برنامج تبيان - سورة الأعلى - 1

سورة الأعلى -1

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:بمشيئة الله تعالى في هذه الصفحة سنشرع في تفسير سورة الأعلى وقبل أن نشرع في تفسير آياتها نود أن نقف مع فضيلتكم في تعريف هذه السورة والبحث في مواضيعها فتفضلوا

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

هذه السورة الكريمة تسمى سورة الأعلى، وتسمى أيضاً سورة ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ كما جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وتسمى أيضاً كما جاء في بعض الآثار بسورة سبِّح.

هذه السورة الكريمة سورة مكية كما هو ظاهر من موضوعاتها وكما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن البراء بن عازب - رضى الله عنهما – قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ، فَقَدِمَ بِلاَلٌ وَسَعْدٌ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيصلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَدِمَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى جَعَلَ الإِمَاءُ يَقُلْنَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلمفَمَا قَدِمَ حَتَّى قَرَأْتُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) فِي سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ.

هذا يدل على أن السورة كانت قد نزلت قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة.

هذه السورة فيها حديث عن هداية الله جل وعلا وخلقه أمرٌ بالتسبيح، وفيها حديث عن عناية الله جل وعلا بنبيه صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ ۚ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴿٧﴾ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ﴿٨﴾﴾ ثم قال جل وعلا بعد ذلك: ﴿ فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ ﴿٩﴾ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ ﴿١٠﴾ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾﴾ حتى قال بعض المفسرين أن هذا هو الموضوع الرئيس من هذه السورة وما قبله مقدمات له، وما بعده خواتيم له أيضاً.

هذه السورة من فضائلها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بها في الجمعة، ويقرأ بها في العيدين فقد جاء عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في العيدين بـ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وإن وافق يوم الجمعة قرأ بهما.

بل ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر معاذ حين قرأ بأصحابه في صلاة العشاء بسورة البقرة أمره أن يقرأ بـ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾.

نشرع في تفسير السورة يقول الله جل وعلا: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.

أمرٌ من الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو أمرٌ لأمته أن يُسبّحه فقال: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قد جاء في سور القرآن ذكر تسبيح الله جل وعلا على تصريفات متعددة وخصوصاً في مطلع السور القرآنية فجاء الأمر بالتسبيح في مثل هذه السورة ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وجاء بصيغة الماضي ﴿سَبَّحَ لِلَّـهِ﴾ وجاء بصيغة المضارع ﴿يُسَبِّحُ لِلَّـهِ﴾ وجاء بصيغة المصدر﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ إلى آخر الآيات، وهذا لا شك أنه عناية بهذه الشعيرة العظيمة وهذه العبادة العظيمة التي هي تسبيح الله جل وعلا. وتسبيح الله هو تنزيهه جل وعلا عن كل ما لا يليق به فتعظيم الله وتقديسه والثناء عليه وتنزيهه عن صفات النقص التي يذكرها الكفار فيه جل وعلا هو من تسبيح الله جل وعلا الذي أُمِر به الخلق.

وقد جاء في حديث عقبة بن عامر الجهني أنه لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "اجعلوها في ركوعكم" فلما نزلت ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "اجعلوها في سجودكم". قد أخرج الحديث الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم.

ولا شك أن هناك مناسبة ظاهرة بين هذا الذكر في السجود وبين سبحان ربي العظيم في الركوع فإن الركوع فيه ذل وانكسار يظهر من صورة الركوع ولذا ناسب أن يكون التسبيح فيه "سبحان ربي العظيم". وفي السجود هناك انكسار وانحناء إلى الأرض والتصاق بها فالمناسبة ظاهرة أن يسبح الإنسان ربه الأعلى جل وعلا، أن يسبح المؤمن ربه الأعلى.

ومن أسماء الله جل وعلا (العَلي) ومن صفاته العلو وعلوه جل وعلا علو في صفاته، وعلو في ذاته، وعلو في قدره وقهره سبحانه وبحمده.

ومما يستفاد من هذه الآية حين قال ربنا جل وعلا: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ فهو أمرٌ بالتنزيه ولذلك ينبغي للعبد أن يصون أسماء الله جل وعلا ويصون ذكره عن كل ما لا يليق، ومن ذلك صيانة أسمائه جل وعلا عن كل ابتذال وامتهان.

يستفاد من ذلك أيضًا أن لا تُرمى الأوراق التي فيها شيء من القرآن أو فيها ذكر لله جل وعلا، ألا يُدخل بها إلى الخلاء والأماكن المُستقذرة.

ومن الفوائد في هذه الآية الإتيان بهذا الاسم الكريم (الرب) دون غيره من الأسماء وهو اسم دال على الخلق والتدبير والعناية بالمربوب.

وأيضاً ثمة فائدة أخرى وهي إضافة الرب إلى المخاطب ففيه تشريف لهذا العبد الضعيف.

ثم قال تبارك وتعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴿٢﴾ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴿٣﴾ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ ﴿٥﴾﴾

يقول الله جل وعلا: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ ﴾ مفعول الخلق في الآية محذوف ليعم كل الخلق فهو خَلَقَ كل الخلق فسوّى خَلْقَهم كما قال الله جل وعلا عن الإنسان ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾.

وقال سبحانه: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ أيضاً مفعول التقدير هنا محذوف ليعم كل ما قَدّرَه الله جل وعلا. وهذه الآية هي كقول الله سبحانه وبحمده عن موسى أنه قال لفرعون: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ أي قدّر قدراً وهدى الخلائق إليه، كما جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" وقال مجاهد رحمه الله: (هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها) والأمر أعمّ من ذلك فإنه جل وعلا قدّر المقادير كما قلنا وهدى الخلائق بعد ذلك لهذا التقدير، والمعنى قدّر الأشياء كلها فهداها إلى أداء وظائفها فالله سبحانه وتعالى مثلاً لمّا قدّر للإنسان أن يكون ناطقاً متحركاً يمشي ويسير وهبه جل وعلا من العقل والآلات والأقدام والأيدي ليتمكّن من هذه النعمة التي قدّرها الله جل وعلا له فالله تبارك وتعالى قَدّر وهدى هذه المخلوقات لِمَا قدّرها له.

وهنا أيضاً فائدة أخرى وهي إعادة الاسم الموصول في قوله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ وفي الآية الأخرى أيضاً ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ ﴾ إعادة الاسم الموصول في هذه الجمل مع أنه في غير القرآن يُمكن أن يُغني حرف العطف فمثلاً يُقال: (سبّح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوّى * وقدّر فهدى* وأخرج المرعى) ولكن إعادة الاسم الموصول للاهتمام بكل صفة من هذه الصفات وإثباتها لمدلول الموصول وهذا لا شك أن فيه فائدة مهمة وهي إبراز هذه المعاني التي ذكرت في أثناء هذه الآيات.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ ﴾ أي أخرج المرعى من جميع صنوف النباتات التي ترعاها البهائم، ﴿ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَىٰ ﴾ أي: هشيماً متغيراً بعد أن كان أخضر أصبح يميل إلى السواد وذلك أن هذه هي دورة الحياة يبدأ الشيء يهتز كأحسن ما هو كائن ثم بعد ذلك يعود مرة أخرى يذبل ويصبح هشيمًا تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا.

قال الله جل وعلا: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴾ هذا إخبار من الله جل وعلا لنبيه ووعد منه له بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها وهذا فيه بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه عناية به بل عدّ بعض المفسرين أن هذا هو المقصود من السورة "العناية بالنبي صلى الله عليه وسلم وتبشيره بأنه حتى ولو تكاثر عليه الوحي ﴿ لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾" ولا شك أن أعظم وظائف النبي صلى الله عليه وسلم هي تبليغ هذا الوحي ولا شك أن أعظم خصائص الأنبياء وأعظم مزاياهم هي هذا الوحي الذي يأتيهم من الله جل وعلا وبه اُخْتُصُّوا من سائر الخلق ولذلك قال جل وعلا: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴾. ومن تمام عنايته جل وعلا بنبيه صلى الله عليه وسلم هذا الالتفات الحاصل في الآية حيث أتى بضمير المتكلم تعظيماً وتشريفاً للمُبَشّر صلى الله عليه وسلم، وأيضاً من عنايته به جل وعلا أنه أسند الإقراء إليه فقال: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ فَلَا تَنسَىٰ ﴾ هذا يحتمل أمرين:

الأمر الأول: أن يكون ما شاء الله جل وعلا أن ينسخه فيُنْسِيَه النبي صلى الله عليه وسلم فيكون هذا كقوله جل وعلا: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ وهذا هو الأظهر والأقرب والذي عليه كثير من المفسرين، وأيضاً يحتمل وإن كان معنى غير متبادر إلا أن الآية تحتمله هو ما يعرض للنبي صلى الله عليه وسلم من نسيان مؤقت لبعض آيات القرآن كما في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمع النبي صلى الله عليه وسلم قارئا يقرأ من الليل في المسجد فقال صلى الله عليه وسلم: "يرحمه الله لقد اذكرني كذا وكذا آية أسقطتها من سورة كذا وكذا".

المهم أن الله جل وعلا تَكَفّلَ لنبيه صلى الله عليه وسلم بإقرائه قراءة لا ينسى معها ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّـهُ ﴾ جل وعلا أن يُنْسِيَه إياه. ﴿ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ﴾ فهو لا تخفى عليه خافية ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾.

ثم قال الله جل وعلا تبشيراً لنبيه وتشريفاً له: ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ أي نسهّل عليك أفعال الخير وأقواله ونشرع لك شرعاً سهلاً سمحاً مستقيماً لا اعوجاج فيه ولا حرج، وهذا فيه أيضاً بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه ثناء عليه أن الله تبارك وتعالى ييسره لليسرى. وهذا على الصحيح من أقوال أهل العلم أنه عام يشمل كل تيسير فهو صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما وشريعته شريعة سمحة سهلة مُيَسّرة ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ فهو يشمل كل شؤونه صلى الله عليه وسلم.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في الحلقات الماضية تحدثتم نفع الله بكم عن أساليب التفسير وسبق أن طرحتم عن أسلوب التفسير الموضوعي وأسلوب التفسير التحليلي فهل بقي من أساليب التفسير شيء تحدثونا عنه في هذه الحلقة نفع الله بكم؟

د. الدريبي:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد.

جرى الحديث في اللقاءات السابقة عن أساليب التفسير أو عن ألوانه تحدثنا عن لونين من هما: التفسير الموضوعي والتفسير التحليلي وقلنا أن التفسير التحليلي هو أساس هذه الأساليب الأربعة التي أشرنا إليها: التفسير الموضوعي والتفسير التحليلي والتفسير الإجمالي والتفسير المقارن. وسبق الحديث عن التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي ونكمل فيما بقي من هذه الحلقة الحديث عن النوعين الآخرين وهما التفسير الإجمالي والتفسير المقارن.

أما التفسير الإجمالي فواضح من هذه الكلمة كلمة "إجمالي" أنه يتعرض للآيات بإجمال، نحن نتحدث هنا بشكل مُبسَّط تبسيط للمعلومة حتى يستوعبها الجميع. التفسير الإجمالي هو بيان الآيات القرآنية بالتعرض لمعانيها أن يتعرض المُفَسِّر لمعاني الآيات إجمالاً وقد يهتم ببيان غريب الألفاظ، الألفاظ التي قد لا يفهمها الناس حينما يقرأون مثل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ كلمة الفلق من الغريب، يبين المفسر الذي يهتم بالتفسير الإجمالي كلمة الفلق فيقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ﴾ فيشرحها وهكذا، فهو يبين معنى الآيات إجمالاً مع بيان غريب الألفاظ ويربط بين المعاني في الآيات. ويحرص هذا المُفَسِّر بهذه الطريقة – الذي يُفسِّر القرآن بشكل إجمالي- يحرص على أن يكون أسلوبه مُبَسّطاً سهلاً واضحاً، وعباراته واضحة ويَسْهُل فهمها لعامة الناس وللمتعلمين ولغيرهم، ويوظف ما يخدم هذا الهدف لبيان المعنى القرآني من ذكر لأسباب النزول، من ذكر للقصص، من ذكر لتفسير القرآن بالقرآن أو الأحاديث كل ذلك يُوظفه في أسلوب مُجْمل من غير الدخول في تفاصيل أسباب النزول وخلاف العلماء فيها وغير ذلك، وهدفه هو بيان القرآن. وكما يصح أن يقال أن يعيش القارئ لهذا التفسير أن يعيش القرآن الكريم فيعيش في جو القرآن – إن صح التعبير كما يطلق في الإطلاق العام- ولا شك أن الذي يفسر القرآن تفسيراً إجمالياً لا بد أن يكون مُتَمَكِّناً بشكل قوي في التفسير التحليلي فهو على علم بتفسير هذه الآية ألفاظها وإعرابها وأعاريبها وبلاغتها وقراءتها وأسباب نزولها وغير ذلك لكنه يصوغ هذه العلوم المتخصصة في أسلوب سهل يستطيع القارئ لهذا التفسير أن يفهم القرآن من غير الدخول في تفصيلات علمية دقيقة قد لا يفهمها أو لا يحتاجها إلا المتخصصون من طلاب علم الشريعة.

ومن أوضح هذه الكتب حقيقة تفسير الإمام العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي يعتبر أصلًا في هذا الباب مع أنه ليس مختصرًا، قد لا يلزم من الإجمال الاختصار. نفرق بين التفاسير المختصرة وبين الإجمالية، التفسير الإجمالي هو الأسلوب السهل الواضح كما فعل الإمام الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ولهذا تجده هو ومن يفسر القرآن بهذا الشكل أحياناً يُدْخِل الكلمة القرآنية في أثناء حديثه ليجعل نسق الحديث واضح للجميع فحينما يفسر ﴿قُلْ هُوَ اللَّـهُ أَحَدٌ ﴿١﴾ اللَّـهُ الصَّمَدُ﴾ يقول: الله الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في الحوائج فيجعل الآية أحياناً في وسط تفسيره حتى لا يستطرد كثيراً في بيان الغريب أو يدخل في تفصيلات وتفريعات يجعل قارئ هذا التفسير أيضاً يعيش جو القرآن.

هذا التفسير تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي (تيسير الكريم المنان) أشهر معالم هذا الأسلوب أو هذا اللون من ألوان التفسير ونحن ننصح به الإخوة المستمعين جميعاً إذا سألوا عن كتاب واضح يستطيع الإنسان أن يستفيد منه نقول تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي.

كذلك (التيسير في أحاديث التفسير) للشيخ محمد المكي الناصري أيضًا مثال جيد لهذا اللون من ألوان التفسير وكثير ممن يلجأ إلى تفسير القرآن الكريم في وسائل الإعلام العامة في التلفزيون، في الإذاعة، في اليوتيوب غالباً يلجأ  لهذا النوع لأنه المستهدف به هو عامة الناس فيستطيعون أن يفهموا ويعوا القرآن الكريم أو الآيات عن طريق هذا التفسير.

النوع الرابع ونختم به وهو ما يسمى بالتفسير المقارن وهو أن يأتي المفسر إلى آية أو آيات ويسرد فيها أقوال المفسرين يذكرها ثم يقارن بينها وهذه المقارنة قد تستدعي الترجيح والاختيار وقد يكتفي فقط بالمقارنة بينهما لكن غالباً التفسير المقارن يكون هنالك شيء من الترجيح، والمقارنة كما قلنا نوعين:

·         قسم يذكر هذه الأقوال ويجمعها في مكان واحد من غير الدخول في الترجيح ما بينها.

·         والقسم الآخر يذكر الأقوال الواردة في تفسير هذه الآية ويقارن بينها ثم يختار ويُرجح بناء على مرجحات معينة هو يحددها.

والتفسير المقارن أساسه التفسير التحليلي بشكل كبير فلا بد أن يستحضر التفسير التحليلي ويهضمه هضماً جيداً ويزيد عليه أن يذكر أقوال المفسرين سواء كانوا من الصحابة والتابعين أو المفسرين الذين فسروا هذه الآية القرآنية.

هذا أبرز ألوان التفسير المقارن، وهناك من يذكر أن هناك لون آخر أن نقارن بين النص القرآني وبين الأحاديث النبوية هذا يبحثه العلماء غالباً في مؤلفات المُشكل في القرآن ومُشكل الأحاديث حينما تأتي آية قد يتعارض ظاهرها مع القرآن الكريم فيقارن بينهما ويزيل هذا الإشكال. هذا التفسير من أهم مصادره أو ألوانه أو أمثلته تفسير ابن جرير الطبري فهو من أوائل من اهتم بذكر أقوال المفسرين والمقارنة بينها والترجيح حتى يخرج بقول هو يرتضيه ولهذا هو يعتبر أصلًا في هذا الباب يوازن ويذكر الأدلة ويذكر أقوال المفسرين ويرجّح فيما بينها.

ومن التفاسير المعاصرة في هذا تفسير بدأه الشيخ أبو عبد الرحمن الظاهري وكان يسميه ( تفسير التفاسير) وكان يأخذ فيه وقتًا طويلًا أخذ وقتاً طويلاً في تفسير سورة الفاتحة بهذه الطريقة.

لون آخر من ألوان المقارن الآن هي سهل جمعها عن طريق الأجهزة الحاسوبية بضغطة زرار الإنسان يستطيع أن يجمع كل أقوال المفسرين في آية فيقارن بينها ويختار ويرجح وهذا متاح في كثير من التفاسير وفيه هناك مشروع جيد موجود الآن متاح من إنتاج معهد المصطلحات القرآنية في المغرب عندهم ما سَمّوه بالتفسير التاريخي وأنا أنصح به لمن أراد أن يقف على أقوال المفسرين في الآية، جاءوا بأقوال المفسرين في هذه الآيات منذ عهد الصحابة إلى آخر مفسر ورتبوها ترتيباً تاريخياً بحيث تستطيع أن تقارن بينها.

هذه لمحة موجزة عن ألوان وأساليب التفسير والتفريق فيما بينها واضح كما أسلفنا، وهي طرق لكتابة التفسير اتخذها المفسرون في بيان كلام الله.

نختم لو سألنا أحد الإخوة من عامة الناس من المسلمين ممن يريد أن يفهم القرآن الكريم نحن نقول له الجأ إلى الكتب التي اهتمت بالتفسير الإجمالي، أو إلى اتجاه آخر من اتجاهات التفسير وهذا –إن أمد الله في العمر وتيسر الحديث عنها- ما يسميه العلماء بالمتخصرات في التفسير، وهذا اتجاه آخر غير الاتجاه الإجمالي، الاتجاه الإجمالي قد يكون كتابًا كبيرًا تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي في أربعة أو خمسة مجلدات والآن طُبِع مجلد واحد مضغوط لكنه ليس مختصرًا، لكنه واضح ننصح به إخواننا المستمعين والمستمعات لفهم كلام الله.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل