برنامج تبيان - سورة الطارق - 2

سورة الطارق -2

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:شيخنا في الحلقة الماضية وقفنا عند الآية الحادية عشرة من سورة الطارق عند قوله جل وعلا:  ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴿١١﴾ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴿١٢﴾ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴿١٣﴾ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴿١٤﴾﴾ ماذا عن أنوار وهدايات هذه الآيات شيخنا؟

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

قسم في الآية مرة أخرى بعد أن جاء صدر السورة بالقسم في قوله: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ﴿١﴾وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ﴿٢﴾﴾ أعيد القسم مرة أخرى بقوله جل وعلا: ﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴿١١﴾ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ﴿١٢﴾﴾ أما السماء والأرض فمعروفان أما ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ فالمراد به المطر لأنه يرجع ويتكرر، ﴿ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ ذات الانشقاق لأنها إذا نزل المطر انشقت وأنبتت من كل زوج بهيج كما قال سبحانه: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ إلى آخر الآيات. وجواب القسم ﴿إِنَّهُ﴾ أي القرآن الكريم ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴿١٣﴾ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴿١٤﴾﴾ القرآن الكريم وما اشتمل عليه من الهدى والنور وإثبات المعاد وغير ذلك.

وهناك مناسبة ظاهرة بين المُقسم به والمُقسم عليه ذلك أن السماء ذات الرجع ذات المطر والأرض التي تنشق وتُنبت من كل زوج بهيج كذلك القرآن لأن الغيث الذي به صلاح الناس فإن القرآن أيضاً فيه صلاح الناس كما أن المطر فيه صلاح لشؤون دنياهم فإن القرآن فيه صلاح لشؤون أخراهم. قد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً..." إلى آخر الحديث.

إذاً لا شك أن هناك مناسبة وتناسب بين المطر الذي به حياة الأرض، وبين القرآن الذي به حياة القلوب، وأن الأراضي تختلف حالها مع المطر فمنها من تُنبت، منها قيعان التي تُمسك الماء فينتفع منه الناس، ومنها أراضي لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأً، فكذلك الناس تعاملهم مع القرآن، هناك من يأخذ القرآن فينتفع منه وينفع غيره، هناك من يأخذ هذا الهدى والنور ويحفظه فيستفيد منه غيره وهناك نعوذ بالله من حال أهل الضلال من لا ينتفع لا هو ولا ينفع غيره!.

ثم بعد ذلك هناك أيضاً مناسبة أخرى بين القسم هنا وبين جواب القسم الذي ذُكر في أول السورة وهو إثبات المعاد، لأن السماء ذات الرجع التي يرجع المطر فينزل مرة بعد أخرى ثم تحيا الأرض ويخرج النبات فكذلك شأن الناس في المعاد فإن الله جل وعلا قد استدل في القرآن في غير ما موضع بإعادة الناس مرة أخرى بحال الأرض حين تموت وتهمد ثم بعد ذلك يُنْزِل الله جل وعلا المطر فتحيا مرة أخرى.

ولذلك لما ذكر ربنا جل وعلا في سورة (ق) حال الأرض بعد نزول المطر قال: ﴿ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ أي مثل هذا الأمر يخرج الناس من قبورهم ويبعثون يوم القيامة.

إذاً هاهنا مناسبتان في هذا الموضع من السورة.

قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ أي القرآن فهو فصل يفصل بين الحق والباطل، ويفصل بين المُحقين وبين المُبْطلين، ولا يوجد قول فَصَلَ بين الناس كما هو الشأن في القرآن فصل بين الحقائق وبين الأباطيل، فصل بين طريق الله جل وعلا وطريق الشياطين، فصل بين المؤمنين والكافرين، بَيّن الهدى من الضلال، بَيّن النور من الظلمات، وهذا استقراؤه كثير ويطول.

ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ﴾ هذا القرآن وما جاء به من الوعد والوعيد ليس بالهزل، خذوه بقوة، خذوه بجد لا تستهينوا به فإنه ليس لهواً ولا لعباً ولا أساطير الأولين وإنما هو الحق ليس بالهزل.

ثم قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴿١٦﴾ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴿١٧﴾﴾

يقول الله جل وعلا: ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ أي هؤلاء الكفار المعرضون عن دعوة الرسل ﴿ يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴿١٥﴾ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴿١٦﴾ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴿١٧﴾﴾.

الكيد هو التوصل للإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية هؤلاء الكفار يكيدون ويمكرون للنبي صلى الله عليه وسلم ومن استقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رأى من ذلك نماذج كثيرة. انظر مثلاً إلى ما تواطئ عليه مشركو مكة ليلة الهجرة من أجل قتل النبي صلى الله عليه وسلم حين انتخبوا من كل قبيلة شاباً وأحاطوا ببيت النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه ويتفرق دمه بين القبائل، ثم بعد ذلك ما صنعوا وهو في طريق الهجرة حين أعلنوا عن جائزة لمن يأتي به صلى الله عليه وسلم وبصاحبه حياً أو ميتاً وحين أطافوا بغار حراء، وحين خرجوا بخيلهم وخيلائهم يريدون اجتثاث الإسلام يوم بدر، وحين تمالأ الأحزاب مشركو مكة وصناديد ومشركي نجد وغطفان وأسد وغيرهم ومن تحالف معهم من يهود المدينة والمنافقون من الداخل ولكن الله جل وعلا ردّ كيدهم.

هناك وقائع كثيرة جداً تفوت الحصر بعضها تحصل من آحاد الناس وبعضها كيد جماعي، كيد المشركين، كيد قريش، كيد العرب، كيد اليهود، كيد المنافقين ولكنه في كل مرة يصدق قول الله جل وعلا: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْدًا ﴾ في كل مرة ينجيه الله جل وعلا منهم بألطف الأسباب وأحسن السُّبل ويخرج صلى الله عليه وسلم وهو سالم غانم مُنتصِر مُسدد مُؤيد، ولذلك ما هي إلا سنوات يسيرة وقد طبّق الإسلام جزيرة العرب بل ما هي إلا سنيّات يسيرة وإذا مملكة فارس والروم مملكة كسرى وقيصر وإذا هي تدخل في حاضرة الإسلام، وما هي إلا سنيّات يسيرة وإذا جيوش المسلمين تقف عند أسوار الصين وتقف عند ضفاف المحيط الأطلسي في جهة الغرب، كل هذا من توفيق الله جل وعلا وتدبيره لهذا الدين مما يدل على صدقه وأنه من عند الله جل وعلا.

قال الله تعالى بعد ذلك: ﴿ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ﴾ إذا كانوا يظنون أنهم يكيدون لك ويمكرون وأنهم بحيلهم وأساليبهم قادرون على اجتثاث هذا الدين والوقوف أمام نور الله جل وعلا فهم مخطئون ولكن مَهْلّهُم وأَنْظِرْهُم كما قال الله جل وعلا: ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ فمن كان يظن أو يزعم أو يتخيل أو يدور في خلده أنه يستطيع أن يَحُول بين الناس وبين الإسلام، بين الناس وبين نور الله جل وعلا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو واهم ولا يضر إلا نفسه كما قال الله جل وعلا: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّـهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّـهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ فهذا وعد الله ووعد الله لا يتخلّف، فمن لحق بهذا السبيل فقد أسعد نفسه ونجا، ومن حاول أن يقف في وجه الحق فإنه لا يضر إلا نفسه، يضرها في الدنيا ويضرها في الآخرة.

وانظر إلى التاريخ أين أبو جهل الآن؟! أين أبو لهب؟! أين أمية بن خلف؟! أين كسرى؟! أين قيصر؟! أين هؤلاء؟ أين عبد الله بن أبيّ؟ أين صناديد قريش؟! أين هؤلاء اليهود حُيي بن أخطب وغيره؟ كلهم ذهبوا ولم يبق لهم إلا السيئات التي سُطّرت في صحائفهم، وأما الإسلام فبقي محفوظاً، بقي كالطود الشامخ، أتم الله نوره ودخل الناس في دين الله أفواجاً كما وعد الله جل وعلا. إذاً من ظن أنه يكيد للإسلام فليتذكر أن الله جل وعلا هو الذي يتولى الدفاع عن الإسلام وعن أهله ﴿ إِنَّ اللَّـهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾.

سؤال عند قوله جل وعلا: ﴿ وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ هل في ذلك إثبات لصفة الكيد لله تعالى؟ فإن كان كذلك فما معنى الكيد إذا أثبتناه له جل وعلا؟

سلف هذه الأمة أهل السنة والجماعة يُثبتون ما أثبته الله جل وعلا لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فالآية أثبتت الكيد لله جل وعلا حيث قال الله: ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ فنحن نُثْبِت الكيد كما أثبته الله جل وعلا لنفسه، ولكن حين نستقرئ الآيات نرى أن الآيات لم تُثْبِت الكيد لله جل وعلا على سبيل الإطلاق وإنما أثبتته على سبيل المقابلة. ولذلك نحن نقول أن الكيد من الصفات الفعلية التي لا يُوصف بها جل وعلا على سبيل الإطلاق وإنما يُوصف بها حين تكون مدحاً ذلك أن الكيد ومثله المكر قد يكون مدحًا إذا كان في مقابلة كيد الكائدين لأنه يدل على القوة، يدل على العلم، يدل على القدرة، وقد يكون صفة ذم إذا كان فيه تسلط على الآخرين، فيه ظلم لهم، فيه ابتداء للكيد والمكر بهم، وربنا جل وعلا أثبت لنفسه هذه الصفة على سبيل المقابلة فنحن نُثبتها على هذا النحو كما أثبتها الله جل وعلا ونقف حيث وقف النص، فنثبتها في المقابلة أو نثبتها مقيّدة في مثل قوله جل وعلا: ﴿ وَاللَّـهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ ونحو ذلك.

بعض المُفسرين، بعض المُؤولة ينفون المكر والكيد عن الله جل وعلا حتى على هذا المعنى ويقولون أن إطلاقه في هذه الآية هو من باب المشاكلة اللفظية لأنه أُثبت الكيد للكفار فأُثبت الكيد لله جل وعلا ولا يراد معناه ولا يراد حقيقته وإنما هو من باب المشاكلة اللفظية وهذا خطأ، ولذلك يُؤولون الكيد والمكر بالعقوبة أو إرادة الانتقام أو نحو ذلك، هذا من لوازم الكيد والمكر.

سلف الأمة أهل السنة والجماعة يُثبتون ما أثبتته النصوص على ضوء ما جاء عن الله جل وعلا وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. إذاً الصفة تُثْبَت ويُثْبَت بعد ذلك لوازمها.

ومما ينبغي الإشارة إليه أنه لا يُطلق على الله جل وعلا أنه كائد لا على سبيل الاسم ولا على سبيل الخبر، لأننا قلنا قبل قليل أن هذه الصفة تُثْبَت في حال وتُنْفَى عنه جل وعلا في حال أخرى.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في الحلقة السابقة ذكرتم عن أساليب التفسير وتحدثتم عن التفسير الموضوعي أريد أن تحدثونا عن بقية الأساليب إذا كرمتم مع توضيح أبرز سماتها وخصائصها؟

د. الدريبي:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، محمد بن عبد الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد.

جرى في الحلقات السابقة الحديث عن أساليب التفسير وقبلها كنا قد تحدثنا عن مناهج المفسرين وجرى أيضاً الإشارة إلى اتجاهات التفسير وفَرَقّنا سابقاً بين هذه المصطلحات الثلاثة وهي تقسيمات فنية أنشأها الكاتبون وعلماء الدراسات القرآنية المعاصرون للتفريق وللبيان وللتقسيم في موضوع ما يندرج تحت هذا الفن من فنون الدراسات القرآنية وهو مناهج المفسرين. وفي الحلقة السابقة تحدثنا عن أحد أهم أساليب التفسير، والأسلوب - باختصار نُذَكِّر به - هو الطريقة التي يسلكها المفسر عند تفسيره لكلام الله عز وجل حسب المنهج الذي يرتضيه هو وصولاً إلى الهدف الذي يأمل من تفسيره أن يصل إليه سواء كان اتجاه تفسير محمود اتجاه تفاسير أهل السنة أو الاتجاهات المنحرفة التي - إن يَسّر الله - يجري الحديث عنها.

ومن أوائل من قَسّم هذا الموضوع بهذا الشكل – قسّم أساليب التفسير إلى عدة أساليب- يذكر الباحثون في ذلك الدكتور أحمد جمال العمري في كتاب له ( دراسات التفسير الموضوعي للقصص القرآني) فقد ذكر أن هذه الأساليب ثلاثة:

التفسير التحليلي، التفسير الإجمالي، التفسير الموضوعي.

سبق الحديث عن التفسير الموضوعي وبعض المعاصرين منهم الدكتور فهد الرومي زاد أسلوباً رابعاً من خلال استقراء أيضاً وهو ما يسمى بالتفسير المقارن.

وفي هذا الوقت المتاح سنتحدث عن الأسلوب الثاني من أساليب التفسير وهو التفسير التحليلي وهذان الأسلوبان -التفسير الموضوعي والتفسير التحليلي- هما من أبرز الأساليب التي تتضح فيها الفرق بين هذين الأسلوبين وإن كان كما أسلفنا أن التفسير الموضوعي محتاج أشد الاحتياج إلى التفسير التحليلي ولهذا يعد العلماء التفسير التحليلي هو أساس أساليب التفسير ونشأته قديمة منذ أن نزل القرآن الكريم على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعون والمفسرون من السلف أول ما ينهجون ويهتمون بمثل هذا الموضوع وهو التفسير التحليلي وربما لو تأملنا في قول مجاهد رحمه الله حينما قال: "عرضت التفسير على ابن عباس ثلاث مرات أقفه عند كل آية وأسأله عنها" هذا يبين المنهج أو يشير إلى أصول التفسير التحليلي، ولهذا يقول العلماء أن هذا الأسلوب هو أشهر التفاسير وأهمها قديماً وحديثاً.

والمفسرون قديماً وحديثاً حتى في هذا الأسلوب يتفاوتون بين الإيجاز والاختصار على أهم مكونات التفسير التحليلي، وبين الإطناب وبين التوسع ففيه تباين في المفسرين الذين يتناولون التفسير التحليلي وحسب هذين المنهجين إماً توسعاً أو إيجازاً.

هذا المنهج وهو منهج التفسير التحليلي يقوم على عدة مقومات أهمها:

أن المفسر تتبع الآيات حسب ترتيب المصحف فيبين ما فيها يأتي بالقرآن الكريم حسب ترتيب المصحف ثم يأتي للسورة فإما يُقسمها ويتحدث عنها آية آية أو يتحدث عنها مقطع مقطع ونلفت الانتباه هنا إلى أن بعض الطبعات الموجودة من كتب التفسير الموسوعية والمشتهرة هذا التقسيم للآيات ليس من صنيع المؤلف وإنما هو من صنيع من نسخ هذا التفسير أو من طبعه فيما بعد.

المفسر هنا قلنا يرتب الآيات حسب ترتيب المصحف يتطرق إلى كل ما يتعلق بالآية من موضوعها ما يتعلق فيها من الألفاظ يُحلل هذه الألفاظ، التفسير التحليلي واضح في كلمة التحليل وهو أنه يأتي إلى هذه الألفاظ فيحللها تحليلاً دقيقاً فيتحدث عنها عن كل ما يتعلق بها سواء سنذكر بإجمال وسنذكر بعد ذلك بالتفصيل سواء كان في اللغة أو في الإعراب أو في البلاغة أو في الأحكام أو ما يتعلق بتحليل المفردات أو غير ذلك.

منهجية تناول التفسير التحليلي تقوم على هذه الأسس تحليل المفردة القرآنية من حيث معناها في اللغة، من حيث إعرابها، من حيث بلاغتها بلاغة المفردة أو بلاغة الأسلوب بعموم، من حيث المعنى العام، ثم من حيث الأحكام إن كانت فيها أحكام فقهية، أحكام تشير إلى مسائل عقدية، تشير إلى مسائل في الإعجاز، تشير إلى أي مسائل تتعلق بما يسمى بما يستفاد من الآية أو أحكام الآية أو بعضهم يسميه هدايات الآية وغير ذلك، إضافة إلى وجوه القراءات منهم من يتحدث أيضاً في التفسير التحليلي فيذكر القراءات ويذكر اختلاف معنى الآية على كل قراءة من القراءات إذا كان يختلف المعنى عليها.

فهذا التفسير يقوم على هذه الأسس التي ذكرناها فهناك أدوات يجب أن تتوافر في المفسر الذي يتعرض لهذا اللون من التفسير لا بد أن يكون مُتمكناً من النحو والصرف والبلاغة وأصول الفقه ومن علوم القرآن بعامة كل ما له أثر في فهم القرآن الكريم.

هذا اللون من ألوان التفسير وهو التفسير التحليلي وهو كما قلنا واضح كلمة التحليل فيه تفكيك الكلام لفظة لفظة أو مقطع مقطع أو آية آية ويتحدث عما فيها من معان وأعاريب وأحكام ثم ينتقل بعد ذلك إلى الآيات التي بعدها وهكذا.

وكثير من كتب التفسير هي تدخل تحت هذا اللون ولهذا يعده العلماء هو الأسلوب الأساسي من أساليب التفسير لأن أغلب كتب التفسير تنتهج هذا الأسلوب وهو أسلوب التفسير التحليلي.

من أهم عمد كتب التفسير التحليلي:

تفسير الإمام الطبري، وكذلك (الكشف والبيان) للثعلبي، وتفسير القرطبي و(التحرير والتنوير) لابن عاشور، (فتح القدير) للإمام الشوكاني، وحتى المفسرون المعاصرون من أمثال الدكتور وهبة الزحيلي أيضاً انتهج في تفسيره المطول مثل هذا المنهج وفسر القرآن الكريم بهذه الطريقة التي فسرها المتقدمون مع ترتيب نوعاً ما يُناسب المعاصرين في التقسيمات والتشقيقات والإيضاح في العناوين.

هذا التفسير -التفسير التحليلي-  كما قلنا أنه يتفاوت المفسرون فيه بين الإيجاز والإطناب بين من يؤلف في ذلك مختصر ويلتزم ويسير على اللون من ألوان التفسير وهو التفسير التحليلي مثل تفسير ابن جُزي الكلبي فهو مختصر يعتبر لكن المؤلف رحمه الله المفسر ابن جزي يُحلل اللفظة فيذكر معناها في اللغة ويذكر الإعراب الذي في الكلمات ويذكر بعض الإشارات البلاغية ويذكر بعض المعاني والأحكام، وهذا يعتبر مختصر، وبين مُطَول مثل تفسير الطبري، أو تفسير القرطبي من التفاسير المتقدمة، أو تفسير الإمام الشوكاني (فتح القدير) أو تفسير الإمام الثعلبي، أو تفسير الواحدي (البسيط) وهو على اسمه بسيط والمقصود ببسيط هنا الواسع ليس البسيط الشائع عند الناس الشيء القليل، لا ، في اللغة المقصود به الشيء المُطول، كذلك تفسير الإمام البغوي، وتفسير الإمام ابن عطية (المحرر الوجيز)، وتفسير الإمام ابن كثير وغيرها من كتب التفسير كثير منها تعتمد هذا الأسلوب التفسير التحليلي ولهذا قال العلماء أنه يعد أقدم أساليب التفسير وهو يعتبر العمدة أو الرئيس في بقية أساليب التفسير مثل ما ذكرنا التفسير الموضوعي وسنتحدث عن أنه أساس للأسلوبين الآخرين من أساليب التفسير.

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل