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر "، ويقول ربنا جل وعلا كما في سورة السجدة: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وكل ما يتصوره الإنسان من نعيم فإن الجنة أعظم منه، وإذا كان آخر من يدخل الجنة من أهل الجنة يؤتى كما جاء في الحديث كأعظم مُلك هذه الدنيا ومثله عشر مرات، وهذا آخرهم دخولاً فما ظنّك بمن هو أفضل منه؟ نسأل الله الكريم من فضله لنا ولوالديكم ولأزواجنا وذرياتنا ووالدينا وإخواننا المسلمين.

·         والوصف الثاني أنه قال: ﴿ وَأَبْقَىٰ ﴾ مما يُعكِّر على لذات الدنيا أنها مُتقضية يقطعها الموت، يقطعها الفناء، يقطعها الزوال، يقطعها المرض وهكذا، أما نعيم الآخرة فهو كما قال الله جل وعلا مقيم ولذلك غير ممنون أي غير مقطوع لا ينقطع. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يرشدنا دائماً في هذه الدنيا إلى أن نكثر من ذكر هادم اللذات "الموت" لأنه ما ذكر على قليل إلا كثّره ولا ذُكر على كثير إلا قلّله. والقاعدة أن الآخرة خير وأبقى ومن أراد هذه الآخرة فليكثر من السعي لها وليستكثر من العمل الصالح قليله وكثيره لأن الإنسان لا يدري ما هو العمل الذي يدخل به الجنة.

قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ ﴿١٩﴾﴾ أي ما ذُكر هو في الكتب والصحف التي أنزلها ربنا جل وعلا على أنبيائه السابقين على إبراهيم عليه السلام وموسى عليه السلام. أي أن ما ذكر قبل ذلك هو مما أنزله الله جل وعلا على أنبيائه السابقين إبراهيم وموسى عليهما السلام.

قد اختلف المفسرون في هذا الضمير المذكور في هذه الآية ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ ﴾ ﴿هَـٰذَا﴾ يعود على أي شيء؟ فذهب بعض المفسرين إلى أنه عائد إلى كل ما جاء في السورة، فكل ما ذُكر في سورة الأعلى فإنه في صحف إبراهيم وموسى. وذهب جمع من المفسرين وهو اختيار ابن جرير عليه رحمة الله وحسّنه ابن كثير ورجّحه الطاهر ابن عاشور وجماعة إلى أن المقصود به ختام السورة وهو قول الله جل وعلا: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴿١٧﴾﴾ ومما يقوي هذا القول أن أول السورة مثل قول الله جل وعلا: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴾ ليس مذكوراً في الصحف الأولى.

ومما يستفاد من هذه الآية أن الكتب التي جاءت عن الله جل وعلا قد اتفقت على الأصول وإن اختلفت في بعض الشرائع، ومما يستفاد منه أيضاً أن في هذا دليلاً على صدق النبي صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به ذلك أنه جاء موافقاً للكتب السماوية التي لم تُحرّف، ولذلك يكثر في القرآن الاستدلال بهذا الدليل وأن النبي صلى الله عليه وسلم جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، وأنه صلى الله عليه وسلم صدّق المرسلين، ولذلك كانت هذه الآيات تنزل وكان النبي صلى الله عليه وسلم  يتلوها على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ولم يستطع أحد منهم أن يُنكر أن الأصول التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم كانت موجودة في كتبهم التي لم تُحَرّف.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- الدكتور حسين بن علي الحربي الأستاذ المشارك بجامعة جازان وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:للمفسرين أقوال ترد في الآية الواحدة فكيف يستطيع القارئ أن يتوصل إلى المعنى الصحيح والمعنى الأولى والأرجح للآية؟

د. الحربي:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فلا شك أن العناية بتفسير كلام الله تعالى والاشتغال به من أعظم الحسنات والقُرَب وأشرف العلوم إذ يستمد التفسير شرفه من شرف كتاب الله تعالى الذي هو كلامه سبحانه. وبالنسبة لأقوال المفسرين فإنها تنقسم إلى أقوال المتقدمين من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، وأقوال المتأخرين. وعند النظر في أقوال السلف يجب أن يراعي الناظر أنها قيلت من أفضل القرون وأعلم الناس بكتاب الله تعالى، فأعلم الناس بكتاب الله تعالى بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة فقد نزل القرآن بلغتهم، وأخذوا تفسيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلموا أسباب نزوله، والقرائن التي حفّت بخطابه وأحواله، وهذه كلها مؤهلات مع ما توفر في أنفسهم من صلاح وحُسْن قصد وسلامة من الهوى، هذه كلها مؤهلات لأن تجعل تفسيرهم هو الأقرب إلى موافقة الصواب في تفسير كلام الله تعالى، لذلك التعامل مع أقوال السلف ينبغي أن يكون له عناية خاصة، وألا يهمل شيء منها إلا عند العجز تماماً عن أن يكون له وجه صحيح في تفسير الآية، لذلك فإن مراتب النظر في أقوال المفسرين تكون في ثلاث مراتب:

·         الأولى: أننا لا ننظر إلى البحث عن الترجيح وأخذ بعض الأقوال وترك بعض إلا بعد استنفاذ المرحلة الأولى وهي التوفيق بين الأقوال والجمع فإذا أمكن أن نوفق بين الأقوال ونجمع بينها فهذه هي أولى المسالك في التعامل مع أقوال المفسرين.

·         المرتبة الثانية: مرتبة الترجيح، والترجيح الذي لا يقتضي أن يُطّرح شيء من الأقوال وإنما من باب تقديم الأَوْلَى والأفضل في تفسير الآية، وهذه نسميها المرتبة الثانية تقديم الأَوْلَى في تفسير الآية.

·         المرتبة الثالثة: وهي مرتبة الترجيح، وهذا عند وجود تعارض بين الآيات بعضها ببعض.

يمكن من خلال ما سنتحدث عنه في هذه الحلقة والحلقات القادمة إن شاء الله تعالى أن نبين عن أمثلة متعددة لهذه المراتب الثلاث.

إذا أخذنا مثلاً المرتبة الأولى وهي التوفيق والجمع بين أقوال المفسرين فلأهل العلم مسالك كثيرة ومتنوعة في التوفيق والجمع بين أقوال المفسرين فمثلاً من مسالكهم توجيه أقوال المفسرين والتوفيق بينها بتخريج كل قول على قراءة من القراءات المعتبرة عند أهل العلم والمتفق عليها بين الأمة، فلو أخذنا مثلاً تفسير قول الله تعالى: ﴿ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ فنجد أن للسلف فيها قولان:

القول الأول: قال به مجاهد والضحاك وغيرهما أن معنى ﴿ سُكِّرَتْ﴾ بمعنى سُدَّتْ.

والقول الآخر: قال به ابن عباس معنى ﴿ سُكِّرَتْ﴾ بمعنى سُحِرَتْ.

وهذان القولان في تفسير الآية مبنيان على اختلاف القراءة في لفظ ﴿ سُكِّرَتْ﴾  فقد قُرِئت بلفظ { سُكّرَت} بالتشديد وقُرِئت بالتخفيف { سُكِرَت} فقراءة التخفيف قرأ بها ابن كثير، وبقية السبعة قرأوا بالتشديد، ولذلك كل مفسر من المفسرين أخذ بإحدى القراءتين، فإذا شُدِّدَت يكون المعنى سُدَّتْ، وإذا خُفِّفَت على قراءة التخفيف {سُكِرَت} فيصير المعنى سُحِرَتْ والآية تحتمل المعنيين جميعاً ولا ترفضهما.

المسلك الآخر من مسالك التوفيق بين أقوال المفسرين يعتبرون الوقوف فإذا وقف القارئ عند لفظ يكون هناك معنى قد يختلف قليلاً عما لو وقف في مكان آخر وهذا النمط من التوفيق مشهور في تفسير قول الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ فأهل الإقراء وأهل التفسير اختلفوا في الوقوف هل الوقف على لفظ الجلالة ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗ﴾ ويقف القارئ ويستأنف ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ أم الوقوف على ﴿ الْعِلْمِ ﴾ فتكون القراءة ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّـهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ﴾ وعلى كِلا الوقفين يصير لكل وقف معنى يختلف عن المعنى الآخر، فمن وقف على لفظ الجلالة كان المعنى عنده أن معرفة التأويل لا يعلمه إلا الله، ومن وقف على لفظ العلم صار علم تأويل الكتاب يعلمه الله وأيضاً هو من معلوم أهل العلم وعلى كلا القولين اختلف أهل التفسير وقال كل جماعة منهم بقول. فالأَوْلى أننا نعتبر القولين معاً على الوجهين في الوقوف.

أيضاً من طرائقهم وهو كثير جداً في تفاسير السلف بالذات هو أن يُخرّج كل قول من أقوال المفسرين في تفسير الآية على أنه من قبيل المثال إذا كان يندرج تحت معنى المثال، والمقصود بالمثال أن يعمد المُفسر إلى اللفظ العام ولا يفسره بعموم اللفظ وإنما يختار أحد أفراد اللفظ العام ويُفسِّر به الآية دون أن ينظر إلى شمول المعنى.

والتفسير بالمثال هذا أخذه الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أصّل هذا النوع النبي صلى الله عليه وسلم عندما صعد المنبر وفسّر قول الله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ قال صلى الله عليه وسلم: " ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي" ففسر النبي صلى الله عليه وسلم القوة ببعض أفرادها على سبيل المثال لا أن معنى الحديث من قبيل التخصيص بمعنى تخصيص القوة كلها في معنى الرمي فقط، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نوعاً من أنواع القوة وسبباً من أسبابها وإن كان هو من أهمها من قبيل التفسير بالمثال. وهذا المسلك هو معتبر ومعروف عند أهل العلم، فمثلاً الإمام الشاطبي عليه رحمة الله صاحب (الموافقات) يقول: "من الخلاف ما لا يعتد به في الخلاف وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب بالسنة – يقول – وله أسباب أحدها: أن يُذكَر في التفسير عن النبي صلى الله عليه و سلم في ذلك شيء أو عن أحد من أصحابه أو غيرهم ويكون ذلك المنقول بعض ما يشمله اللفظ ثم يذكر غير ذلك القائل أشياء أخر مما يشتمله اللفظ أيضا فينصهما المفسرون على نصهما فيظن أنه خلاف كما نقلوا في المنّ أنه خبز رقاق وقيل زنجبيل وقيل الترنجبين وقيل شراب مزجوه بالماء ونحو ذلك فهذا كله يشمله اللفظ" فهذا هو معنى التفسير بالمثال وقد نبه إلى هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام الزركشي وغيرهم وهو كثير في تفسير المفسرين عليهم رحمة الله.

نمر على جملة من أوجه التوفيق بين أقوال المفسرين فمثلاً من طرقهم التوفيق بين أقوال المفسرين بجمعها في معنى واحد كلي يجمع الأقوال كلها.

أيضاً من طرائقهم التوفيق بين أقوال المفسرين بحمل الآية عليها جميعاً لتلازمها يكون كل قول ملازم للأقوال الأخرى.

وهناك طرائق كثيرة سَطّرها أهل العلم منثورة في مقدمات كتب التفسير، وفي ثنايا كتب التفسير وعلماء أصول الفقه ذكروا شيئاً من ذلك.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل